الاتحاد

دنيا

هواتف ذكية تنصف العمال وتراعي البيئة

من المتوقع أن يرى الهاتف الهولندي النور خريف العام الجاري (من المصدر)

من المتوقع أن يرى الهاتف الهولندي النور خريف العام الجاري (من المصدر)

تعد صناعة الهواتف الذكية من أكثر الصناعات نموا في العصر الحديث، وهي تشهد تطورات كبيرة جعلتها في مقدمة القطاعات المدرة للدخل على قائمة الكثير من شركات التكنولوجيا، إلا أن عملية جلب المواد الخام التي تدخل في صناعة الهواتف المحمولة لا تلتزم بالمعايير البيئية وتضرها بشكل كبير لاسيما في الصين والكونجو، ولا تراعي حقوق العمال الذين يتقاضون مبالغ زهيدة لقاء ساعات عمل طويلة ومجهدة، ما حدا ببعض الشركات إلى إنتاج هواتف وفق معايير تنصف العمال وتراعي البيئة، وأبرزها هاتف «فيرفون» المنتظر دخوله الأسواق قريبا.

على الرغم من عشرات الأسئلة اليومية التي يطرحها الزبائن والمستخدمون عن ماهية هذه الأنواع من الهواتف أو تلك الفئات الكثيرة والمختلفة منها، والميزات والمواصفات والتقنيات التي تأتي بها إلا أن هناك سؤالاً قد لا يسأله الكثير من هؤلاء المستخدمين والزبائن عشاق هذه الهواتف المتحركة، والذين لا يدخرون الوقت أو الجهد أو المال في اقتناء آخر وأحدث ما توصلت إليه التقنيات الحديثة في عالم الهواتف. والسؤال هو: كيف يتم تصنيع الهواتف المتحركة؟
مسؤولية الشركات
يعلم العديد من مستخدمي الهواتف المتحركة أن صناعة وإنتاج هذه الأجهزة تتم بشركات كاملة الرفاهية، وفي مصانع مزودة بكل متطلبات الحياة اليومية للفرد، ويجتمع بها العامل مع المشرف والخبير مع الفني، تحت سقفٍ واحد تملأه روح العمل الجماعي، ويغمره الفرح والسعادة لجمع الموظفين والمسؤولين، بهدف إنتاج وليد جديد لشركة جديدة أو قديمة في السوق، تنوي تحقيق الربح السريع والوفير من هذا المنتج الجديد لها.
أما الأمر الذي قد لا يعلم به الكثير من عشاق الهواتف المتحركة، ومن المصرين على اقتناء وشراء أحدث وآخر النسخ منها، هو من أين تأتي هذه الكميات الكبيرة من المواد الخام، التي تكفي لإنتاج ملايين الملايين من الهواتف الذكية والتقليدية، من شركات معروفة أو غير معروفة، يومياً ومن دون انقطاع؟
حيث إن إنتاج هاتف متحرك، ليست بالعملية السهلة التي يظنها الكثير من المستخدمين لهذه الهواتف، وهذا السعر البسيط الذي يأتي عليه الهاتف، دفع ثمنه العديد من العمال الذين لا يحصلون إلا على أقل القليل مما تتقاضاه الشركات المنتجة والمصنعة لهذا الجهاز.
ويؤكد منتجو ومصنعو الهواتف المتحركة كما وضحت الوكالة الألمانية الإخبارية، أن هذه الشركات العالمية لا تعرف ولا تعلم بالصعوبة الكبيرة في الحصول على مصادر المواد الخام والمعادن النادرة التي يتم تزويدهم بها ليصنعوا بها أجهزتهم، وذلك بسبب العدد الهائل للمزوِّدين والوُسطاء الضالعين بهذه التجارة. لكن عضوة المنظمة الألمانية للمراقبة يوهنّا كوش ترى من خلال بحوثها التي أجرتها بنفسها، أن المسؤولية تقع على عاتق منتجي الهواتف المتحركة. وتقول «الزعم القائل بأن الشركات المنتجة للهواتف ليس بوسعها تتبّع مصادر المواد الخامّ هو زعم مردود على قائليه»، مضيفة أن «العديد من الدراسات أظهرت إمكانية تتبّع المواد الخام حتى مصادرها الأولية في المناجم الأرضية».
وترى كوش أن على شركات الإنتاج استخدام قوتها في الأسواق لتكون أكثر عدلاً وإنصافاً للعمال والبيئة. وهذا تماماً ما يقوم به المستثمر الهولندي باس فان أبِل، الذي يعمل مع فريقه في تطوير الهاتف الذكي «المراعي للعدالة والإنصاف» فيرفون، الذي يقوم إنتاجه على أخذ مصادر المواد الخام وظروف العمال بعين الاعتبار.
مناطق الصراع
هاتفك الذي بين يديك والهواتف غير منتهية العدد التي تراها في الأسواق والمتاجر الإلكترونية، يتطلب إنتاج أي منها عددا كبيرا جداً من المواد والعناصر الأرضية النادرة، والكثير من المواد الخام المختلفة، والتي صنفتها الوكالة الألمانية الإخبارية بأنها «معادن مناطق الصراع». والسبب في ذلك أن الشركات المنتجة للهواتف المتحركة، توظف مئات العمال بشكل مستمر لاستخراج مثل هذه المواد من المناطق المتوترة سياسياً، والتي تسود فيها الحروب الأهلية، والذي تعتبر فيها قوانين حماية حقوق الإنسان والعمال، منتهكة بشكل علني وصريح.
وهو الأمر الحاصل اليوم في منطقة الكونجو في أفريقيا، والحروب الأهلية الكثيرة فيها. حيث تتوجه أنظار العديد من الشركات العالمية المصنعة والمنتجة للهواتف، إلى مثل هذه المناطق الخطرة، التي تكثر فيها أهم أساسيات تصنيع الهواتف المتحركة من مواد خام ومعادن، بالإضافة إلى وفرة العمالة الرخيصة جداً، من الأطفال والنساء والشيوخ، إلى جانب الرجال، الذين قد يكون الغذاء والماء هو أجرة عملهم الشاق يومياً.
وتشير الوكالة الألمانية، إلى أن جماعات مسلحة تستفيد من بيع هذه المواد الخام والمعادن النادرة التي تستخدم في تصنيع الهواتف المتحركة، والتي تعود عليها بعائدات مالية ضخمة، لحاجة سوق الهواتف العالمي المستمر لمثل هذه المواد.
وتقوم هذه الجمعات بتخصيص بعض من أرباحها الكبيرة في الغالب لشراء أسلحة قتالية لتعزز بها مخزوناتها من الذخيرة. والجدير بالذكر أن أكبر مزوِّد للمعادن الأرضية النادرة في العالم هي الصين. وتكمن المشكلة في الصين في استخراج المعادن الأرضية باستخدام أحماض تجلبها المعادن معها من ثقوب يتم حفرها في الأرض، ويَنتُج عنها مواد طينية سامة ملوثة للبيئة، وينجم ذلك عن تصحّر الأراضي الزراعية وتلوث القرى الريفية.
معاناة يومية
بسبب معاناة آلاف العمال اليومية، والأجر القليل الذي يحصلون عليه مقابل عملهم ساعات طويلة، وبسب الميل الجائر على البيئة، وما تسببه وسائل البحث عن المعادن النادرة من تلوث وتصحر للقرى والأراضي الزراعية، تبنى باس فان أبِل، أحد المستثمرين في هولندا، فكرة جديدة في تصنيع الهواتف المتحركة، على أمل الحد من معاناة العمالة في مناطق مثل الكونجو، وتقليل المخاطر على البيئة، وخصوصاً في مناطق الصين وقراها المختلفة.
وهاتف فيرفون الجديد، والذي يتم تطويره حالياً في معامل خاصة في هولندا من قبل مجموعة من المطورين، يراعي في أساس تصنيعه مبادئ العدل والإنصاف، ويستند في إنتاجه على أسس حماية حقوق الإنسان وضمان آدمية العمال القائمين على تجميع وتصنيع هذا الهاتف، حيث إن الهاتف الهولندي الجديد، لن تكون ميزاته التقنية ومواصفاته الفنية أبرز النواحي اللافتة فيه، وأبرز ما يميز الهاتف عن غيره من الهواتف المتحركة الأخرى، بل ستكون طريقة إنتاج الهاتف ونوعية المواد المكونة له هي أهم الميزات والمزايا التي سيتحلى بها الهاتف الهولندي الجديد.
ومن المقرر أن يتم إطلاق هواتف فيرفون الذكية الجديدة في خريف العام الجاري. ويقول المستثمر الهولندي بأبِل إن «هواتف فيرفون ستقدِّم للزبائن بديلاً عن الهواتف الموجود في السوق بشكل تنافسي سيقوم بإلهام كل الشركات المنخرطة في هذا القطاع الصناعي للتصرف بإيجابية»، ويتمنى أن تؤدي زياد الطلب على هذه الهواتف إلى الضغط على الأسواق وشركات الإنتاج «لتكون أكثر عدلاً وإنصافاً».

دخول السوق
إلى الآن تؤكد الوكالة الألمانية الإخبارية وجود شركة اتصالات واحدة تقدمت بطلب شراء هواتف فيرفون، وهي شركة KPN الهولندية، وطلبها، الذي يُعتبَر غير رسمي بعد، يشمل شراء أجهزة من هذا النوع بقيمة تبلغ 300 ألف يورو، كما توجد شركة اتصالات ألمانية أخرى تنوي شراء عدد من هذه الأجهزة بناء على طلب زبائنها. ويعوّل المستثمر الهولندي على أن يتم إنتاج هاتفة الذكي في الصين أيضاً، ويطمح بذلك إلى زيادة أجور العمال الصينيين الذين سيعملون معه بنسبة 50 في المائة، وذلك من خلال زيادة تكاليف دفع أجور العمال من واحد في المائة إلى اثنين في المائة، خاصة أن العمال، في الصين، العاملين في إنتاج أجهزة آي فون مثلاً، لا يتقاضون الكثير من الأجر، وبذلك يسعى هذا المستثمر لأن يكون جهازه الذكي هو الجهاز الأكثر عدلاً وإنصافاً في أسواق الهواتف المحمولة.

اقرأ أيضا