الاتحاد

تقارير

البرازيل: ما وراء الفوضى السياسية

يبدو أن البرازيل، التي كان يُنظر إليها باعتبارها دولة مستقرة ويمكن التنبؤ بها في السنوات الأخيرة، باتت منهمكة في دوامة سياسية دائمة التطور. وفي الفصل الأخير من هذه الملحمة التي تأبى أن تتوقف، نجد الزعيم السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، المعروف باسم لولا، وهو يؤدي اليمين الدستورية يوم الخميس الماضي باعتباره رئيساً لديوان حكومة الرئيسة البرازيلية المحاصرة ديلما روسيف، في خطوة يراها الكثيرون على أنها محاولة لحماية هذا الرجل من الملاحقة القضائية.
وبعد وقت قصير من أداء اليمين الدستورية، أوقف قاض برازيلي تعيين لولا.
وقد اشتبك أنصار لولا مع محتجين معارضين في العاصمة برازيليا، وخرجت مظاهرات في ساو باولو وريو دي جانيرو، في مظهر للإحباط وعدم الرضا جراء المكائد السياسية التي تجتاح البلاد.
وقد ذكر «ماثيو تايلور»، زميل بارز لدراسات أميركا اللاتينية في مجلس العلاقات الخارجية «حتى عشرة أيام ماضية، كنت أعتقد أن الديمقراطية البرازيلية ناجحة، فهي لم تكن تحت التهديد، وكانت المؤسسات تعمل بشكل جيد. والآن، لا تزال المؤسسات تعمل بشكل جيد، لكن الجهات الفاعلة تغالي من جميع الأطراف».
تعيش البرازيل في تطورات مستمرة لفضيحة شركة بتروباس، والتي تورط فيها سياسيون من كل الأطياف، منذ فتح القضية لأول مرة عام 2014، لكن الأحداث في الأسبوعين الأخيرين تصاعدت بمعدل مروع.
في بداية الأمر، فإن «لولا»، الرجل الذي كان يعتبر «رمزاً للبرازيل»، حسب «أندريا مورتا» من «المجلس الأطلسي»، أصبح موصوماً بسبب القضية للمرة الأولى، وتم اعتقاله لفترة وجيزة من قبل الشرطة في الرابع من مارس الجاري. وبعد ذلك، وفي قضية منفصلة عن التحقيقات الاتحادية في قضية بيتروباس، سعى ممثلو الادعاء لاعتقال «لولا» في قضية فساد تتعلق بحيازة ممتلكات على شاطئ البحر، وأخيراً، قامت الحكومة بخطوة مفاجئة في إطار سعيها لتعيين «لولا» في منصب رئيس ديوان الحكومة، لتجعله في مأمن من الملاحقة القضائية من قبل أي جهة إلا المحكمة العليا.
تقول السيدة «مورتا» إن «ترشيحه الآن، على الرغم من أن سقوطه يمثل الكثير، يعد خطأً كبيراً، ومحاولة أخيرة للبقاء على قيد الحياة». وأضافت: «إنهم يعلمون إنهم يخاطرون برد فعل ضخم، لكن الرئيسة في وضع يائس للغاية».
واستطردت «مورتا» أن الحكومة نفسها تكافح من أجل البقاء، وهي ترى الأمل في «لولا» على الرغم من تضاؤل التأييد العام، «وكذلك تمهيد الطريق لإجراء حوار بين الحكومة والكونجرس».
وقد يساعد ذلك أيضاً الرئيسة «روسيف» على النجاة من إجراءات الإقالة، والتي بدأت يوم الخميس الماضي. «ويرى البعض أن هذه الإرادة ستجعل الحكومة تنهار بشكل أسرع، والبعض الآخر يقول لأن «لولا» بمكانته قد يتمكن من إعطاء الحكومة مساحة للتنفس، بحسب «مورتا» التي أضافت «إنني أؤيد الرأي الأول: فالوضع في غاية السوء، والمجتمع ينظر إلى الأمر بوحشية باعتباره جريمة تقريباً».
ومع ذلك، فإن الحكومة ليست وحدها هي التي تسبب الذعر.
وفي حين أكد الكثيرون على قوة الديمقراطية البرازيلية، كما هو واضح في الطريقة التي تلاحق بها السلطات السياسية رجال الأعمال في متاهات التحقيق في قضية بيتروباس، إلا أن آخرين يخشون من أن بعض الأفراد بدؤوا يتحركون بشكل مفرط.
وأحد الأمثلة على ذلك، كما يوضح «تايلور»، وهو أيضاً أستاذ مساعد في «كلية الشؤون الدولية» بالجامعة الأميركية، يتجلى في الطريقة التي أفرج بها القاضي يوم الخميس الماضي عن دليل لتأييد تعليق تعيين «لولا» في منصب رئيس ديوان الحكومة، وجاء هذا الدليل من تنصت على المكالمات الهاتفية، وقد تم الإعلان عنه قبل ذلك ببضع ساعات بعد تسجيله، ما يدعو إلى التشكيك في نزاهة القاضي المعني.
يقول تايلور إن «النظم القضائية في البرازيل تعمل بشكل جيد، لكنها تنطوي على عملاء، كما هو الحال في أي مكان، فهم ليسوا ملائكة»، وأضاف: «إن المؤسسات مستقلة، وممولة تمويلاً جيداً، ويتم الامتثال لقراراتها»، «غير أن الأيام العشرة الأخيرة أثبتت لنا ما قد يبدو تجاوزاً أو تسييساً لهذه المؤسسات».
وهناك انقسام حقيقي في البرازيل، في هذه اللحظة، وبالتأكيد، فإن الكثيرين يدعون إلى عزل الرئيسة روسيف، لكن هناك أيضاً قسم كبير من المجتمع على استعداد للدفاع عن الحكومة، حتى وإن كانت دوافعهم تتضاءل.

*محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا