الاتحاد

دنيا

صبر بلا حدود

عجوزان ظلا متزوجين ستين سنة كاملة كانا خلالها يتصارحان حول كل شيء، ويسعدان بقضاء كل وقت في الكلام والحكايات أو خدمة أحدهما الآخر بحب وتفان، ولم يكن بينهما أسرار، وطيلة هذه السنوات ظلت الزوجة العجوز تحتفظ بصندوق خشبي مغلق فوق أحد أرفف خزانة ملابسها، وكثيراً ما حذرت زوجها في بداية زواجهما من محاولة فتحه أو سؤالها عن محتواه، وأكدت له أنها ستبوح بسره في الوقت المناسب، ولأن الزوج كان يحترم خصوصيات زوجته فإنه لم يهتم بأمر الصندوق إلى أن جاء اليوم الذي أنهك فيه المرض الزوجة، وقال الطبيب إن أيامها باتت معدودة.
وبدأ الزوج الحزين يتأهب لمرحلة الترمل، ويضع بعض حاجيات زوجته في حقائب ليحتفظ بها كذكريات. ووقعت يداه على الصندوق، فحمله وتوجه به الى السرير حيث ترقد زوجته المريضة، وما أن رأت الصندوق حتى ابتسمت، وكأنها تقول حان الوقت لفتح الصندوق، وقالت له: «ليس هناك مانع من فتح الصندوق الآن».
حمل الرجل الصندوق فرحاً لأنه سيكتشف السر الذي غاب عنه طيلة هذه السنوات، وفتحه، فوجد بداخله دميتين جميلتين من القماش، وبعض إبر الحياكة وقصاصات بقايا القماش الملون، وقطعا بسيطة من الإكسسوارات اللازمة لتطريز الفساتين، فضلاً عن كيس بلاستيكي به حوالي خمسين ألف دولار، فتعجب وسألها عن تلك الأشياء، فقالت العجوز برفق: «عندما تزوجتك أوصتني أمي بك، وأبلغتني أن سر الزواج الناجح يكمن في تفادي الجدل والنقاش العقيم الذي «لا يسمن ولا يغني من جوع»، ونصحتني كلما غضبت منك، أن أكتم غضبي وأقوم بصنع دمية من القماش مستخدمة هذه الأشياء لأنسى غضبي، فاغرورقت عيني الزوج بالدموع، وسألها متعجباً:« دميتان فقط؟ ألم تغضبي مني طيلة الستين سنة سوى مرتين فقط؟» ورغم حزنه على زوجته وهي علي فراش الموت، فقد أحس بالسعادة لأنه فهم أنه لم يغضبها سوى مرتين فقط !
ثم سألها: حسناً، عرفنا سر الدميتين، لكن ماذا عن الخمسين ألف دولار؟ فأجابته: «إن هذا المبلغ قد جمعته من حصيلة بيع الدمى التي صنعتها وبعتها أولاً بأول»!
استغرق الرجل في تجفيف دموعه المنهمرة، وراح يراجع نفسه وهو يبكي بكاء صامتاً، وعندما استفاق وانتبه لنفسه بوجوب الاعتذار لها عما سبب لها من ضيق وآلام وكدر، التفت إليها، إلا أن الوقت لم يسعفه، وعاش بقية سنوات عمره يدعو أن تسامحه.

المحرر

اقرأ أيضا