أرشيف دنيا

الاتحاد

رجع الصدى -خبز وملح

سألتني معاتبة: هل أصبح الحب عندك خبز الحياة وملحها.. ألم يعد هناك ما تهتم به وتكتب عنه سوى الحب والعشق والغرام؟.. هل تعتقد أن الجائع في بلاد المجاعة، أو المريض الذي لا يجد الدواء في دول الفقر المدقع، لديه الوقت أو الدافع أو الحافز أو حتى القدرة على الحب؟.. كيف يا سيدي «الرومانسي» تستطيع مشاعرنا أن تحلق في أجواء الحب، على وقع دوي الرصاص والحروب والكوارث التي يتسبب فيها أعداء الحياة؟
قلت لمحدثتي: في منطوق سؤالك الإجابة.. عندما قست قلوب البشر وغزاها التصحر، عندما تراجعت المشاعر النبيلة، عندما أصبح الحب عملة نادرة، عندما أصبحت الرومانسية تهمة، وحب الحياة بكل مقوماتها ومكوناتها ومخلوقاتها عيباً، عندما تجمدت المشاعر وبردت الأحاسيس، كثرت الحروب، وانتشرت المجاعات، وجار الإنسان على الأرض بما فيها وما عليها وما حولها.
«القلوب التي لا تخفق حباً لا تقاوم ولا تعرف الأمل ولا تتمسك بالحياة، وأصحاب هذه القلوب ليسوا في حاجة إلى مجاعة أو مرض أو غضب من الطبيعة، ليفقدوا الإحساس بالحياة والرغبة في الحياة».
الحب، يا سيدتي، منظومة من القيم النبيلة، والمشاعر الجميلة، عندما تسود وتستأثر بما تستحق من مساحات الحس الإنساني، تتراجع كل المشاعر السلبية، يتراجع التكالب والحقد والكراهية والحسد والطمع والجشع والتوتر والخوف والقلق والرغبة في إلغاء الآخر أو استغلاله والاستعلاء عليه، وعندما تتراجع هذه المشاعر السلبية، تتراجع معها مآسي البشر مع البشر ومن البشر.
الجائع يحتاج الى الحب، تماماً كما يحتاج إلى الخبز، يحتاج إلى يد حانية تربت عليه وتواسيه وتمنحه الأمل في حياة أفضل ومستقبل مختلف، بقدر ما يحتاج إلى يد تطعمه.. المريض يحتاج إلى مشاعر حب تحيطه، تدعمه وتقويه وتزيده إصراراً وقدرة على المقاومة، بقدر ما يحتاج إلى ضمادات ومحاليل ومشارط جراحين.
لصاحبة السؤال أقول: دعينا لا نكابر.. دعينا نعترف بأنه عندما تراجع الحب، عندما تحول القمر البدر من مصباح يضيء عتمة ليل العشاق، إلى كوكب صخري ترابي تحجبه سحب قاتمة كثيفة، خفتت أصوات عشاق الحياة، وعلت أصوات أعدائها

اقرأ أيضا