تقارير

الاتحاد

جواب المشكلة الأفغانية: أجل نستطيع !

جواب المشكلة الأفغانية:  أجل نستطيع !

جواب المشكلة الأفغانية: أجل نستطيع !

بينما يميط الرئيس الأميركي أوباما النقاب عن استراتيجيته حول أفغانستان، عليه أن يعلم أن التحذيرات التي صدرت عن مسؤولين أميركيين يحثون على خفض سقف التوقعات، لم تجد آذاناً صماء في أفغانستان· فمؤخراً، وبينما كنا نقشر إجاصاً صينياً تحت ضوء مصابيح الكيروسين، بادرني أحد أعضاء تعاونيتي بالقول: ''أعتقد أننا كنا على خطأ حين كنا نمني النفس بشيء جديد حقاً من الإدارة الأميركية الجديدة''·
حاولتُ طمأنته قائلا إن التصريحات تدخل في إطار السياسة ليس إلا، وهي موجهة للاستهلاك الداخلي· لكن ألم يعلن أوباما من قبل أن أفغانستان تتصدر قائمة أولوياته الخارجية؟ ألم يعين أكفأ المسؤولين الأميركيين للانكباب على هذه المشكلة؟ ألم يقم بإرسال مزيد من القوات؟
بنظرة خلت من الاهتمام ناولني زميلي قطعة إجاص· نحن 14 شخصاً، نساء ورجال أفغان وأنا، نصنع الصابون· حين أكون في قندهار؛ نستعمل المحاصيل المحلية في منتجاتنا، نكابد الفساد الحكومي والانقطاع المزمن للتيار الكهربائي والعراقيل التي تعترض محاولة تسيير مصنع في ساحة حرب· غير أن ظروف البلد حولت أعضاء تعاونيتي، ومعظمهم أميون، إلى محللين سياسيين كبار· وهكذا، فحين قال أوباما مؤخراً إنه لا توجد مخططات جاهزة لـ''تحويل أفغانستان إلى ديمقراطية جيفرسونية''، أو حين قال وزير دفاعه إن الهدف لا يكمن في خلق نوع من الفردوس في آسيا الوسطى··· كان زملائي يستمعون باهتمام· فمثل هذه التصريحات لها وقع سيئ على الأفغان· والحال أنه بدون طاقة والتزام السكان الأفغان لا يمكن تحقيق حتى أقرب هدف من الأهداف الأميركية في أفغانستان، أي منع الإرهابيين الأجانب من تحويله إلى ملاذ لهم·
الخطاب المبالغ فيه الذي تسعى الإدارة الجديدة لتحجيمه، لم يكن سائداً سوى في لحظة من اللحظات، خلال الأشهر الأولى من عام ·2002 وبحلول صيف ذاك العام، كان زملائي الأفغان والأجانب يتساءلون: ماذا حدث للاهتمام الأميركي الموعود؟ لكننا في الأخير أدركنا أنه انتقل إلى العراق·
شكل تراجع الاهتمام فشلا ذريعاً لإدارة بوش، مثلما كان يشير إلى ذلك أوباما خلال حملته للانتخابات الرئاسية· غير أنه الآن ورغم نتائج تغيير المقاربة الذي رافق زيادة عديد القوات في العراق، فإن البعض في واشنطن يريدون مرة أخرى على ما يبدو استعمال الصيغ التبسيطية التي تعود لست أو سبع سنوات خلت حيث سمعتُ أحد المسؤولين يقول: ''المصلحة الحقيقية لأمننا القومي في أفغانستان هي القضاء على قواعد الإرهاب العابر للدول فقط· فلماذا لا نركز فقط على تدمير تلك القواعد ونترك الباقي؟''·
غير أن تلك هي بالضبط سياسة إدارة بوش· فمنذ البداية، تم التعامل مع أفغانستان كعملية جراحية محدودة لمحاربة الإرهاب· وكان من نتائج ذلك الخيار أن توسع ملاذ الإرهابيين من بضع قمم جبلية على المناطق الحدودية مع باكستان في عام 2002 إلى منطقة تمتد اليوم على مساحة نصف البلاد تقريباً· ولتحقيق أهدافه المناوئة للإرهاب، اعتمد الجيش الأميركي على الوكلاء الأفغان الذين جندهم من صفوف أمراء الحرب الذين طردتهم ''طالبان'' من البلاد عام ·1994 ومقابل مساهمة هؤلاء الأمراء في محاربة الإرهاب، قمنا بتسليحهم وتمويلهم وتنصيبهم في مناصب سياسية، وكان ذلك أحياناً ضد رغبة الرئيس كرزاي· وجعلنا الانشغال الأميركي بالأهداف الضيقة لمحاربة الإرهاب نتغاضى عن كل الممارسات الفاسدة لهؤلاء الرجال في إدارة الحكم·
ما تلا ذلك كان استشراء الفساد واستغلال النفوذ، اللذين دفع ثمنهما المواطنون العاديون· فمثلا استوردت تعاونيتنا بعض معدات الطاقة الشمسية التي كنا نحتاجها في قندهار، لكننا اضطررنا لدفع نحو 1200 دولار من الرشاوى في سبع نقاط تفتيش مختلفة في الطريق من الحدود الباكستانية إلى مقر جمارك قندهار· ففي أفغانستان تباع الأحكام القضائية وتشترى، شأنها في ذلك شأن المناصب العامة، ورخص السياقة، وشهادات الوفاة· أما العقود المربحة، فيحتكرها ''تجار النفوذ''· لكن الفساد يغضب الأفغان العاديين الذين يرون أن مثل هذه التجاوزات والانتهاكات ليست جزءاً من ثقافتهم· والنتيجة هي أن البلد الذي رحب ترحيباً حاراً بحكومة كرزاي الفتية وبالوجود الدولي عام ،2002 هو اليوم بصدد العودة إلى حركة ''طالبان''، ليس من باب التعاطف أو الميل الأيديولوجي، وإنما لأنها تمثل بديلا عملياً للفوضى السائدة حالياً، على نحو ما كان عليه الحال عام 1994 عندما ظهرت الحركة لأول مرة·
''المصالحة''، كلمة أصبحت فجأة كثيرة الاستعمال حالياً، في أحاديث كرزاي وبعض المسؤولين والخبراء الأميركيين، غير أنه من السخف الاعتقاد أنه إذا تم تسليم أفغانستان كلياً أو جزئياً إلى نوع ''معتدل'' متخيل من ''طالبان''، فإنه لن يصبح على المدى القصير ملاذاً للإرهاب الدولي مرة أخرى· قد تقدم ''طالبان'' وعوداً أثناء التفاوض حول اتفاق من هذا النوع، غير أن وعودها لن تساوي قيمة الورق الذي ستكتب عليه· ثم إن السكان الذين ضاقوا ذرعاً بالفوضى والهدر والفساد الذي وسم الوجود الدولي سيكونون ضعافاً وغير محصنين أمام جهود التجنيد التي تقوم بها ''القاعدة''·
إن الجواب على مشكلة أفغانستان ليس هو خفض مستوى التحدي وإنما رفعه· فما نحتاجه هو طاقة وقوة من النوع الذي وسم شعار أوباما: ''أجل نستطيع''· فنحن نستطيع على سبيل المثال أن نعمل ليس على ضمان أمن الانتخابات الأفغانية فحسب، وإنما أيضاً ضمان قدر من النزاهة عبر رصد حالات انتهاك القانون والتبليغ عنها ومعاقبتها، وعبر النأي بأنفسنا عن المسؤولين الأفغان الذين يستغلون مناصبهم بشكل غير قانوني لتأمين إعادة انتخاب كرزاي· كما نستطيع التشديد على محاسبة المسؤولين الأفغان، لاسيما بخصوص إنفاق الأموال الدولية، ونستطيع مساعدة الأفغان على منح القوة القانونية لما يعد أهم خاصية من خصائص الديمقراطية الأميركية، أي آليات الفصل بين السلطات ومراقبة بعضها لبعض·
إن جلب قوات إضافية إلى أفغانستان حاجة ماسة وعاجلة، وينبغي أن يتم نشرها لحماية السكان بدلا من أن يكون تركيزها هو ملاحقة أهداف ثمينة أو محاولة إغلاق حدود أفغانستان·

سارة تشاييس
مديرة جمعية آرجاند في قندهار، ومستشارة قائد قوات الناتو في أفغانستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا