الاقتصادي

الاتحاد

الصين تغزو جنوب شرق آسيا بالموانئ

حاويات بميناء في إندونيسيا حيث تتنافس الصين والهند على موانئ جنوب شرق آسيا

حاويات بميناء في إندونيسيا حيث تتنافس الصين والهند على موانئ جنوب شرق آسيا

كانت السفن ولسنوات عديدة تمر عبر مدينة هامبانتوتا السريلانكية القريبة من الهند، وهي محملة بالنفط والآليات والقماش وغيرها من البضائع الأخرى، لتمثل بذلك جزءاً من التجارة النشطة لبقاع مختلفة من العالم مع الصين. وتستثمر الصين الآن الملايين من الدولارات لتحويل هذه المدينة إلى ميناء كبير إكمالاً لاستراتيجية تجارية طموحة في جنوب آسيا تعمل على إعادة تشكيل الإقليم مما يجعل الهند تعيد النظر في العلاقات التي تربطها بجيرانها.
وبنمو النشاط التجاري في المنطقة، أخذت الصين في بناء الموانئ في باكستان وبنجلاديش وميانمار، بالإضافة للتخطيط لبناء خط حديدي في نيبال. وتأتي هذه المشاريع متناسقة مع جهود القادة والشركات الصينية الرامية لفتح وتوسيع الأسواق لبضائعها وخدماتها في جزء من القارة تخلف عن ركب التجارة والنمو الاقتصادي. لكن تثير هذه المبادرات القلق في الأوساط الهندية، حيث تعتقد الحكومة بأن الصين تعمل على زيادة رقعة نفوذها بإحاطة الهند بعقد يقود إلى تقويض الوجود الهندي وينتهي بتهديد أمني واقتصادي.
ويقول كانوال سيبال وزير الخارجية الهندي السابق والعضو الحالي في المجلس الوطني للاستشارات الأمنية إن “هناك توجهاً معيناً في الطريقة التي تم بها تحديد مواقع الموانئ. ويهدف هذا النوع من المخططات إلى إخلال التوازن، وإلى تقويض الدور الطبيعي للهند في المنطقة”. وهناك تاريخ حافل بالتوترات بين الصين والهند، واللذين يعتبران من أكثر اقتصادات العالم نمواً الآن، وبينما قامت الهند بإيواء الدلاي لاما، تعمل الصين على تعزيز روابطها العسكرية مع باكستان التي خاضت ثلاث حروب ضد الهند. وأنكر المسؤولون الصينيون أنهم لا يضمرون أي أهداف وراء إقامة هذه الموانئ في جنوب آسيا.
وكانت تجارة الصين والهند وحتى تسعينيات القرن الماضي شبه متساوية مع أربعة من بلدان القارة سريلانكا وبنجلاديش ونيبال وباكستان، لكن وفي العقد الماضي تفوقت التجارة الصينية على الهندية. وتمثل هذه الأقطار بالنسبة للصين بالإضافة لأسواقها خطاً بديلاً يمكن عبره الوصول إلى المحيط الهندي، والذي تصله السفن الصينية الآن عبر قناة ضيقة بين أندونيسيا وماليزيا تعرف بمضيق مالقا. ومن جانبها تحتاج الهند لتحسين روابطها الاقتصادية مع جيرانها من أجل زيادة نموها والمساعدة في انتعاش المنطقة.
وتعزى بعض أسباب التحول التجاري نحو الصين للتوترات بين الهند وباكستان، بالرغم من أن الصين فتحت طرقاً جديدة مع دول تتمتع بصداقات أقوى مع الهند مثل سريلانكا، ونيبال، وبنجلاديش.
وعلاوة على ذلك، أفسدت ميول الهند الحمائية علاقاتها مع جيرانها. وعلى الرغم من أن لجنوب آسيا اتفاقية للتجارة الحرة، إلا أن بعض البلدان لا تجني الفوائد المرجوة منها، حيث ترفض الهند وجيرانها خفض تعريفة الكثير من البضائع والخدمات وذلك بغية حماية تجارتها.
وفي المقابل تفرض بلدان جنوب شرق آسيا ضرائب قليلة أو أحياناً لا تفرضها على أنواع كثيرة من البضائع التي تستوردها من بعضها البعض. وتربط الهند علاقات تجارية قوية مع سريلانكا نسبة للاتفاقية التجارية الثنائية، لكن الصين دخلت كشريك في المشاريع الكبيرة مثل ميناء هامبانتوتا. ويقوم بنك الصادرات والواردات الصيني بتمويل 85 بالمئة من المشروع الذي تبلغ كلفته مليار دولار، الذي تقوم شركة هاربر الهندسية بتشييده، وهناك ترتيبات شبيهة بغرض بناء مطار دولي قريب من تلك المنطقة. ويود المسؤولون في سريلانكا إحياء منطقة هامبانتوتا معقل الرئيس السريلانكي والتي قضت عليها فيضانات توسونامي في 2004 وجعلها المدينة الثانية بعد كولومبو العاصمة، على الرغم من أنها تحتل المركز التاسع بين المدن الآن.
وبما أن الحكومة في سريلانكا تسعى لتشييد بعض المرافق العامة، وبما أنها غارقة في الديون التي خلفتها حرب خلال 25 عاماً، فإنها تحتاج للمساعدة الخارجية، مما حدا بها اقتراض 2,6 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. وتقول الحكومة إنها عرضت مشروع بناء الميناء على الهند أولاً والتي رفضته. وكذلك تسعى الحكومة للحصول على مستثمرين من أميركا وبقية أنحاء العالم، لكن الصين قدمت شروطاً أسهل يرفض المسؤولون الإفصاح عنها. كما رفضت الحكومة السريلانكية أيضاً الإفصاح عن تمويل الصين مشروعاً للطاقة، ومركزاً فنياً، ومنطقة اقتصادية. وذكرت “صن داي تايمز” السريلانكية أن تكلفة المشاريع التي تتكفل بها الصين تبلغ نحو 6 مليارات دولار، وهي بذلك تفوق تكلفة أي بلد آخر بما في ذلك اليابان والهند، أكبر المستثمرين والمانحين في تاريخ البلاد.
ويقول هارشا دي سيلفا من كبار الاقتصاديين في كولومبو “يبدو أن حكومة سريلانكا تفضل الصين للقيام بمشاريعها لأنها لا تفرض شروطاً للإصلاحات والشفافية والمناقصات التنافسية، والتي تمثل جزءاً رئيساً في التعاقدات مع الهند وأميركا، أو مع منظمات مثل البنك الدولي”. أما المحللون الآخرون فيعللون كسب الصين للمشاريع الكبيرة في مختلف أرجاء العالم، لما تقدمه الصين من تكاليف قليلة، كما يعود ذلك للخبرة الكبيرة التي اكتسبتها الشركات الصينية لتنفيذها لمشاريع وبنى تحتية ضخمة في الصين. مثلاً، أصبحت الشركات الصينية وفي غضون عشر سنوات أكبر مورد للرافعات التي تستخدم في الموانئ لتحميل وتفريغ حاويات السفن لتحل محل شركات كوريا الجنوبية واليابان التي كانت تسيطر على هذه التجارة.
وكرد فعل للحكومة الهندية على النفوذ الصيني المتنامي، تسعى نيودلهي جاهدة إلى الحصول على شركاء تجاريين، حيث وقعت مؤخراً اتفاقية للتجارة الحرة مع دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، ومع كوريا الجنوبية. وكذلك يتحدث المسؤولون عن توقيع اتفاقية تجارية مع الصين نفسها من أجل إنعاش قطاع الصادرات. وقررت الحكومة الهندية تحسين علاقاتها التجارية مع جيرانها، حيث وافقت مؤخراً على بيع كهرباء لسريلانكا وتزويدها بخط ائتماني يبلغ مليار دولار لإنشاء مشاريع البنى التحتية، كما قامت بتخفيض التعرفة الجمركية على الواردات. وفي المقابل سمحت الحكومة السريلانكية للهند باستخدام أحد موانئها والذي تمت إعادة تطويره من قبل الصين.


عن “انترناشيونال هيرالد تريبيون”

اقرأ أيضا

الصين: تخفيضات الضرائب والرسوم تجاوزت 56 مليار دولار