الاتحاد

تقارير

نجم تركيا

قامت وزيرة الخارجية الأميركية بزيارة لأنقرة وامتدحت تركيا كدولة قيادية في الشرق الأوسط تلعب دوراً حيوياً في المنطقة· كما أعلنت أن الرئيس الأميركي يخطط لزيارة تركيا في إبريل المقبل، مضيفة بذلك إلى التوقعات حول أية دولة مسلمة سيوجه منها أوباما خطاباً للعالم الإسلامي خلال سنته الأولى في الرئاسة· لكن لماذا يتم توجيه كل هذا الاهتمام المفاجئ إلى تركيا؟
واصل نجم تركيا، في الساحة الدولية، صعوده، نظراً لجهودها المتنوعة في صنع السلام منذ وصول ''حزب العدالة والتنمية'' إلى الحكم فيها عام ·2002 فقد توسطت الحكومة التركية مثلا بين الشيعة والسنة في العراق، الأمر الذي ساعد على تشكيل حكومة ذات قاعدة واسعة هناك· كما أن عرضها المساعدة للتخفيف من أزمة الرسوم الكاريكاتورية الدنمركية عام ،2003 ودورها عام 2005 إلى جانب إسبانيا في إنشاء مبادرة دولية لتشجيع التفاهم بين العالم الإسلامي والغرب، حملت اسم ''تحالف الحضارات''، أثبت رغبتها في العمل كجسر للعلاقات بين المسلمين والغرب· وقد كانت تركيا وما تزال، وسيطاً نشطاً للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ''حماس'' و''فتح''، سوريا وإسرائيل، باكستان وإسرائيل، أفغانستان وباكستان، الاتحاد الأوروبي وإيران، واشنطن وطهران·
وينبع تأثير تركيا المتزايد في السياسة الدولية، من وجهة نظر غربية على الأقل، من النموذج الذي تمثله ديمقراطيتها العلمانية للدول المجاورة وللديمقراطيات الناشئة في العراق وأفغانستان·
لكن بينما تقوم تركيا بتحقيق خطوات مثيرة للإعجاب في الساحة الدولية، تبقى العديد من المشاكل الداخلية بدون حل· فحزب ''العدالة والتنمية'' الحاكم يطرح نفسه كحزب محافظ بهوية إسلامية، يلتزم التزاماً صارماً بالديمقراطية وحكم القانون· وأثناء فترة حكمه الأولى، جرى تأكيد تعهده بالدفاع عن هذه القيم من خلال سلسلة من الإصلاحات الديمقراطية، بما فيها تحديث القانون الجزائي، تنفيذاً لإرشادات عضوية الاتحاد الأوروبي·
إلا أنه بعد فوز الحزب بانتخابات عام ،2007 أشارت حكومته، وفي مناسبات عدة، إلى أن السياسة ذات القاعدة الدينية تأخذ أولوية على الممارسة الديمقراطية· وبذلك تحوّل طرحه حول القانون الشامل والديمقراطية، خاصة في قضايا المرأة والطفل والتعليم والأقليات··· ليصبح طرحاً دينياً· فمثلا أصبحت قضية تطعيم HPV عام ،2007 لمنع سرطان الرحم عند النساء، مجالا للحوار العام حول عفّة المرأة وليس صحّتها·
ولعل قضايا كهذه تعرّض المكانة التي اكتسبتها تركيا حتى الآن، كوسيط سلام دولي محترم، للخطر لأنها تحد من مصداقيتها كديمقراطية علمانية في الساحة الدولية·
وهناك مواقف كثيرة محافظة دينياً من جانب الحكومة؛ فقبل أسابيع قليلة سأل وزير البيئة التركي، إيروغلو، مجيباً على نساء تذمرن من البطالة: ''أليس لديكن عمل كافٍ في المنزل؟''· كذلك قام مجلس العلوم الوطني مؤخراً بطرد محرر مجلة ''العلوم والتكنولوجيا'' التركية التي تتمتع بشعبية، وذلك لنشره صورة داروين على غلاف المجلة·
يعتبر الاعتماد على الطروحات الإسلامية لحل القضايا المحلية الملّحة، وتعزيز دورها في الشرق الأوسط، سياسة غير حكيمة لحكومة حزب ''العدالة والتنمية''· وسينظر إلى مسار الأعمال الدينية السياسية على المدى البعيد، على أنه إحياء لتطلعات تركيا العثمانية المتجددة إزاء دول شرق أوسطية أخرى· كذلك سيُنظر إليها في الغرب على أنها انحراف عن القيم الديمقراطية العلمانية، الأمر الذي سيُفشل فُرص تركيا في نيل عضوية الاتحاد الأوروبي·
ويتوجب على حزب ''العدالة والتنمية'' أن يضمن سعي تركيا للحفاظ على مكانتها كعنصر تغيير إيجابي في المجتمع الدولي· فسمعتها كنجم صاعد في الساحة الدولية، تعتمد ليس فقط على سياسة التوسط في القضايا العالمية، وإنما كذلك على الكيفية التي تدير بها شؤونها الداخلية·
نعمت بيريكر
أستاذ تحليل النزاع وحله بجامعة سابانشي -اسطنبول
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كومون جراوند الإخبارية

اقرأ أيضا