الاتحاد

ثقافة

مرت سنة

الأوراق الأخيرة تسقط متراقصة.. لا بد من جرعة كبيرة من فقدان الحس كي نواجه الخريف... إميل سيوران
سألني صديق مرة عن عمري، فأجبته أربعين سنة، فقال: خيبة! (وهي كلمة تستخدم محلياً لتضخيم الأمور)، وأخذت بالتفكير بعمق في عمري، هل أنا فعلاً كبرت؟ أم هو يعتقد إني كبير لدخولي الأربعين! كقطار سريع مر علي شريط حياتي، تذكرت عندها طفولتنا الساذجة، وسنوات الدراسة، والسفر بعيداً في رحلة العلم، وعلى الرغم من مضي عشرين سنة على بداية تلك المرحلة ما زلت بشوق أتذكر أحداثها اليوم كأنها حدثت بالأمس.
أتذكر من بحب ودعني في المطار، وأتذكر من ساعدني في غربتي، وأصدقائي على مقاعد الدراسة، ولحظات ضياعنا في شوراع مدينة لا تعرفنا ولا نعرفها، حيث لا قيمة لأوقاتنا، ولا لساعات أيدينا، التي نلبسها لا نعرف لماذا! وننساها على معاصمنا وتنسانا.
كيف هرب ذلك الماضي الجميل منا؟ كيف مضى في غفلة عنا، سنين مضت، وما زلت أتذكر الأحداث، مرت كحلم أنيق، كلحن قصير، أشك حتى أنني عشته بتفاصيله، أيقظت كل ذكرياتي، كلمة صاحبي.. خييبة!

قسوة الأيام تجعلنا خائفين من غير أن ندري تماماً ما يخيفنا.. إذ إن الأشياء التي تخيفنا ليست إلا مجرد أوهام... شكسبير
كالمطر يتساقط العمر، سريعاً ووحيداً، وعندما نظن أنها النهاية تفاجئك الحياة بحياة جديدة. كأوقات الغروب، بداية الظلام فرصة لتتلألأ النجوم. أنت من يختار أن يشع أو ينطفئ في كل مراحل عمرك. لكننا وبغفلة نقضي أعمارنا نتعلم كيف نكبر، وننسى كيف نعيش، نظن أن السنين أرقام تتناقص و تتزايد، نحسب سنيننا ولا نعيشها، كم هي متعبة حياة الأرقام.
أعترف أني كبرت، وكما يقول هوسيا بالو: الأربعون شيخوخة الشباب، والخمسون شباب الشيخوخة! لكني أعترف بأني كبرت رقماً وليس عمراً، القلب الشاب الذي نحمله يحمل إكسير الحياة معه، عندما تلهث خلفها تدير لك الحياة ظهرها، تكبر ألف مرة، ويدفع جسدك ضريبة الوقت، وتشيخ كقطع الثلوج، كل يوم يختفي جزء من أجزائك، متعب أن يصل جسدك خط النهاية قبلك، ومحزن أيضاً أن الحياة التي أنفقت جل حياتك تجري خلفها، تتركك الآن لتدفن وحدك.
البعض ينظر للحياة من منطق الفوز والخسارة، وآخرون يؤمنون أن العمر حالة عقلية ونفسية، قد تكتشف نفسك في الثلاثين، وتنجز في الاربعين، وتبدع في الخمسين، وتعيد اكتشاف نفسك في أعمار مختلفة، حسن استغلال الوقت يجعل للوقت طعم البقاء.
مرت سنة منذ أن قال صاحبي خيبة! لسنين عشت أفراحها وأحزانها حتى الثمالة، مدين أنا لكل الرائعين في حياتي، ولكل من وقف معي في محطاتي، مدين أنا للحظات التي ستتكرر إن شاء الله معك، ولكلمات التشجيع حتى في صمتهم، تربت على كتفي تدفعني للمسير، تنتشلني من دوامة التفكير، تأخذ بيدي، هذا هو تعريف العمر ياصاحبي.
باختصار.. تاريخ ميلادي هو جمال عيش اللحظات، كل اللحظات معك.


جمال الشحي | jamal.alshehhi@gmail.com

اقرأ أيضا

سوسن دهنيم: الفقد جعلني قصيدة