عربي ودولي

الاتحاد

صيحة جورجي زيدان بين غفلة الشعوب وانشغال الحكام


القاهرة- حلمي النمنم:
تكاد الدراسات العربية حول الاطماع الصهيونية في فلسطين وقيام دولة اسرائيل تجمع على أن الكُتاب والمفكرين العرب لم ينتبهوا الى الخطر الصهيوني والهجرات اليهودية المتزايدة الى فلسطين إلا بعد صدور وعد بلفور في نوفمبر ،1917 وقفز بعض الدارسين الى القول : أن الجميع كانوا منشغلين عن فلسطين وما يجري فيها الى حين وقوع حادث البراق في العام ··1929 التفسير الذي يقدمه هؤلاء الباحثون هو أن الدول العربية، خاصة المحيطة بفلسطين كانت تخضع للاحتلال البريطاني أو الفرنسي، وأن كل بلد كان مشغولا بقضيته الوطنية عما عداها، ومن واقع البحث في العديد من الدوريات العربية التي كانت تصدر في القاهرة نجد ان المفكرين والكٌتاب العرب كانوا منتبهين مبكرا الى ما يجري على أرض فلسطين، وأنهم قبل انعقاد مؤتمر الصهيونية في بازل عام 1897 نبهوا وحذروا مما يجري في فلسطين وبعضهم تنبأ بما جرى على هذه الارض العربية بعد ذلك سواء في 1948 أو في ،1967 ولا يمنع هذا من كون بعض الكُتاب الذين تفاءلوا واستبشروا بالهجرة الصهيونية الى فلسطين وقالوا، كما يقول بعضنا اليوم، إنها ستكون قاطرة التحديث والتنمية في المنطقة، لأن الصهاينة يملكون المال والعلم··هذه الحلقات الأربع محاولة لرصد مواقف وآراء عدد من كبار المفكرين والكُتاب العرب حول الصهيونية منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى قبل صدور وعد بلفور،الكل يعرف هؤلاء المفكرين وتنتشر كتبهم بيننا الى اليوم ولهم قراء ومعجبون وايضا خصوم لكن موقف كل منهم من الصهيونية لم يشغل الباحثين!
قام جورجي زيدان برحلة إلى فلسطين قبل وفاته -توفى عام 1914- حيث زارها في صيف 1913 وقدم تغطية موسعة وموثقة لهذه الرحلة على صفحات 'الهلال' ابتداء من عدد ديسمبر 1913 حتى مايو من العام التالي·· وكان قد مهد لهذه التغطية بدراسة تاريخية عن فلسطين، عدد أكتوبر ،1913 ودراسة أخرى عن 'الصهيونية·· تاريخها وأعمالها'، في عدد نوفمبر 1913 بدأها بالقول ان 'الصهيونية دعوة اجتماعية سياسية انتشرت في الأمة الاسرائيلية بأواخر القرن الماضي وكثر تحدث الناس فيها بالاعوام الأخيرة، وقد همنا امرها على الخصوص في أثناء رحلتنا بفلسطين··' ويتطرق إلى هدف تلك الدعوة أو الفكرة 'ولابد لكل دعوة اجتماعية أو سياسية من غرض ترمي إليه· وغرض الصهيونية جمع الشعب الإسرائيلي في فلسطين وجعلها وطنا خاصا به، وهي مبنية من الوجهة الدينية على آيات جاءت في سفر أرميا··'
المنفعة ·· والعقيدة
ويستطرد زيدان في ذكر النصوص الدينية وما ترمي إليه ويستدرك قائلا 'على ان هذه الأقوال وامثالها لا تكفي لاجماع الأمة على العمل بها ان لم يتوقع أصحابها نفعا اقتصاديا أو سياسيا من ورائها أو أن يدفعهم للعمل جوع أو اضطهاد أو ظلم··' وعنده ان العقيدة وحدها لا تكفي لتحريك الناس وانما يحركهم النفع والمنفعة حيث يقول : 'كم من اعتقاد يعتقده الناس ولا يجتمعون للعمل به لعجزهم عن ذلك أو لعدم الاضطرار إليه ،وانما يجتمعون للعمل بما يرون لهم فيه مصلحة حقيقية، ويتذرعون إلى الاجتماع غالبا بأسباب دينية يتوكأون عليها ويأولونها إلى ما يساعدهم على ذلك··'·
ويستعرض زيدان آراء وأفكار هيرتزل التي قدمها في كتابه الصادر في باريس عام 1895 وعنوانه 'الوطن الإسرائيلي' وقد واجهت دعوة 'هيرتزل' بعض المعترضين، ليس على الفكرة ذاتها ولكن على بعض حيثيات هيرتزل في دعوته، ويحددهم جورجي زيدان بانهم 'طائفة كبيرة من الحاخاميين في روسيا وألمانيا والنمسا وانجلترا عارضوه في باديء الرأي لانه لم يعتبر الوجهة الدينية من المسألة كما ينبغي، ولأن اتباعه أكثرهم من الشباب المتنورين واتهموهم بكل قبيح· وكان المسيحيون أشد عطفا على الصهيونية من أولئك الحاخاميين فنصروهم بأقلامهم وألسنتهم··' ونتج عن موقف 'الحاخاميين'، مشكلة اخرى وهي '·· مسألة التعليم لأن الحاخاميين اعتبروا نشر العلوم العصرية من قبيل الخروج عن الآداب الدينية،واشاعوا ان الصهيونية من آلات الكفر··' لكن هيرتزل كان عمليا وذكيا واستطاع استقطاب الحاخامات واسترضاهم 'فلما انعقد المؤتمر الثاني رأي هيرتزل من الحكمة مصالحة رجال الدين فاعترف ان الصهيونية تشمل السعي لإحياء شعائر الدين فضلا عن الاقتصاد والسياسة··' لكن في المقابل وجدت آراء هيرتزل اقبالا وترحيبا من الجمعيات اليهودية '·· وأول من فعل ذلك جمعية اليهود النمساوية فوقع بضعة آلاف منهم سنة 1896 خطابا يطلبون فيه تأسيس جمعية يهودية في لندن· غير من اخذ برأيه وتعصب له من الناشئة المتألمين من مقاومة اليهود··'
ويستعرض تطور هذه الفكرة ومساراتها في الواقع ويدرك ان المتابع سوف تصيبه الدهشة من 'نجاح هذه الدعوة في هذه المدة القصيرة· لكنه إذا علم الغرض والوسيلة هان عليه ذلك··' ثم يستعرض المؤتمر الأول الذي دعا اليه هيرتزل في بازل سنة ··'1897 حضره نيف ومئتا عضو· كانت الأذهان متأهبة لقبول الدعوة فلم يكتفوا باعلانها -وهي ايجاد وطن شرعي للشعب الإسرائيلي في فلسطين، بل بحثوا في الوسائل المؤدية إلى نشرها وتأييدها فقرروا لذلك ثلاث وسائل من أرقى الوسائل المؤدية إلى النجاح وهي: احياء الآداب العبرانية ونشرها وانشاء مدارس لتعليم اللغة العبرانية وإنشاء مالية مشتركة لليهود· وأخذوا بعد انفضاض هذا المؤتمر في تأييد هذه القرارات بنشر الكتب والقاء الخطب باللغات العبرية والألمانية والفرنسية والانجليزية والعربية·
وفي العام التالي مباشرة 1898 انعقد المؤتمر الثاني ومن خلاله اتضح ان 'الجمعيات الصهيونية القائمة بذلك العمل تضاعفت كثرا وأصبح عددها 1150 جمعية فأخذ اعداؤها يتقربون منها وآمن بمبادئها كثيرون من رجال الدين· وتقرر في هذا المؤتمر تعيين جمعية خاصة بالاستعمار غرضها توسيع نطاقه وان تكون اللغة العبرانية هي لغة اليهود حيثما وجدوا··'، وفي المؤتمر الثالث الذي عقد في بازل أيضا تبين ان عدد الجمعيات اليهودية في روسيا فقط 877 جمعية وعدد المنخرطين فيها '250000 نفس' أي ربع مليون انسان، وفي 1901 تقرر عقد مؤتمر كل سنتين عدا المؤتمرات الفرعية خلال السنتين'··
وقرروا انشاء مكاتب للمطالعة ومدارس وتأليف دائرة معارف عبرانية··'
وفي 1903 انعقد المؤتمر السادس للصهيونية في بازل وتقرر فيه 'ارسال لجنة إلى اوغندة تبحث في هل تصلح تلك البلاد للاستعمار وقرر تخصيص 200000 جنيه لشراءأرض في فلسطين وسوريا·· 'في العام التالي توفي هرتزل' وانتخبوا مكانه رئيسا الدكتور نور '·· لكن الحدث الأهم في ذلك العام هو ان 'عرضت انجلترا·· على الصهيونيين ارضا في شرق افريقيا الانجليزية على سكة حديد أوغندة لأجل انشاء مستعمرة يهودية مستقلة باحكامها تحت رعاية الدولة الانجليزية·· فعينت لجنة للبحث فقررت ان البقعة ضيقة لا تكفي فرفضوها··' ومن قرارات المؤتمر السابع 'من حيث العمل في فلسطين السعي في التنقيب عن الآثار وترويج الزراعة والصناعة وتحسين سائر الأحوال الاقتصادية وترقية الحياة الاجتماعية اليهودية وغير ذلك··'
وكان آخر مؤتمر عقد في نفس السنة 1911 بمدينة فيينا '·· جاء فيه ان الصهيونية سائرة على قدم النجاح وان سلامتها مرتبطة بسلامة الدولة العثمانية لان المسألة اليهودية والمسألة العربية متفقتان··' ومن بين قرارات ذلك المؤتمر تقرر 'انشاء جامعة في أورشليم لتعليم العلوم العالية باللغة العبرانية وفي جملتها اللغات الشرقية والفلسفة القديمة والحديثة··' أما المؤتمرات الفرعية فكانت تعقد باستمرار في مختلف انحاء العالم 'المتمدن' ويفاجئنا جورجي زيدان بأن من بين هذه المؤتمرات مؤتمر 'عقد في فلسطين نفسها حضره 50 عضوا وشرط للدخول في الجمعية خمسة قروش يدفعها الطالب وقسموا فلسطين من حيث الصهيونية إلى ست مناطق وتقرر تأليف جمعيات وفروع في كل انحائها··'
حرب اقتصادية
ويقف جورجي زيدان أمام الجانب الاقتصادي للصهيونية فلديها بنوك أو مصارف مالية تتبنى أهداف الجمعية من بينها 'المصرف اليهودي الاستعماري وغرضه سياسي· وهو أهم أدوات الجمعية في موضوعها الأساسي والغرض منه تنشيط الاستعمار الإسرائيلي في فلسطين وسوريا وسائر انحاء تركيا وفي جزيرة سيناء وقبرص·· وله شعبة في يافا باسم الشركة الانجليزية الفلسطينية ولها فروع في أكثر مدائن فلسطين··' هناك أيضا 'البنك اليهودي الملي والغرض منه جمع رأس مال يكون ملكا للصهيونية يستخدم لابتياع الأراضي في فلسطين·· واشترطوا ان رأس ماله لا يمس حتى يبلغ 50000 جنيه وقد زاد الآن على 120000 جنيه··' والجمعية الصهيونية لها فروع في مختلف أنحاء العالم حتى في الصين واليابان وتركستان والفلبين فضلا عن بلاد أوروبا وأميركا، ولديها صحف ومجلات ومطبوعات ويرى انها 'أشبه بدولة ديموقراطية منها بجمعية سياسية اجتماعية··'
كانت دراسة جورجي زيدان للفكرة الصهيونية وملابساتها، تمهيدا لنقل صورة للواقع على أرض فلسطين كما رآه، كانت فلسطين آنذاك جزءاً من سوريا، وكانت تضم المنطقة التي تشتمل حاليا على سوريا ولبنان وفلسطين·· كان هو من لبنان أي آنذاك من سوريا، لذا نجده وهو يتحدث عن فلسطين يستعمل كلمة 'بلادنا'، وحين يتحدث عن 'ثروة بلادنا الطبيعية' يلاحظ ان هناك مناطق غير مستغلة اقتصاديا، حيث توجد السهول التي يمكن زراعتها والجبال أيضا يمكن استغلالها بغرس الأشجار فيها وتعيش على مياه المطر·· وهناك أمر آخر 'استلفت انتباهنا ولا عذر في اهماله غير الجهل وفساد الحكومة' هذا الأمر يتعلق بالسهول الخصبة بين حيفا واليرموك، أهمها مرج ابن عامر ومساحته كما يذكر زيدان نحو 100 ألف فدان، وغوربيسان ومساحته ضعفا المرج، ويقول على الفور 'هو من المساحات التي كانت لعبدالحميد 'يقصد السلطان عبدالحميد' واستولت عليها الحكومة وتعرف بالمدورة···'
أرض الغور·· والوطنيون
يحكي زيدان الواقعة التالية 'ولما كنا في حيفا بالصيف الماضي كان هذا الغور معروضا للبيع وقد احتج أعيان الوطنيين على الحكومة لما بلغهم عزمها على بيعه لبعض الأجانب أو اليهود· فتوقفت الحكومة عن بيعه مؤقتا··' ولا يفوت زيدان ان يلفت انتباهنا إلى ان سكان هذا الغور هم جميعا من الفلاحين العرب، وهم جميعا من المسلمين·· ويضيف أيضا ان 'بعض أغنياء الوطنيين ارادوا مشتري بعض أرض الغور··' ويقول أيضا '·· وقدهم غير واحد من أهل الثروة بمصر وغيرها لابتياع بعض تلك الأرضين لأنها رخيصة جدا بالنظر إلى أرض مصر· ويقدر الفدان الواحد ببضعة جنيهات لو كان في مصر لبيع بستين أو سبعين جنيها· لكن في استغلاله مشقة لقلة الرجال وضياع الأمن بسبب العرب البدو· ولابد من تخطي هذه العقبة يوما من الأيام ويظهر فضل تلك الأرض· لكننا نخشى ألا تأتي تلك الساعة قبل فوات الفرصة بالنظر إلى الوطنيين لأن اليهود باذلون جهدهم في ابتياع اراضي فلسطين حيثما تيسر لهم ذلك بكل وسيلة ممكنة بمساعدة الجمعية الصهيونية··' ولعله كان محقا حينما ألقى بمسؤولية هذا الأمر على الجهل وفساد الحكومة·· جهل الأهالي أو الحكومة··!!
لكن ملاحظات زيدان تثبت ان أهالي المنطقة أو من يسميهم 'الوطنيين' كانوا منتبهين إلى مخاطر اقدام اليهود على شراء الأراضي لكن أحدا من المسؤولين لم يتخذ الإجراءات الكافية ،ويقول: 'ورغم احتجاج المسلمين والمسيحيين وغيرهم من الوطنيين على بيع الأرض لليهود فانهم يبتاعونها ويصلحونها ويغرسونها أو يبنونها· ويعولون في استعمارها على أحدث الطرق الفنية من حيث الغرس وتشييد المنازل أو تنظيم الشوارع··' ويضيف 'شاهدنا في يافا محلة أو مستعمرة اسرائيلية اسمها 'تل أبيب ادهشنا ما رأيناه فيها من نظام الشوارع واتقان البيوت في بنائها على الطراز الصحي··' ويقدم وصفا لتل أبيب·· شوارعها وبيوتها وأشجارها ثم يذكر 'وقد شادت هذه المحلة شركة يهودية لسكن اليهود وهي تؤجرهم اياها بطريق الاستهلاك بشروط سهلة بحيث يصبح المنزل لساكنه بعد مدة غير طويلة··'
ويضيف 'كانت هذه البقعة في الأصل صحراء قاحلة فابتاعتها تلك الشركة وبنتها وأخذت في استثمار ما وراءها بغرس الكروم وغيرها··' الفكر الاستيطاني تل أبيب نموذج فقط ولكن 'أصبحت المستعمرات اليهودية فيها -أي فلسطين- تعد بالعشرات بجوار يافا والقدس وحيفا وغيرها· منها ما بني قرب المدن مثل تل أبيب ومنها ما هو من قبيل المغارس للكرم والبرتقال· غير المعامل لاستخراج الخمور أو صب الحديد وغير المدارس للزراعة والصناعة وغيرها··' وبتحديد أكثر يقول 'وقد أحصى بعضهم عدد هذه المستعمرات اليهودية في الجليل والسامرة والاردن وما يليها فزادت على أربعين مستعمرة يختلف سكانها بين بضع عشرات إلى بضع مئات أو بضعة آلاف· وفيهم الوطنيون والألمان والروسيون والأسبان وغيرهم تجمعهم جامعة بني إسرائيل· ومما يستحق الانتباه ان اعمال هؤلاء المستعمرين في منازلهم أو معاملهم أو مغارسهم أو مخازنهم على احدث الطرق العلمية··'
ومن الناحية العلمية يلاحظ زيدان ان 'التعليم على الاجمال ضعيف في فلسطين مثله مثل معظم الممالك العثمانية بل هو في فلسطين أضعف مما في سواها، ويصدق ذلك على المدارس الوطنية الأميرية وغير الأميرية··' لكنه في المقابل يثبت ان 'الاجانب لهم في فلسطين مدارس كبرى لتعليم أهل تلك البلاد وتثقيف عقولهم·' ويرصد عددا من المدارس الوطنية وكذلك المدارس الأجنبية، وعدد طلابها وخريجيها، ثم ينتقل إلى مدارس اليهود·· ويقطع بان 'لليهود شأنا خاصا في فلسطين من حيث التعليم مثل شأنهم في الاقتصاد وأسباب المعاش·· واليهود في ذلك العصر ينافسون الأمم الاخرى بأقوى عوامل المدنية وأهم أسباب النجاح· يعني المال والعلم والاتحاد· أما المال فهم مشهورون باقتدارهم على جمعه واحرازه من قديم الزمان· وهم يبذلونه الآن في سبيل مطامعهم الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين· ويبذلونه أيضا في سبيل التعليم· وأما الاتحاد فانه عماد أعمالهم··' ويرصد زيدان حالة مدارس اليهود بالقول 'لليهود مدارس كثيرة في فلسطين ليست لسواهم بعضها على النسق القديم تعلم التوراة والتلمود والبعض الآخر يعلم العلوم الحديثة·
فالمدارس القديمة منها في القدس وحدها عشرات، عدد معلميها 200 معلم وتلاميذها نحو 4000 تلميذ وكلهم يهود· ومنها خارج القدس نحو عشرين مدرسة أكثرها في يافا عدد معلميها كلها 51 معلما وتلاميذها 1400 طالب··' وينتقل إلى المدارس الحديثة التي تعلم العلوم العصرية 'أول من انشأها لليهود جمعية الاليانس في فلسطين·· فيها كلها نحو 2000 تلميذ وهناك مدارس اخرى لجمعيات اخرى أو بعض الافراد··' ويذكر بعض المدارس في القدس لكنه يتوقف امام مدرسة 'تل أبيب في يافا لبيان مبلغ تقدم اليهود في فلسطين عن سائر أهلها من حيث التعليم··' وقد قام بزيارتها وأدهشه فيها عدة أمور الأول '·· انها مدرسة كلية كبرى تعلم العلوم مثل الطبيعة والرياضة فضلا عن التاريخ والجغرافيا والآداب وتعلم اللغات العبرانية والفرنسية والتركية والعربية··' وأدهشه انها تعلم العلوم باللغة العبرانية كما تعلم المدرسة الكلية الأميركية في بيروت بالانجليزية ومدرسة الآباء اليسوعيين بالفرنسية· أي ان مدرسة تل أبيب تعلم الطبيعيات والكيمياء والرياضيات والتاريخ وسائر العلوم العالية باللغة العبرانية فقط··' كل شيء في المدرسة الكلية باللغة العبرية، حتى الخرائط في قاعة الجغرافيا عليها اسماء البلاد والانهار والجبال باللغة العبرانية، وحينما طلب ان يطلع على برنامج الكلية فوجيء بانه مكتوب بالعبرية أيضا·· وحين سأل رئيس 'عميد' الكلية عن طريقة التعليم وقبول الطلاب بها وهل ذلك القبول قاصر على اليهود فقط رد عليه 'انها عمومية لا ترد طالبا مهما يكن دينه أو جنسه لكنها تشترط عليه ان يكون متمكنا من اللغة العبرانية وآدابها ليتعلم العلوم بها· فأجبناه -جورجي زيدان- أن هذا الشرط أدنى إلى مصلحتكم من الرفض لأن من يدخل مدرستكم على هذا الشرط من غير اليهود لا يلبث ان يكون قريبا منكم· لان من يتعلم آداب قوم يحسن الظن بهم··' وما لم يقله زيدان ان العبرية -آنذاك- لغة ميتة، ولن يعرفها إلا اليهودي ولن يكون مستعدا لتعليمها إلا اليهودي·
أما عن تاريخ هذه المدرسة فقد انشأها 'رجل اسرائيلي غيور على أمته فلما نجح مشروعه كانت الجمعية الصهيونية قد اخذت في النمو فعرضت عليه ان يجعل هذه المدرسة تحت رعايتها لتساعدها بالمال عند الحاجة فاجابها··' ويتحدث أيضا عن مدرسة اخرى شبيهة كان يجري الاعداد لها في يافا بأموال الصهيونية وستكون تحت رعاية ألمانيا، هذا فضلا عن الجامعة العبرية في القدس والتي كان قد أعلن عن تأسيسها سنة 1913 وسوف يكون كل شيء فيها باللغة العبرية وهناك مدارس أخرى 'فنية' بالعبرية مثل مدرسة 'الزراعة' في يافا وغيرها من المدارس· ويقدم زيدان هنا ملاحظتين الأولى تتعلق باللغة العبرية '·· بعد ان أوشكت أن تعد من اللغات الميتة أحياها أصحابها وجعلوها أقرب إلى الحياة العلمية من اللغة العربية! إذ ليس في العالم العربي اليوم مدرسة كلية عالية تعلم العلوم والفنون باللغة العربية فقط، الا الجامعة المصرية وهي لا تزال في أول نشأتها· وهناك كليات في بيروت ولبنان تعلم أكثر علومها بالعربية فقط لكنها أقل درجة من هذه الكلية··' الثانية ترتبط بالأولى مباشرة وهي ان 'كلية تل أبيب مثال لحياة الأمة اليهودية ونهضتها العلمية والاجتماعية باحياء اللغة التي كان يتكلمها آباء التوراة في ابان مجدها· وهو درس نوجه اليه انظار طلاب الاصلاح من العرب وغيرهم· ان الأمة لا تحيا إلا بحياة لغتها ولا تحيا اللغة إلا بكثرة ما فيها من المؤلفات العلمية الراقية وأكبر الوسائل المؤدية إلى ذلك أن تكون هي لغة التعليم في المدارس الكبرى··'
الدرس العبري
ومازلنا الى اليوم بحاجة إلى ان نستمع إلى تلك الملاحظة مجددا، فان كان الأجداد لم يعملوا بها ولم يتوقفوا عندها جيدا في سنة 1913 فلعلنا نعيها ونستوعبها جيدا اليوم··!! دولة داخل الدولة ويرصد زيدان وجود عملية تهويد كاملة لمدن فلسطين '·· رأينا يافا وأكثر مدائن فلسطين صبغة يهودية ظاهرة في أسواقها ومنازلها فتجد اسماء الصناعات أو المتاجر على الحوانيت أو المنازل باللغة العبرائية 'فضلا عن العربية والافرنجية· وهم يسمون غرف الفنادق باسماء آبائهم الأولين أو مدنهم القديمة فبدلا من الاكتفاء بالرقم للغرفة يسمونها بنيامين مثلا أو يعقوب أو أريحة أو نحو ذلك··' لم يكن اليهود يتصرفون كجالية أو أقلية أو جماعة ضغط هم يتصرفون باعتبارهم في وطن ودولة مستقلة أو ساعية للاستقلال·
ويلاحظ زيدان ما يسميه 'حكومة يهودية ضمن حكومة عثمانية'·· كانت فلسطين تتبع السيادة العثمانية، لكن اليهود هناك اهملوا مظاهر الحكومنة القائمة وشرعوا هم في حكومتهم إذ انهم '·· لا يخالطون احدا ولا يبايعون أو يستخدمون في حاجاتهم غير أبناء جلدتهم· وفي بعض مستعمراتهم بريد خاص بهم له طوابع خيرية تنفق أثمانها في سبيل البر'···' ومن طرقهم الاقتصادية في الاحسان ان الجمعيات الخيرية لها أوراق تباع عدة منها بأصغر قطعة من قطع النقود المعروفة· فمن اراد الاحسان الاقتصادي ابتاع مقدارا من هذه الأوراق وهي مقبولة عندهم كالنقود··' وحتى أبرز مظاهر سيادة الدولة وهو القضاء والتقاضي فانهم كان لهم قضاؤهم الخاص '·· انهم مستقلون به عن سائر الاهلين فاليهودي اذا اختلف مع يهودي آخر تقاضيا إلى الكاهن أو الشيخ وهو ينظر في خصومتهم ويقضي لصاحب الحق·
ولا يقتصر ذلك على الأحوال الشخصية كما يتبادر إلى الذهن فانهم يتقاضون إلى الكاهن في كل مسألة تحتاج إلى مقاضاة حتى المسائل المالية· فإذا كان لأحدهم على آخر دين ماطله في دفعه اشتكاه إلى الكاهن فيسمع الشكوى والدفاع ويحكم لصاحب الحق ويأمر المحكوم عليه بالدفع··' وماذا يحدث إذا لم يلتزم المحكوم عليه بالحكم؟ لم تكن لديهم قوة تنفيذية تجبره على الالتزام ولكن كان لديهم عقاب أقسى'·· يقاصونه قصاصا هو أشد وطأة عليه من السجن نعني انهم يقاطعونه، وذلك ان الكاهن يعلن الحكم في معبدهم ويقول انه حكم على فلان الفلاني ولم يرضخ له ويوصي بمقاطعته فيصبح كالاجرب بين الاصحاء، ليس من يخاطبه أو يبايعه أو يعامله··' وهل معنى هذا ان يستسلم الجميع ويسلموا بان فلسطين ستذهب لليهود؟ ولا يرى جورجي زيدان ذلك فهو يقر بحق العقلاء في الشكوى مما يجري وان يحاولوا التخلص من تلك المشكلة لكن ذلك لا يكون بمجرد الشكوى ويقترح الحل التالي '·· النسج على منوال أولئك المستعمرين من حيث تعمير الأرض بالطرق العلمية وانقاذ الفلاح من المرابي بالطرق المعقولة اما بانشاء النقابات الزراعية أو نحو ذلك· ولو ارادت الحكومة النظر في هذا الأمر لكانت اقدر من سواها عليه· ولكنها مشغولة مضطربة، واغنياء الوطنيين والطبقة الراقية أكثرهم منصرفون إلى المسائل السياسية والتنازع على الوظائف أو النيابات أو المطالبة بالاصلاح· ولو صرفوا ذكاءهم وهمتهم إلى الوجهة الاقتصادية لتلافي صيرورة بلادهم لسواهم لكان ذلك أقرب إلى الوطنية وأدنى إلى الاستقلال الحقيقي··'

اقرأ أيضا

مصادر تؤكد قرب التوصل لاتفاق سلام بين واشنطن وطالبان