الاتحاد

تقارير

هجمات بروكسل.. تفسيرات مغلوطة

تعرضت بروكسل لهجمات إرهابية شملت عدة تفجيرات، ولا شك أنه ستثار خلال الأيام المقبلة جملة من الأسئلة المشروعة بشأن فعالية الشرطة وعمليات محاربة الإرهاب البلجيكية، إضافة إلى أمن المطار بشكل عام. غير أن البعض يحاول استغلال هذه الأحداث لأهداف سياسية عبر استخلاص نتائج بعيدة كل البعد عن الحقيقة. هذه المحاولات المخزية بدأت بعيد ساعات قليلة على الهجمات، وفيما يلي بعض الأمثلة على هذه المحاولات والأفكار المغلوطة مرفقة بردود تدحضها وتبين فسادها وتهافتها.
مغالطة: الهجمات الأخيرة تمثل حجة إضافية تدعم موقف الفريق المنادي بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
المتحدث باسم «حزب الاستقلال البريطاني» مايك هوكم لم يضيع وقتاً حيث سارع إلى اعتبار أن منطقة شينجن، التي يمكن السفر بين بلدانها بدون جواز سفر داخل أوروبا، هي السبب إذ قال: «إنني مصدوم للأرواح التي أزهقت والإصابات التي وقعت. قلوبنا وعقولنا مع عائلات القتلى والجرحى، ولكن هذا العمل الإرهابي الفظيع يُظهر أن حركة التنقل الحر في «شينجن» وتراخي عمليات المراقبة على الحدود تشكّل تهديداً لأمننا». هذا بينما بعث صحافي من صحيفة «دايلي تلجراف» البريطانية تغريدة على تويتر اعتبر فيها أن التفجيرات تبين ضرورة أن تصوت بريطانيا لصالح خيار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في استفتاء يونيو المقبل. وقال: «إن بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي بحكم الواقع، هي أيضاً العاصمة الجهادية لأوروبا، ولكن البعض يتجرأ على القول إننا أكثر أمناً ضمن الاتحاد الأوروبي!».
هذه المزاعم ومثلها سيدفع بها مؤيدو خيار الانسحاب بشكل متزايد مع ارتفاع حرارة حملة الاستفتاء المرتقب في بريطانيا، ولكنها ليست منطقية ومجانبة للحقيقة. فأولا، هذه التصريحات صدرت في وقت لم تُعرف فيه بعد هويات منفذي الهجمات. صحيح أنه كانت ثمة تقارير غير مؤكدة تفيد بأن كلمات عربية وفرنسية سمعت قبيل الهجوم الذي استهدف مطار بروكسيل، ولكن ذلك ليس دليلاً على أن المنفذين كانوا قد وصلوا للتو من بلد آخر. وبالمقابل، فإن ما هو معروف هو أن بروكسيل تضم بعضاً من أعلى تركزات الخلايا المتطرفة في أوروبا، وهذه الخلايا لا تحتاج لتأشيرة شينجن للتوجه إلى المطار.
ثانياً، لنفترض أن منفذي التفجيرات قاموا فعلاً بعبور حدود شينجن من أجل تنفيذ الهجمات. هذا أمر ممكن، لا شك في ذلك، ولكن هل كانت المراكز الحدودية لتمنع حدوثها؟ بلجيكا لا تفصلها عن جيرانها 40 كيلومتراً من المياه، مثلما هو الحال بالنسبة لبريطانيا، وبالتالي، فإن عمليات التفتيش الحدودية التي كانت موجودة قبل شينجن، والتي ما زالت تمارس في بعض الحالات عقب أزمة اللاجئين وهجمات العام الماضي في باريس، لا تقوم سوى بعمليات مراقبة وتفتيش جزئية واعتباطية للتدفق الضخم للمركبات التي تعبر الحدود الداخلية لأوروبا.
ثم إنه حتى عندما تتم تلك العمليات، فليس هناك ضمانة على أن شرطة الحدود ستتعرف على الشخص الذي أمامها حتى إذا قامت بإيقاف السيارات الصحيحة. وعلى سبيل المثال، فإن صلاح عبدالسلام، المبحوث عنه عقب هجمات باريس، أُوقف في نقطة تفتيش تابعة للشرطة على الطريق من باريس إلى بروكسيل، ولكنه أخلي سبيله.
وأخيراً، ما علاقة كل هذا بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على أي حال؟ فالمملكة المتحدة ليست جزءاً من شينجن، وهي تراقب حدودها الخاصة بنفسها، وليس ثمة أي إمكانية لأن تجبر على الانضمام لشينجن – لأنه لا يمكن إجبارها على ذلك، غير أن لندن، سواء داخل الاتحاد أو خارجه، ليست في مأمن من هجوم إرهابي، فهجمات 7 يوليو 2005 على ميترو المدينة، مثلاً، كانت من تنفيذ شبان بريطانيين لم يسافروا إلى بلد من منطقة شينجن، وإنما سافروا إلى باكستان قصد التدريب.
مغالطة: الهجمات تثبت صحة مزاعم الأسد.
وسائل التواصل الاجتماعي غصت بوجهات نظر تذهب إلى أنه لما كانت هجمات بروكسل من تنفيذ جهاديين (على ما يفترض)، فإن هذا يُثبت أن التمييز الموجود في الغرب بين الثوار أو مقاتلي المعارضة الذين يقاتلون نظام الرئيس بشار الأسد، والإرهابيين الذين يقاتلونه من تنظيم «داعش» محض هراء، وقد قدم الأسد نفسُه دفاعاً مماثلاً في حوار له مؤخراً مع مجلة «باري ماتش».
والواقع أن سوريا قد تكون تحولت إلى ما يشبه مغناطيساً جاذباً ومركزاً لصنع الإرهاب، ولكن الفضل في ذلك يعود إلى أعمال الأسد، الذي وصف المحتجين العزل في 2011 بالإرهابيين من أجل تبرير الأساليب الوحشية لقواته الأمنية عندما كانت تطلق النار على الحشود، وتعتقل المعارضين وتعذّبهم وتجعلهم يختفون بكل بساطة، فوقتئذٍ، لم يكن ثمة أي «جهاديين» يقاتلون في سوريا. وتنظيم «داعش» لم يظهر إلا في 2014، وأولئك الذي حملوا السلاح ضد النظام الدموي لم يكونوا إرهابيين، وما زالوا في معظمهم غير إرهابيين، وإذا تبين أن «داعش» هو الذي دبّر هجمات بروكسيل من سوريا، فإن ذلك لن يغيّر شيئاً.

*محلل سياسي بريطاني
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا