الاتحاد

تقارير

الأزمة المالية··· ضربة لصناعة التعدين في زامبيا

الركود العالمي يؤجج الفقر في زامبيا

الركود العالمي يؤجج الفقر في زامبيا

منذ شهر يناير الماضي، تسللت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى ''لونشيا'' هذه البلدة الصغيرة، التي يعتمد أهلها اعتماداً كلياً على عائدات تعدين النحاس· وقد انعكست تأثيرات الأزمة المباشرة، في عجز المواطنين عن شراء مستلزمات حياتهم من اللحوم والخضروات، وفي البطون الخاوية، وصفوف الانتظار الطويلة التي يقف فيها سكان البلدة أمام مكتب ''تشيمبا كامبويلي''، النائب البرلماني المحلي، صباح كل يوم جديد منذ حلول الأزمة· أوضح ''كامبويلي'' المأساة بقوله: ''تعتمد هذه البلدة بشكل أساسي على صناعة تعدين النحاس· وبسبب توقف نشاط التعدين متأثراً بالأزمة المالية العالمية، تشرد العاملون والموظفون، وتعاني أغلبية السكان فقراً مدقعاً''· قال ذلك وهو يسلم حوالي 9 دولارات من جيبه الخاص، لإحدى الأمهات المعوزات، جاءته تشكو سوء حالها وقلة حيلتها بقولها إنه ما من أحد يشتري منها السكاكر والحلوى المنزلية التي تصنعها في البيت لإعالة أبنائها الستة، وإن مالك المنزل ربما يطردها في أي لحظة لعجزها عن سداد الإيجار·
صناعة تعدين النحاس هي مصدر الدخل الرئيسي الذي يعزز اقتصاد زامبيا، هذه الدولة الفقيرة الواقعة ضمن منطقة حزام النحاس في أفريقيا· لكن تراجع التجارة العالمية، أدى بدوره إلى انخفاض حاد في الطلب على النحاس المستخدم في صناعة الإلكترونيات وبناء المنازل في أميركا ودول القارة الآسيوية· وبالنتيجة اضطرت شركات التعدين الزامبية إلى إبطاء إنتاجها في بداية الأمر، ثم الإغلاق، ما يعني عدم قدرة عشرات الآلاف من المواطنين على تلبية حاجتهم اليومية إلى الغذاء والتعليم والرعاية الصحية· وخلافاً لهذه الأوضاع المزرية، شهدت اقتصادات القارة الأفريقية القائمة على استثمار الموارد المحلية، نمواً مستقراً وملحوظاً خلال السنوات الأخيرة الماضية، مؤدية بذلك إلى تحسن مستوى معيشة الملايين· لكن وبسبب انخفاض الطلب العالمي على الماس البوتسواني، والنفط التشادي والقطن التنزاني، ثم النحاس الزامبي مؤخراً، تشير تقديرات البنك الدولي إلى احتمال دفع الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في الدول الغنية، بملايين المواطنين الأفارقة الجدد إلى هوة الفقر· وبذلك سوف ترتفع في المقابل الاضطرابات الأمنية السياسية المتوقعة في مختلف دول القارة·
''لوكاش نجوما'' -فني كهربائي يبلغ من العمر 45 عاماً- واحد ممن فقدوا وظائفهم في شركة التعدين المذكورة، فهو يلخص ماذا تعني الأزمة الاقتصادية التي ضربت بلدته، بالقول إن إطعام 8 أفواه جائعة من أطفاله، يعني مبادلة مشغل ''دي· في· دي'' كانت تمتلكه العائلة، بجوال من السمك المجفف···· وهكذا· فالوقت لم يعد ملائماً للاحتفاظ بالكماليات المنزلية ووسائل الترفيه، في حين يعجز الآلاف مثله عن إطعام أطفالهم· ومضى إلى القول: حتى شهر ديسمبر الماضي، كنا نتناول ثلاث وجبات منتظمة، أما اليوم فنكتفي بتناول وجبة واحدة فحسب· وحتى هذه تضطر فيها العائلة لاقتسام سمكة واحدة بينها لا أكثر·
يذكر أن نصف الدول الـ26 التي أشارت إليها تقديرات صندوق النقد الدولي، باعتبارها الدول الأكثر عرضة للصدمات الناجمة عن الأزمة الاقتصادية العالمية، تقع في القارة الأفريقية· وبالنتيجة قلص الصندوق توقعاته السابقة للنمو الاقتصادي في القارة خلال العام الجاري، من 6,7 إلى 3,25 في المئة فحسب· ولا تنحصر المشكلة في انهيار أسعار السلع والبضائع التي تنتجها دول القارة، بل تراجع الاستثمار الأجنبي كذلك حتى في دول مزدهرة مثل جنوب أفريقيا وكينيا· كما يلاحظ انحسار الحوالات المالية إلى ليبيريا، في حين يتوقع تراجع المساعدات والمنح المالية المقدمة إلى دول القارة، بسبب تأثر الدول المانحة بالأزمة· ويتوقف الأمر كله -على حد قول الخبراء والقادة الأفارقة، الذين حذروا من أن يؤدي استمرار الأوضاع الحالية، إلى إثارة الاضطرابات والقلاقل في دول القارة- على سرعة تعافي اقتصادات الدول المتقدمة· وفي مؤتمر عقده دومينيك شتراوس خان -المدير الإداري لصندوق النقد الدولي، مع وزراء المالية الأفارقة خلال شهر مارس الجاري- أكد ضرورة عدم إهمال القارة وتركها لمواجهة هذه الظروف العصيبة بمفردها· فالأمر لا يتعلق بحماية الاستقرار والنمو الاقتصادي فحسب، وإنما له صلة باحتواء الاضطرابات المدنية التي يمكن أن تنجم عن الظروف الحالية، ثم إنه أمر يرتبط بحياة الناس ومستقبلهم·
هذا وتعد زامبيا من أكثر الدول تأثراً بالأزمة المالية الاقتصادية، نظراً لاعتماد ثلثي عائدات صادراتها على تصدير النحاس· وكانت هذه الصناعة قد شهدت ازدهاراً كبيراً في الصيف الماضي، بوصول سعر الطن الواحد من النحاس إلى 8 آلاف دولار· وبالنتيجة، ارتفع معدل النمو الاقتصادي في زامبيا إلى 8,5 في المئة العام الماضي· لكن وبحلول شهر ديسمبر من العام نفسه، انخفضت أسعار النحاس بما يزيد على نسبة 60 في المئة، فارتفعت خسائر شركات التعدين التي أنفقت مليارات الدولارات على عمليات التنقيب وإدخال تقنيات تعدين جديدة على صناعاتها· وبفعل تأثير الأزمة العالمية، انخفضت أسعار طن النحاس إلى 3900 دولار خلال الأيام القليلة الماضية·
في محاولة منها لمواجهة هذه الظروف العصيبة، تسعى زامبيا للحصول على قرض طارئ من صندوق النقد الدولي بقيمة 200 مليون دولار· وفي مجال السياسات الضريبية، قدمت الحكومة عرضاً سخياً لشركات التعدين، بهدف تشجيعها على استئناف نشاطها، وذلك بإلغاء إحدى الضرائب الأساسية المفروضة على أرباح الشركات· وللحد من اعتماد الاقتصاد الوطني على معدن النحاس وحده، اقترح وزير المالية، زيادة الاعتمادات المالية المخصصة للزراعة والسياحة والبنية التحتية· ولكن ربما تبدو هذه المقترحات أكثر طموحاً مما تحتمله الظروف الحالية الضاغطة على حد قول الخبراء·

كارين بروليارد- زامبيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا