أرشيف دنيا

الاتحاد

نداء إلى الزوجات

هل يتصل بك زوجك ما أن يصل إلى مقر عمله ليطمئنك بوصول سيادته بسلامة الله وحفظه؟ وهل يكرر الاتصال مع دقة كل ساعة ليسأل عن الحذاء الذي لبسه الولد والمكنسة التي تستعملها الخادمة؟ وهل يتصل ما أن يجتمع بأصدقائه، ويخبرك بأنه في المكان الفلاني مع الأشخاص الفلانيين وهو يُودع سماعة الهاتف قبلاته الحارة؟ وهل يتصل بعد ذلك ويقول لك إنه الآن أمام كوب كابتشينو وكان يتمنى لو كنت معه في هذه اللحظة التاريخية؟ وهل يتصل ما أن يبدأ عرض الفيلم في السينما، ثم بعد نصف ساعة ليطلعك على ما جرى، ثم في أثناء خروجه ليعطيك الموجز السينمائي؟
وهل زوجك المحترم يتصل إذا خرج في رحلة برية ليعبّر لك عن بالغ أسفه لأنه لا يستطيع تحديد البقعة التي يخيّمون فيها؟ وهل يتصل مع إشعال النار، ومع شحذ السكين، ومع شوي الخروف المسكين، ومع نهش لحمه، ومع شرب الشاي، ثم يتصل مودعاً آخر الليل مبللاً السماعة بدموعه؟ وهل يتصل بين كل تلك المكالمات، أي في الأوقات التي يتوقف فيها الزمن، ليقول: إنني أتنفس الآن؟
إذا كان زوجك الفاضل يفعل كل هذا، أو أكثر أو أقل، فقولي عليه وعلى حياتكما السلام. فالذي لا تعرفينه أن الأزواج من هذه الشاكلة يُنظر إليهم في المحيط الرجالي بأنهم رجال «أي كلام»، ملتصقون بنسائهم ويحدثونهن في أشياء هامشية، برغم أنهم كانوا معهن قبل قليل، وسيكونون في أحضانهن بعد قليل.
ستقولين: «أحسن.. ليس المهم رأيكم فيه، المهم أن يتواصل معي ويشعرني بحبه ورعايته لبيته، حتى أكاد ألمس يديه عبر السماعة وأشم أنفاسه من خلال الموجات.. وأنتم يا من تقولون عن أزواجنا ما تقولون، كان الله في عون زوجاتكم وعيالكم، لأن تفكيركم أعوج وقلوبكم غليظة ومشاعركم متبلدة».
لكن مهلاً يا أختاه في الإسلام وفي بقية الأديان السماوية، المسألة أعقد مما تتصورين، فلا أحد يدافع عن الزوج الجافي والساهي عن أهله واللاهي بأصحابه والغارق في أعماله، الذي لا يتصل إلا عندما يكون ميتاً أو يصارع الموت في العناية المركزة، لكننا نتحدث هنا عن نوعية أخرى، النوع «الحبّيب» الذي يظهر تعلقه الشديد بزوجته ويضع نفسه في البلورة السحرية لترى حركاته وسكناته، ومع كل اتصال بكِ، ينظر جلساؤه بعضهم إلى بعض، ويتغامزون ويتهامسون، وما أن يغادر أرض الملعب قادماً إليكِ، فإنهم يبدأون في تشريح شخصيته وتحليل مكالماته، ما بين رافض بشدة لوجود هذا الكائن بينهم، ومتحفّظ على بقائه حياً، ومدافع عن مكالماته بقصد إبقاء الموضوع ساخناً على طنجرة البحث والضحك.
وليست المكالمات الكثيرة والتفصيلية هي التي تحرق الأعصاب، فمغادرة المكان بعد الحضور للحظات، لأن «الأهل» بمفردهم في البيت، تعطي النتيجة نفسها. وكذلك تغيير خطة اللقاء وساعته ومكانه لأن الأخ يريد أن يكون قريباً منكِ وتحت الطلب في أي لحظة.
وبرغم أن انفضاض الرجال من حوله، وتوترهم عند حضوره، خصوصاً حين يبتسم تلك الابتسامة الخرقاء والسماعة في أذنه، يقرّبك منه لأنه لن يجد صديقاً غيرك، إلا أنه على المدى الطويل، سيدرك أنه خسر كثيراً، وأنه عجز عن المحافظة على إخوانه وأصدقائه، فالحياة ليست أنتِ فقط، وسيشعر أنه غير مرغوب فيه وأنه ثقيل لا يُحتمل، وحينها ربما يرتد عن حبك، أو يواصل التصاقه بكِ لكن بنفسية محطّمة. ولو كان زوجك عزيزاً عليهم، لطبائع أخرى راقية فيه، فإنه سيعرف عاجلاً أم آجلاً أن أصدقاءه يتخذونه هزواً، وهو الذي سيبتعد في هذه الحالة، وهم سيقولون بالفم الملآن: «بالطقاق»، أي إلى جهنم.
وما يعقّد الأمر أكثر، هو أنه لن يعرف سبب ما جرى، ولِما أخذ الرجال يتهربون منه، ويتعمّدون تجاهل دعوته لمرافقتهم، لأنه بين المتزوجين، ليس من المناسب أن يتدخل أحد في شؤون أحد الزوجية ومتى يتصل الزوج وماذا يقول وكيف يعبّر عن فراغ عقله.
لذلك، فالمرأة العاقلة هي من تُبعد زوجها عنها ليبقى قريباً منها طيلة العمر.

اقرأ أيضا