انتهت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية من إعداد مشروع قانون جديد لوضع ضوابط استغلال الثروة المعدنية في قطاع المناجم والمحاجر، بهدف وقف عمليات إهدار هذه الثروة، وسوء استغلالها من جانب المجالس المحلية المصرية، والتي سعت إلى تحصيل أكبر عوائد ممكنة من خلال فرض أتاوات ورسوم مبالغ فيها، دون مراعاة لطبيعة التكلفة الاقتصادية للاستثمار في هذا القطاع الذي تعتمد عليه كثير من الصناعات المحلية. ويرى الدكتور عاطف دردير -رئيس هيئة المساحة الجيولوجية السابق- أن التدهور في قطاع التعدين لأكثر من نصف قرن يعود إلى القانون رقم 86 الذي صدر في عام 1956، والذي أسند الإشراف على هذا القطاع لوزير الصناعة والتجارة، وفوض المحافظين في الإشراف على المحاجر والملاحات مما أوقع القطاع في أيدي موظفي المحليات، الذين سعوا إلى استغلاله أسوأ استغلال، واعتبروه من أهم الموارد المالية لصناديق الخدمات بالمحافظات. وكشفت تقارير للجهاز المركزي للمحاسبات أن 40% من هذه الموارد المالية تذهب في شكل مكافآت للعاملين في المحليات وسعي كبار الموظفين للفوز بعضوية مجالس إدارات الشركات العامة التي تقوم باستغلال هذه المحاجر، كما أن عمليات ترسية المزادات في هذا القطاع سمحت بدخول الهواة والسماسرة الذين استغلوا أراضي المحاجر بطريقة سيئة. ويقول دردير إن عقود استغلال المحاجر والاتاوات التي فرضتها المحليات مؤخراً على الشركات أبعدت كثيراً من الشركات الجادة عن الدخول، مما يهدد الشركات الصناعية التي يقوم تصنيع منتجاتها على هذه الخامات بسبب الارتفاعات الكبيرة في التكلفة الفعلية للإنتاج مثل صناعات الاسمنت، وكربونات الصوديوم، والالباستر وغيرها. وأضاف أن المحافظات التي تقع في أراضيها محاجر قامت بوضع صياغات لعقود الاستغلال تتضمن شبهات بمخالفة القانون، بهدف تحصيل أكبر عوائد ممكنة من وراء استغلال المحاجر. وأكد رئيس هيئة المساحة الجيولوجية السابق أن المحليات في مصر استغلت ما ينص عليه القانون الحالي بأن يعهد بحق استغلال المواد الخام لآخرين يقومون بعمليات الاستخراج بشروط جديدة مجحفة معظمها يعتبر مخالفاً للقانون، خاصة فيما يتعلق بمدة العقد وشروطه، ومدة الإيجار، حيث وصلت مدة التأجير إلى أقل من سنة، مع مضاعفة فئات الأسعار سواء للإيجار أو لسعر الطن المستخرج كل فترة، وتقليص مساحة المحجر حتى وصلت إلى 50 متراً في 50 متراً، للحصول على أكبر عوائد مالية.وأشار إلى أن هذه الشروط أدت إلى هروب المستثمر الجاد، وظهور طبقة من المتعاملين مع المشروع تستهدف تحقيق الكسب السريع، بل إن بعض المحافظات أسقطت عقوداً لشركات كبيرة مضى على عملها بالمحاجر 75 عاماً، تقوم عليها صناعات مهمة، مثل محاجر الاسمنت بالقاهرة، والإسكندرية وأسيوط، وكربونات الصوديوم بالإسكندرية، ومحاجر الالباستر الشهيرة في بني سويف ومحاجر الحديد والصلب بالمنيا والادبية بالسويس. وأدى تزايد الطلب على الخامات المصرية سواء للتصنيع المحلي أو للتصدير إلى التكالب على زيادة الإنتاج من خامات كثيرة مثل الرخام بأنواعه المختلفة، والالباستر، وهو ما عكسته أحدث بيانات صدرت من الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء عن حجم الإنتاج وقيمته والتصدير، حيث ارتفعت قيمة الإنتاج من خامات المناجم من 103 ملايين جنيه (69 مليون درهم) عام 1991 إلى 615 مليون جنيه (412 مليون درهم) في 2007. وارتفعت قيمة الإنتاج من المحاجر خلال نفس الفترة المقارنة من 189 مليون جنيه (127 مليون درهم) إلى مليار و367 مليون جنيه (923 مليون درهم) ، وارتفعت قيمة الصادرات من خامات المناجم من 72 مليوناً (48 مليون درهم) عام 2001 إلى 449 مليوناً ( 303 ملايين درهم) في 2007. وارتفعت وقيمة صادرات خامات المحاجر من 155 مليوناً 104 ملايين درهم) إلى 736 مليوناً (497 مليون درهم)، وهو ما انعكس بقوة على استغلال هذه الثروة الطبيعية الوطنية المملوكة للدولة ليصب جزء كبير من عوائدها في جيوب كبار الموظفين بالمحليات على شكل مكافآت. كما تحولت محاجر الالباستر الشهيرة بوادي سنور من إنتاج البلوكات والألواح الكبيرة إلى إنتاج الحصوة والكتل الصغيرة، بعد السماح باستخدام الديناميت لاستخراج هذه الصخور ذات الشهرة العالمية، مما يهدد هذه الثروة، كما ضاعت محاجر البازلت الشهيرة في منطقة أبو زعبل القريبة من القاهرة. وقال الدكتور عاطف دردير ان محافظة المنيا مثلا رفعت رسوم محاجر الحجر الجيري الذي يستخرج للطحن من 49 ألفاً سنوياً (33 ألف درهم) إلى 569 ألف جنيه (384 ألف درهم) منذ شهر أغسطس الماضي بالإضافة إلى رفع رسوم مرور السيارات من 36 جنيهاً للسيارة إلى جنيه مصري 236، مما أدى إلى توقف 60% من أعمال التحجير في محاجر الشيخ فضل. وحسب تقرير لهيئة الثروة المعدنية، فان عدد المحاجر في مصر بلغ حتى شهر مارس من العام الماضي 1727 محجراً، وتعتبر محاجر الحجر الجيرى، والبازلت، والرمل، والزلط، وكسر الجرانيت، والرخام الأبيض، والجبس، والطفلة، من اهم الخامات. أما بالنسبة للمناجم، فإن عددها مازال قليلا، ولا يتجاوز 53 منجماً، بسبب توقف البحث عن المناجم الجديدة، وإن كان البحث واستخراج الذهب قد نشط في الفترة الأخيرة بعد دخول شركات أجنبية مشتركة نجحت في استخراجه، مستخدمة طرقاً تكنولوجية تستخرج الذهب من أعماق كبيرة، ومن مناجم كانت تستغل بكثرة في مصر القديمة. ويطالب المستثمرون في هذا القطاع بتطوير قانون البحث واستغلال الثروة المعدنية بما يساعد على جذب الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية، خاصة بعد أن آلت مسؤولية هذا القطاع إلى وزارة البترول والثروة المعدنية، وتم تشكيل مجلس علماء للتعدين تابع لهيئة الثروة المعدنية، يتولى وضع خريطة استغلال هذه الثروة بطريقة علمية. وتعتبر نسبة الاتاوة الواردة في مشروع القانون الجديد مثار خلاف بين المستثمرين وهيئة الثروة المعدنية. حيث ذكر يوسف الراجحي مدير إحدى الشركات العاملة في مجال التعدين أن الحكومة المصرية تعامل قطاع المناجم نفس معاملة مشروعات البحث والتنقيب عن البترول، باتباع طريقة إسناد المشروعات باستخدام أسلوب المزايدات العلنية، وتطبيق نظام المشاركة في اقتسام الإنتاج بين الهيئة والشركة المنتجة، فهذه الأساليب تخالف النظام السائد في دول العالم، والتي تتعامل مع المناجم بنظام الإسناد المباشر. وأضاف الراجحي أنه يمكن الاستمرار في العمل بنظام طرح مزايدات عامة، بشرط وضع قواعد صارمة يتم على أساسها اختيار الشركة، ومن أهم هذه القواعد الخبرة، والملاءة المالية “القدرة المالية” المرتفعة للشركة. لأن تطبيق هذه القواعد تمنع دخول الهواة هذه المزايدات. ويقول رئيس هيئة الثروة المعدنية المصرية حسين حمودة إن وزارة البترول تصر في مشروع القانون الجديد على الاستمرار في العمل بهذا النظام لضمان حصول الدولة المصرية على حقها في الثروة المعدنية. ويرى ياسر راشد رئيس شعبة المناجم والمحاجر باتحاد الصناعات المصرية، أن نسبة الاتاوة المقترحة في مشروع القانون الجديد وهي 10% من الإنتاج سنوياً بشكل متدرج، يمكن أن تجعل كثيراً من المستثمرين يحجمون عن الاستثمار في هذا القطاع، لأن هذه النسبة ستزيد من التكلفة الإنتاجية، مما يقلل القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الخارجية أمام منتجات الدول الأخرى التي تنتج نفس المواد الخام.