أرشيف دنيا

الاتحاد

معنى الفشل

أنت إنسان فاشل.. لا تصلح لشيء.. تنقصك الأذنان الطويلتان لتكون حماراً حقيقياً، بل حتى الحمار أفضل منك.. فهو يكد ويعمل طوال اليوم دون كلل أو ملل.. أما أنت!! فلا أعرف بماذا أشبهك.
هذه الكلمات القاسية وغيرها، ظل والدي يرددها على مسامعي طوال حياتي، حتى صارت كرنين الناقوس تضرب برأسي ويتردد صداها دون توقف أو انقطاع، منذ طفولتي ومراهقتي وشبابي لم يتوقف عن ترديدها وتذكيري دوماً بأنني إنسان فاشل لا أصلح لشيء أبداً، وإنني لست مثل باقي إخوتي، فهل أنا فعلاً إنسان فاشل كما يقول والدي؟ والله لا اعتقد، فقد توصلت إلى قناعة جديدة مخالفة لرأي الجميع، وصرت اعتبر نفسي إنسانا ناجحا ومميزا.
ربما كنت فاشلاً من وجهة نظر الآخرين، ولكني أسعد منهم كلهم، فأنا متأكد تماماً من أن أي واحد من أهلي وعشيرتي لم يذق طعم السعادة الحقيقية في يوم من الأيام، أما أنا فقد دلني ربي على منبع السعادة وجعلني أتمتع بها بشكل يومي مستمر، وأنا أحمده على هذه النعمة حمداً كثيراً متواصلاً.
اعترف بأن ما حققته وما أنا عليه حالياً، هو شيء بسيط لا يمكن أن يرضي طموح أهلي لأنني لم احصل على الشهادة الجامعية كما حصل عليها إخوتي، ولم احصل على وظيفة مرموقة باستخدام الواسطة كما فعل أبناء عمومتي، وليست لدي تجارة تدر علي المال كما هي حال إخوتي وأبنائهم، كما أنني لا أملك تلك المواهب الفنية أو الأدبية التي تجعل مني إنساناً مميزاً كبعض زملائي وأصدقاء طفولتي.
مع كل ذلك فأنا أشعر بالسعادة والرضا في حياتي أكثر منهم جميعاً، هذا هو شعوري الذي أعتز به، ولم يعد يهمني رأي الآخرين بي، وأنهم يعتبرونني إنسانا فاشلا، خاليا من الطموح، فقد أوصلني هذا الرأي في يوم من الأيام إلى فكرة الانتحار الملعونة التي كادت أن تقضي على حياتي وتجعلني من أهل جنهم – والعياذ بالله – أحمد ربي لأنني عدت إلى رشدي في الوقت المناسب، وعشت حياتي بطريقة مختلفة، لم ترضهم ولكنها أرضتني وأوصلتني إلى كل هذه السعادة.
حكايتي
منذ طفولتي لم أكن متفوقاً في الدراسة كإخوتي، كنت بطيء الفهم والاستيعاب، افتح عيني على وسعهما أثناء الدرس، أحاول أن أركز فيما يقوله المعلم، ولكني لا أفهم أي شيء، بسرعة يركض مخي ويشرد بعيداً فلا استطيع إرجاعه بسهولة، كنت أتعمد الهرب من المدرسة وأقضي معظم ساعات النهار وأنا جالس على شاطئ البحر، لا أمل تلك الجلسة ولا أتعب من كثرة النظر إلى مياهه الزرقاء، وكنت أكره أن أستمع إلى كلمات الكره والحقد من معلمي الذي يصاب بالهستريا عندما يجدني شارداً، لا استطيع فهم كلمة واحدة مما يقول، الكل كان يردد بأنني «حمار» وأنني لا أصلح لشيء مطلقاً، فهل أنا حقاً مثلما يقولون؟
كنت أفكر بذلك طويلاً، وكنت أشعر بالإحباط القاتل، خصوصاً عندما أنظر في المرآة وأتخيل بأن أذني تبدوان أطول من اللازم، وبأنني أشبه الحمار، يقتلني اليأس لأنني غير مفيد ولا أصلح لشيء، دفعني ذلك التفكير إلى اليأس من الحياة والتفكير في الانتحار للتخلص من حياتي التي تشكل عبئاً على أهلي، خصوصاً بعد أن تم فصلي من الدراسة بعد رسوبي المتكرر في الثانوية، فجلست في المنزل بلا فائدة، والكل عابس بوجهي، شعرت بأن الدنيا تضيق بي وأن الموت هو أفضل حل لأمثالي.
جرجرت قدمي إلى البحر وقد فكرت بأن أغرق نفسي لأضع حداً لتعاستي، ولهذه الحياة البائسة التي لم أعد أطيقها مع أناس لا يحبونني، شعرت بأن البحر الذي أحببته طوال عمري يناديني ليأخذني بين أحضانه الحنونة الدافئة، تقدمت بخطوات ثابتة نحو تلك الأحضان، ورحت أغمر أجزاء جسدي بالماء شيئاً فشيئاً، وأنا مستعد لاستقبال الموت مهما كان بشعاً، فهو بالتأكيد لن يكون أبشع من حياتي التعيسة التي أعيشها، غمرتني المياه واختل توازني وبدأت دوامة الغرق تتلاعب بي، انقطعت أنفاسي ومر شريط حياتي بسرعة مذهلة، وجدت وجه أمي الحنونة وهو يتبسم لي، مع أني لم أشاهدها في حياتي لأنها ماتت عند ولادتي، إلا أني حفظت ملامحها من صورها التي احتفظ بها دائماً، يا أمي الغالية، لو كنت معي لكنت صبرتني على محنتي ولكنت فكرت بخوفك علي وحزنك على فراقي، ولكني كما ترين إنسان وحيد، لا أحد يريدني حياً، ولا أحد يطيق وجودي، فخذيني معك يا أمي إلى عالم الخلود الأبدي بعيداً عن هذه الأرض القاسية.
عندما فقدت قدرتي على التنفس شعرت بان الموت صعب للغاية، وإن انقطاع النفس شيء لا يطاق فقررت إنقاذ نفسي والعودة لحياتي مرة أخرى مهما كانت تعيسة، فقاومت الغرق، ولكني ضعفت عن المقاومة وخارت قواي، فأغمي علي ولم أعد أحس بشيء.
عودة للحياة
فتحت عيني أثر ضربات خفيفة على وجهي، نهضت وتقيأت مياهاً كثيرة كانت تملأ صدري، نظرت حولي فوجدت شاباً في مثل سني، كان ينظر إلي بخوف وقلق وهو يردد: سلامات يا أخي.. كدت تموت لولا إني لحقت بك في آخر لحظة.
بدلاً من أن أشكره، أمسكت بكتفه بعنف وصرت أصرخ به، لم فعلت ذلك؟ حرام عليك.. أعدتني لحياة لم أعد أريدها. أخذت بالبكاء والنشيج، تعجب الشاب من موقفي، ولم يصدق ما سمعه مني، فصرخ بي: تريد الانتحار أيها الأحمق؟
أحمق مرة أخرى؟ يا الهي!! حتى عندما اتخذت قراري بإنهاء حياتي، جاءني من يؤكد لي بأني أحمق!! فأين أهرب من هذا الواقع المؤلم؟
بعد أن هدأ روعي بدأت بتجاذب أطراف الحديث مع ذلك الشاب، ارتحت له نفسياً بشكل غريب، وكأنني كنت أعرفه منذ زمن بعيد، أقنعني بأن الحياة والموت بيد الله سبحانه وتعالى ولا يجب أن ننهي حياتنا بأيدينا، لأننا سنرتكب جريمة كبرى بحق أنفسنا فندخل جهنم، وقد خسرنا الدنيا والآخرة، ثم صار يحدثني عن الحياة وجمالها، والنعم الكثيرة التي أنعمها الله علينا وهي تستحق أن نعيشها ونتمتع بها، وأن نحمد ربنا على كل حال.دخلت كلماته أعماقي، فطلبت منه أن نكون أصدقاء، فرضي بذلك، ومنذ ذلك الوقت تغير مجرى حياتي من حال إلى حال.
صرنا نذهب سوياً إلى المسجد لنصلي الجماعة ثم نقرأ كتب التفسير والأحاديث ونحاول حفظها، شعرت بأن نوراً حقيقياً بدأ يتسرب إلى أعماقي فينير ظلمة روحي ويجعلني في شعور شفاف جميل يحملني بخفة ونشاط.
كان ذلك الشاب فقيراً لا يملك من الدنيا سوى بيت عتيق متآكل وقارب صيد قديم، وهو يذهب لصيد الأسماك ويبيعها في السوق فيحصل على المال الذي يعيل به نفسه وأمه العجوز، فهو وحيدها، وقد عمل منذ صغره لإعالتها.
أعجبتني طريقة حياته ورضاه عن نفسه، فطلبت منه أن أعمل معه فوافق مرحباً، وصرنا نخرج كل يوم بعد صلاة الفجر للصيد، فنعود مساء بالخير الوفير، فنبيع الأسماك ونحصل على المال الذي يجعلنا لا نحتاج للآخرين. شيئاً فشيئاً جمعنا مبلغاً من المال وقمنا بشراء طراد أكبر وبعض أدوات الصيد الحديثة، ثم استأجرنا عاملاً ليعمل معنا، فسارت أمورنا بشكل طيب ولله الحمد.
لم يقتنع أبي وإخوتي بعملي هذا أبداً، خصوصاً أنني صرت صياداً تملؤني رائحة السمك، فلا يليق أن أجلس على أثاثهم الفخم، أو أن استخدم سياراتهم الفاخرة، فتركت الفيلا واستأجرت بيتاً صغيراً مجاوراً لمنزل صديقي.
الحلم البعيد
عندما استقرت بي الحال، فكرت بالزواج، ولكن من يا ترى سترضى بإنسان فقير مثلي، أبعدت الفكرة ودعوت ربي أن يرضيني بما قسم لي وأن يرزقني الزوجة الصالحة التي تتقبلني كما أنا.
كنت في زيارة لصديقي لتناول الطعام، فأخبرني بأنه سيتزوج من فتاة «بلوشية» فقيرة، واقترح علي أن أتزوج أختها، فكان أول رد فعل لي هو الرفض المطلق، ولم أعرف سبباً لموقفي، الذي أحرجت به صديقي، فاعتذر مني وأغلق الموضوع.
بعد أن تزوج صديقي سنحت لي الفرصة بمشاهدة أخت زوجته، وما أن نظرت إليها حتى شدني ذلك الجمال الرزين الهادئ، وتلك النظرة الحنونة الطيبة، فلم يعد برأسي سوى وجهها، فطلبت من ربي أن يوفقني لتكون هذه الفتاة من نصيبي، وبالطبع فقد فاتحت صديقي بإعجابي بالفتاة، فشجعني على ذلك وتم زواجنا بلا بهرجة أو إنفاق، بشكل بسيط جداً وغير مكلف.
بعد هذه الخطوة وجدت بأنني محظوظ جداً وسعيد بكل ما أعطاني ربي، الرزق الحلال، والزوجة الحنونة الطيبة والتي ترضى بالقليل، ولم يعد يهمني موقف أبي وإخوتي مني، فهم غير راضين على كل ما فعلته، فهم ينظرون إلى حياتي على أنها حياة بائسة وشقية، وأنا أنظر لحياتهم بنفس الطريقة، لأن حياتهم من وجهة نظري بائسة ومليئة بالقهر والضغط النفسي والقلق، مقارنة بحياتي البسيطة الهادئة، فأنا راض عن نفسي، ولم أعد ذلك الأحمق الفاشل، وإنما أنا إنسان خلقه الله تعالى ليعمل بذراعيه ويجني الرزق الطيب ويشكر ربه على نعمه الكثيرة. مرت السنون ورزقني ربي بالذرية الصالحة والرزق الطيب، وبقيت حريصاً على التواصل مع أهلي على الرغم من كل ما لقيته منهم من جفاء وعدم احترام وتجاهل، وعندما مرض والدي وطالت مدة مرضه، لم يستطع أي واحد من إخوتي ملازمته بحجة ارتباطاتهم الكثيرة، إلا إنني فرغت له نفسي بشكل كامل، حتى صار يبكي متأثراً وهو يجدني إلى جانبه طوال الوقت، وعندما تم إخراجه من المستشفى، كان خائفاً من البقاء لوحده في الفيلا الكبيرة التي صارت خاوية وموحشة، فطلب مني أن أحضر عائلتي وأن أعيش معه، فرضيت بذلك، وكنت خائفاً من زوجتي، فلربما ستتأثر وتتغير عندما تنتقل من حياة الفقر إلى حياة القصور والغنى ولكنها لم تفعل، وإنما بقيت على حالها، طيبة حنونة، ساعدتني في العناية بوالدي أثناء انشغالي في العمل.
انتقل والدي إلى رحمة الله، وكما توقعت فإن إخوتي فكروا بالإرث والمال قبل أن تنتهي أيام العزاء، فحزنت من أجلهم كثيراً، وقد اعتقدوا بأنني ربما تقربت من والدي كي يسجل باسمي شيئاً من أملاكه، أو أن يعطيني بعض المال، فتركتهم لظنونهم السيئة وعدت أنا وعائلتي لبيتنا القديم المستأجر.
حصلت على أرثي، وكان مبلغاً ضخماً لم استطع تخيله، فاشتريت بيتاً جديداً، وكل ما نحتاجه من الضروريات، أما الباقي فقد تبرعت به لإحدى الجمعيات الخيرية ليكون وقفاً لروح المرحوم والدي، فقد تعلمت بألا أطلب من هذه الدنيا إلا الشيء القليل.




من السجن إلى الموت





أحمد محمد

القاهرة - كانتا في موقف لا تحسدان عليه.. إلا أن المرأتين كانتا تتعاملان معه بشكل طبيعي.. لم يبد على أي منهما تأثر أو ضيق.. فكأنهما كانتا في مهمة تذهبان لقضائها.. بل إن الأمر لم يخل أحيانا من ابتسامة وإن كانت خارجة من بين الشفاه بلا فرحة أو سرور.. ما يحدث لم يكن مفاجئا بل كان متوقعا في أي لحظة.. إنهما محشورتان مع مجموعة من النسوة في سيارة الشرطة المغلقة التي تنطلق بهن الى سجن النساء بعد أن قضت المحكمة بمعاقبة كل منهما بالحبس سنة. كانتا تريان أنهما أحسن حالا من غيرهما من النساء اللاتي كن معهما في السيارة.. فمنهن من حكم عليها بالسجن عشرة أو خمسة عشرة سنة.. كل منهما لسان حالها يقول من رأى مصيبة غيرة هانت عليه مصيبته.
لم تكن المرة الأولى التي يلقى فيها القبض عليهما.. لكنها المرة الأولى التي يصدر فيها حكم ويتم اقتيادهما للتنفيذ.. المرة الأولى التي تطأ فيها أقدامهما أرض السجن.. لم تعرف أي منهما الأخرى. لكن جمعتهما أشياء كثيرة مشتركة فهما متقاربتان في العمر. تخطتا الأربعين بثلاث أو أربع سنوات. المدة المحكوم بها على كل منهما متساوية.. وهذا يعني أنهما ستخرجان معا كما بدأتا معا.. وتهمتهما أيضا متشابهة، وهي النشل في وسائل المواصلات العامة. وكان التشابه الأخير عندما تسلمت كل منهما الزي الأبيض المخصص للسجينات ثم شاء القدر أن تجمعهما زنزانة واحدة ايضا وبدأت اللحظات الأولى في اليوم الأول لهما في محبسهما الذي سيستمر سنة.. تعرفان أنها ستمر طويلة بطيئة مملة في هذا المكان الضيق فلابد من البحث عن وسائل لقتل الوقت.
اقتربت «زينب» من زميلتها وبدأت تعرفها بنفسها، واستجابت الأخرى بسرعة كأنها كانت تنتظر هذا التقارب.. دنت منها وبادلتها الحوار الذي كان معظمه تبادل الاسئلة والأجوبة والتعرف على أحوال كل منهما. والثانية قالت ان اسمها «اعتدال» وسبق اتهامها في ست عشرة قضية نشل قبل ذلك ورغم انها في الثالثة والأربعين من عمرها الآن فإنها لم تتزوج، لذلك لم تترك خلفها خارج السجن من تحمل همه. فهي خالية من أي مسؤولية وهذا ما يجعلها لا تهتم كثيرا بما هي فيه الآن، بل ربما تجد فيه عزاء لحالها، فهنا سوف تجد فراشا ولو بسيطا تنام عليه، ومكانا آمنا تفترشه وغطاء تلتحف به، بل ترى انها ستغط في نوم عميق لأنها تشعر بالأمان ولا تخاف مطاردة الشرطة. ولا الذئاب البشرية المتربصة بالملقيات على الأرصفة بلا أهل أو حماية.. وردت عليها «زينب» بأنها مثلها تقريبا.. غير أنها تترك وراءها زوجا يحبها ويكفيها فيه الإخلاص. وأنها سوف تجده كما تركته بعد أن تعود اليه في نهاية هذه «الرحلة» واثقة باستحواذها عليه ولن يستطيع أن يلعب بذيله في غيابها، فلديها من يراقبه ولديها القدرة وهي مقيدة الحرية على ان تسيطر عليه. كانت هذه الصحبة عونا لكلتيهما في هذه الظروف وعرفت كل منهما الأخرى، بل حفظتها عن ظهر قلب حيث يجمعهما كل شيء حتى الحزن والفرح، والصبر والانتظار والأمل والمستقبل وأحلام الأيام القادمة، وتعاهدا على عدم الانفصال بعد هذه الفترة من التهذيب والإصلاح. ومهما طالت الأيام فلابد لها من نهاية.
وانتهت فترة السجن بآلامها ومرارتها ومرت بلياليها وساعاتها، وشموسها وأقمارها التي لا تطلع على أمثالهما.
كانت مليئة بالكثير من الأحداث وجاءت لحظة الخلاص، ولم تكن مفاجئة فقد كانت محسوبة عندهما بالدقائق والثواني وكما دخلتا معا خرجتا معا مع الفارق بين البداية والنهاية والاختلاف بين وضع القيود في المعاصم وفكها والخلاص منها.
وعادت «اعتدال وزينب» الى الحرية والنور بلا عزم على عدم العودة الى نشاطهما الاجرامي في النشل ولم تكن هناك نية لمزاولة النشاط ولا الاقلاع عنه، لم تفكرا في شيء من ذلك ولم يكن هذا هو ما يشغلهما.. بل تركتاه للأيام والشيء الوحيد الذي اتفقتا عليه هو الا تفترقا. وكما جمعتهما اللحظات القاسية فلابد أن تجمعهما الأوقات الجميلة ويجب ان تتكاتفا وتتساندا في الحياة. وكان من الطبيعي أن تدعو «زينب» صديقتها الى منزلها وتعرفها على زوجها الذي يعمل نقاشا ووجدته «اعتدال» كما لو كانت تعرفه تماما لكثرة ما وصفته لها «زينب» وتحدثت عن رجولته وعن خصوصياتهما معا حتى أن «اعتدال» كانت كثيرا ما تحب أن تسمع هذا الحديث وتتعمد أن تفتحه بشكل غير مباشر، فهي وإن كانت لم تتزوج بعد لكنها كانت لها علاقات مع بعض الرجال إلا أنهم جميعا كانوا يريدون جسدها ولم يحقق أي منهم حلمها في أن تكون زوجة وأما وأن يدبر لها بيتا يسترها.. وصداقتها بزميلة السجن لم تمنعها من ان تفكر في ان تقتسم معها زوجها، لم تحسب ذلك شيئا من الخيانة، ناهيك عن الحرام والحلال فهذا آخر ما تفكر فيه. كثيرا ما تخيلت نفسها معه في خلوة غير شرعية في واحد من اللقاءات الخصوصية التي كانت تحكي لها صديقتها عنها.. أرادت ان تحقق هذه الأحلام وهي لا تعدم حيلة للوصول الى هذا الهدف خاصة انها وجدت في عيني الرجل استجابة لمطلبها وان لم يتحدث بكلمة واحدة.
كثرت زيارات «اعتدال» لمنزل «زينب» وزوجها، وتقاربت فتراتها وفي هذه المرة وجدت ضالتها في كيفية استدراج الرجل الى شقتها المتواضعة التي تقيم فيها بمفردها.. استجمعت كل مكرها بأن يكون اللقاء بموافقة زوجته وعلى علم منها وبرضاها حتى لا يتسرب الشك الى نفسها.. ادعت أنها تريد «يونس» ـ وهذا اسمه ـ أن يقوم بدهان شقتها وهو سيكون أفضل من أي شخص غريب وسيستفيد من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنها ستكون مطمئنة لإتقان العمل.. ولم يكن الرجل يجهل قصدها ومأربها وهدفها الذي تخطط له، ورغم أنه كان ينتظر هذه الخطوة خاصة من جانبها فإنه لم يستطع اتخاذ قرار الا بعد أن القى نظرة خاطفة على وجه زوجته كانت كافية لأن يفهم منها رفض المطلب.. وبسرعة فائقة جاء جوابه بالرفض بحجة أنه ليس لديه وقت وأنه مرتبط بأعمال كثيرة ولن يستطيع تركها، ووجد رده هذا ارتياحا لدى زوجته بينما وقع كالصدمة على أذني «اعتدال». ولم تسر الأمور على هذا المنوال بل إن «يونس» قبل الدعوة من وراء ظهر زوجته وقام بزيارة «اعتدال» في شقتها وحدث بينهما ما كان كل منهما يسعى اليه. لكن الغريب في الأمر ان هذا الأمر خرج من طور السرية وعلمت به «زينب» فأشتعلت النيران فيها حتى وان كانت مخدوعة بأن اللقاء بينهما كان مجرد لقاء عمل ولم تعلم بالحقيقة كاملة. والمرأة تستطيع أن تغفر وتقبل أي شيء إلا أن يشاركها أحد زوجها.. وفي حدود ما وصل الى علمها قررت ان تقاطع زميلة السجن وتنهي علاقتها بها تماما فما فعلته لا يجب التهاون فيه.
لم تكن القطيعة وحدها كافية للقضاء على الشكوك التي كانت تنغص على «زينب» حياتها وقررت أن تضع يدها على الحقيقة كاملة وذهبت الى زميلة السجن ودعتها الى جلسة مصالحة في منزلها ووجدت «اعتدال» أنها فرصة لتعيد علاقتها مع «يونس».. وبدأ العتاب وأفصحت «زينب» عن غضبها من تصرف صديقتها وسعيها لإقامة علاقة مع زوجها.. وبدلا من أن تسمع كلمات ندم واعتذار أو عبارات نفي وانكار وجدت اعترافات واصرارا على الاستمرار، بل زادت الطين بلة عندما أخبرتها بحقيقة العلاقة التي تربطها به بل إنه يفضلها عليها واعترف لها بحبه.
هذه الكلمات الجريئة الصريحة كانت مثل السهام تخترق جسدها وتمزق قلبها.. لن تترك هذه النشالة التي تسرق الجيوب لكي تسرق منها زوجها ولن تستسلم للهزيمة ولن تترك الفرصة تضيع من بين يديها ولن تضيع مزيدا من الوقت.. فقدت السيطرة على أعصابها وأمسكت بقطعة من الحديد وفاجأتها بضربة قوية على رأسها من الخلف اسقطتها على الأرض، تلتها ضربات أنهت حياتها وحولتها الى جثة هامدة في بركة من الدماء، وعندما جاء زوجها «يونس» في المساء وشاهد الجريمة خارت قواه وفقد القدرة على الكلام وعقدت المفاجأة لسانه.. لا يدري ماذا يقول ولا ماذا يفعل.. وواصلت «زينب» لعبتها الخطرة وأبلغت رجال المباحث بوجود القتيلة في منزلها وأنها لا تدري من وراء الجريمة، لكن المهمة لم تكن صعبة أمام الشرطة لكشف الحقيقة حتى أنها جلست تعترف ببرود بل وتسخر من زوجها وتتهمه بأنه «قطة» وأنها كانت مخدوعة فيه وتعتقد انه رجل بمعنى الكلمة، لكنه في الحقيقة وهم وحاولت ان تحتفظ به الى الأبد لكنه لا يستحق لأنه ارتعد عندما رأى الجثة!
وتم حبس «زينب» لكن هذه المرة بمفردها وفي رحلة طويلة ومازالت تنتظر هل سيكون الثمن حياتها والحكم عليها بالإعدام أم تستخدم المحكمة معها الرأفة وتعاقبها بالمؤبد وفي كل الأحوال سيكون السجن مختلفا وذهابا بلا عودة

اقرأ أيضا