الاتحاد

تقارير

يوميات حرب مالي... ليست مهمة عادية


جون ثورن
ديابالي، شمال غرب مالي



تحركت أرتال الجيش الفرنسي وأعداد من المركبات ومئات الجنود شمالًا نحو وسط مالي، على طرق ترابية وبين الأعشاب وأشجار الأكاسيا متجهة صوب المعقل الرئيسي للمتمردين. ويقول جندي اسمه فلافيان، متكئاً على فوهة الدبابة التي يقودها خلال استراحة على الطريق: «لا أعرف إلى أين نحن ذاهبون»، مضيفاً «إذا قيل لي غداً إنه يجب السيطرة على تومبكتو بقوة السلاح، فسأفعل ذلك»، وكان وقت حديثنا مع هذا الجندي سابقاً على تحرير مدينة تومبكتو من الجماعات المسلحة. والواقع أنه من غير الواضح حتى بالنسبة لمعظم الرجال في الرتل الوجهة التي سيقصدونها؛ ولكن الواضح، في المقابل، هو أنه بعد أيام على وقف هجوم المقاتلين الإسلاميين، أخذت وحدات كبيرة من الجنود الفرنسيين تزحف على معاقل الإسلاميين في شمال مالي.
والتقدم الفرنسي يبدو جزءاً من جهود أكبر لممارسة الضغط على المقاتلين. ذلك أن جنوداً من عدد من بلدان غرب أفريقيا وصلوا إلى مالي خلال الأيام الأخيرة، ويُنتظر وصول المزيد قريباً، هذا في وقت تضرب فيه طائرات فرنسية باستمرار مواقع تابعة للإسلاميين في شمال البلاد. غير أن استرجاع كامل الشمال يمكن أن يكون صعباً وشاقاً؛ ذلك أنه إذا كانت الضربات الجوية وتقدم القوات قادرة على طرد المقاتلين الإسلاميين من المدن الكبيرة، فإن الكثيرين لديهم سنوات من التجربة في التملص من الاعتقال في الصحارى الشمالية ومنخرطون في الشبكات الإجرامية للمنطقة. ويذكر هنا أن الأزمة المالية بدأت قبل عام عندما اختطف إسلاميون متطرفون انتفاضة قبلية للطوارق، وهم مجموعة إثنية كبيرة، واستولوا على معظم شمال البلاد. وبعد أشهر من الجمود، قدمت القوات الفرنسية إلى هنا بسرعة منتصف لشهر المنصرم. وجاءت هذه الخطوة بعد سلسلة من المكاسب البرية الخاطفة للمقاتلين الإسلاميين الذين كانوا يزحفون جنوباً، وهو ما عرض العاصمة باماكو للخطر وأدى إلى إطلاق الرئيس المالي ديونكوندا تراوري لنداء استغاثة، كما يقول المسؤولون الفرنسيون.
وكانت مخططات وُضعت العام الماضي من أجل تدخل أجنبي في مالي قد أسندت أدوار القتال في البداية لقوات أفريقية بشكل رئيسي، وتقول فرنسا إنها ما زالت تأمل في أن تسلم المشعل للقوى الإقليمية في أقرب وقت ممكن. ولكن حتى الآن، دفع الطابع الاستعجالي للمهمة فرنسا إلى تقلد دور قتالي قيادي. وفي هذا الإطار، شنت الطائرات الفرنسية ضربات جوية ضد مواقع الإسلاميين، كما لعبت القوات الفرنسية دوراً أساسياً في حمل الإسلاميين على الانسحاب من مدينتي كونا وديابالي الواقعتين وسط البلاد، (ثم مدن تومبكتو وجاو لاحقاً).
وقد دخلت أرتال الجنود الفرنسيين أولاً إلى نيونو، وهي مركز إقليمي في منطقة مستوية تنتشر فيها القنوات وحقول الأرز جنوب ديابالي، في وقت خرج فيه الأهالي للترحيب بهم. وقال ياكوبا سيسي، وهو طالب في كلية الطب، بينما كان رتل الجنود والشاحنات والمدرعات يسير على الشارع الرئيسي لنيونو: «كنت أتمنى أن يرى ابني هذا!».
وبينما أرخى الليل سدوله على نيونو، خلد الفرنسيون للنوم. وضعوا أسلحتهم خارج مركباتهم وحرصوا على أن تكون قريبة في متناول أيديهم حتى يستطيعوا أخذها بسرعة، هذا بينما أخذ البعض يقوم بتسخين حصص طعام الجيش الفرنسي على مواقد غاز تم شراؤها محلياً. والعديد من الجنود هنا يتحدثون برزانة عن القيام بواجبهم. ولكن هذه ليست مهمة عادية. فالأزمة المالية، إضافة إلى عملية احتجاز الرهائن المميتة في الجزائر، نقلت اهتمام العالم إلى خطر المقاتلين الإسلاميين المتطرفين في شمال أفريقيا ودفعت زعماء غربيين إلى الدعوة إلى جهد كبير لتطهير هذه المنطقة.
ولكن بالنسبة لبعض الجنود، هذه أيضاً فرصة للإثارة والحماس، كما يقول مورجان، وهو رقيب في وحدة للتدخل السريع يوجد مقرها بمدينة لومانس الفرنسية. وقد أعطى اسمه الأول فقط التزاماً بقوانين الجيش الفرنسي. ويقول مورجان في هذا الصدد: «إن معنويات الرجال مرتفعة جداً»، مضيفاً «إن العديد منهم شباب وقد التحقوا بالجيش قبل سنتين أو نحو ذلك. والسبب الذي يدفع الناس إلى الانضمام إلى وحدتنا هو الرغبة في الذهاب إلى الخارج». وفي وقت مبكر، غادرت القوات الفرنسية من مدينتي نيونو وديابالي متجهة شمالاً. وقد سارت الأرتال بموازاة مع إحدى القنوات المائية. وكانت ثمة دبابات وعربات مدرعة ومركبات إمداد وشاحنات تقل الجنود. ولاحقاً خرجت القناة عن الطريق ولكن الرتل تابع سيره، تاركاً وراءه المناطق الريفية الخضراء، مقبلاً نحو المناطق الصحراوية الخالية.
وكانت ثمة توقفات متكررة. ذلك أن عدداً من المركبات علق في الرمال وكان لابد من التوقف لمساعدتها. وفي منتصف النهار مر الرتل عبر قرية معزولة -عدد من المنازل المنخفضة، ومسجد أبيض صغير، وجمع من الأطفال الهاتفين «فرانسي! مالي! فرانسي! مالي!».
وقال فلافيان، سائق الدبابة، الذي انضم إلى الجيش قبل عامين: «لقد جئنا من أجل القيام بواجبنا». ويذكر هنا أن وحدته، التي يوجد مقرها في ساحل العاج، مصممة للانتشار السريع.
ثم أضاف قائلاً: «إذا نادانا أحد طالباً المساعدة، فذاك هو ما تدربنا من أجله... إنه صميم مهنتنا!».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا