أرشيف دنيا

الاتحاد

شيلي أحدث ضحايا «لعبة الأرض والبحر»

لم تكد طبقات الأرض المضطربة في هاييتي المنكوبة تعرف بعض الاستقرار والهدوء، حتى اهتزّت من جديد في الجهة الأخرى من القارة الأميركية؛ وهذه المرة في شيلي التي تشتهر بشاطئها الطويل على المحيط الهادي والذي يشكل جزءاً مما يسمى “حلقة النار” Ring of Fire.
وشهدت المنطقة الوسطى من البلاد صباح السبت الماضي أعنف زلزال بلغت قوته 8.8 درجة على سلم ريشتير وصلت موجاته الاهتزازية حتى جزر هاواي وأدى إلى نشوء موجات المدّ العالي التي وصلت إلى شواطىء كاليفورنيا وآلاسكا على بعد آلاف الكيلومترات والتي تنتمي جيولوجياً إلى سلسلة “حلقة النار”.
وعلى بعد بضعة ألوف الكيلومترات إلى الشرق، بدأت دول أخرى واقعة على “حلقة النار” مثل اليابان وسنغافورة والفليبين ونيوزلندا وأستراليا تتهيأ لمواجهة المدّ البحري الناتج عن هذا الزلزال العنيف.

الحلقة النشيطة
و”حلقة النار” تمثل حزاماً وهمياً يلفّ شواطىء المحيط الهادي برمّتها ويمثل أكثر مناطق الأرض تعرّضاً للزلازل والبراكين ويمتد من نيوزلندا على طول شواطئ شرق آسيا ويصل حتى آلاسكا والشواطىء الغربية لقارتي أميركا الشمالية والجنوبية. وتضمّ “حلقة النار 75 بالمئة من البراكين النشيطة والخاملة.
وكثيراً ما تشهد قيعان المحيط الهادي وغيره من المحيطات، أحداثاً جيولوجية عظمى دون أن ينتبه إليها الإنسان أو يستشعرها بالرغم من أنها قد تكون بالغة الأثر على حياته ذاتها في بعض الأحيان. وأهم هذه الأحداث تتعلق بالزلازل والبراكين التي لا تكاد تتوقف أبداً. ويكمن سبب حدوث الزلازل القاعية البحرية في حركة الصفائح التكتونية الأرضية earth tectonic plates، وهي كتل صخرية هائلة الحجم قد يزيد سمكها على 200 كيلومتر، وتكون دائمة الحركة بالرغم من بطء حركتها بحيث لا تزيد سرعتها عن بضعة سنتيمترات في العام. وتفصل بين هذه الصفائح كسور أو شقوق كبرى تدعى الصدوع الأرضية faults ترسم حدود كل منها.
ولقد انقسمت القشرة الأرضية إلى مجموعة من هذه الصفائح الكبرى التي يخلق ارتطامها ببعضها البعض أسباب الزلازل والبراكين. وكثيراً ما يحدث هذا الارتطام تحت قيعان المحيطات أو البحار مما يؤدي إلى نشوء الزلازل البحرية مثلما حدث صبح السبت الماضي عندما سجلت المراصد حدوث زلزال قوي في أعماق المحيط الهادي بلغت قوته 8.8 درجات على سلم ريختير.
وتنشأ الموجات الزلزالية القوية على مستوى الحدود الفاصلة بين صفيحتين مصطدمتين وفي نقطة تدعى “بؤرة الزلزال” التي قد تقع على أعماق سحيقة تحت سطح الأرض. وتنتشر هذه الموجات بسرعة كبيرة في كل الاتجاهات. وفي الزلازل الأرضية، غالباً ما تؤدي الطاقة العالية التي تحملها هذه الموجات إلى تدمير المباني والمنشآت الحضرية، ولكنها تفعل فعلاً مختلفاً عندما تحدث في قيعان المحيطات والبحار إذ تمتصها الكتل المائية فتؤدي إلى نشوء الأمواج البحرية العاتية “تسونامي”، وهي تختلف عن الأمواج البحرية العادية بطولها الكبير (طول الموجة هو المسافة بين قمتين موجيتين متتاليتين أو بين قاعين متتاليين). وهذه الأمواج لا تتشكل إلا نادراً ولكنها تكون مدمّرة على المنشآت الساحلية. ويعرفها المتخصصون في شؤون الإبحار والملاحة لأنها تنطوي على الخطورة الكبيرة على السفن المبحرة خاصة لأنها تنشأ فجأة حتى عندما يكون البحر هادئاً.
والصفائح التكتونية هي كتل هائلة الحجم من طبقات القشرة الأرضية يمكنها أن تتصادم أو تغطس تحت بعضها البعض أثناء حركتها البطيئة التي تقاس بالسنتيمرات في العام. وحول حلقة النار، توجد منطقة واسعة من الأرض تدعى “قطاع الغطس” حيث يؤدي غطس الصفائح تحت بعضها إلى تحرير طاقات ميكانيكية هائلة كافية لتشكيل أمواج بحرية عملاقة ومتلاحقة بالإضافة إلى الزلازل. وفي الشاطىء الغربي لأميركا الجنوبية، تتصادم صفيحة “نازكا” مع “صفيحة أميركا الجنوبية” منذ التاريخ الجيولوجي القديم، وهذا التصادم هو الذي أدى إلى نشوء جبال الأنديز والبراكين الشهيرة مثل “كوتوباكسي” و”آزول”. ومن المؤكد أنه هو الذي قدح الزلزال القوي الذي ضرب الشيلي السبت الماضي.

مناطق الخطر
تعد ولاية كاليفورنيا الأميركية واحدة من أكثر أماكن الأرض تعرّضاً لخطر الزلازل. وسبق لها أن شهدت زلازل مدمرة متكررة في مدينتي سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس. وكثيراً ما يردد بعض علماء معهد المساحة الجيولوجية في الولايات المتحدة التحذير من زلزال مهول ينتظر أن يضرب مدينة لوس أنجلوس. وهم يستندون في هذا التنبؤ على دراسة الإيقاع الزمني لتكرر الزلازل القوية التي تحدث هناك وبحيث يفصل بين كل زلزال وآخر فترة تقدّر بنحو 10 سنوات.
ويجمع علماء الزلازل على أن إيران تمتطي ظهر واحدة من أكثر الصفائح التكتونية نشاطاً على سطح الأرض، شأنها في ذلك كشأن اليابان والصين والقسم الغربي من تركيا (مضيق البوسفور) وولاية كاليفورنيا والجزائر والمغرب. وتعدّ الكتلة القشرية التي تقبع فوقها إيران جزءًا من (الصفيحة الأوراسيّة) Eurasian Plate التي اشتق اسمها من صفتي: أوروبية- آسيوية، وهي التي تشهد نشاطاً ديناميكياً متكرراً يؤدي إلى اصطدامها بالصفائح المجاورة لها مما يخلق أسباب الزلازل الكارثية كالذي حدث يوم الجمعة الماضي. وتتعرض هذه الصفيحة إلى ضغط مستمر من (الصفيحة الهندية-الأسترالية) الواقعة إلى جنوبها الشرقي والتي تزحف شمالاً بسرعة تقدر بنحو 5 سنتمترات في العام. وتنشأ الزلازل الإيرانية من الاصطدامات المتكررة بين هاتين الصفيحتين. ويمكن الاستدلال على عنف الزلزال ضرب مدينة “بم” الإيرانية عام 2003 من نتائجه الهائلة حيث دمر المدينة التاريخية عن بكرة أبيها في ثوان وخلف أكثر من 20 ألف قتيل ليعد بذلك واحداً من أكثر الزلازل التي ضربت الأرض قوةً منذ أكثر من 20 عاماً.
ويعود التاريخ المدوّن لمعاناة الإيرانيين من الزلازل إلى العهود التاريخية القديمة. ولا تكاد البلاد تنعم ببعض الهدوء الأرضي النسبي بعد كل زلزال حتى تعود الأرض إلى نشاطها المفاجىء وتضرب إحدى ضرباتها الموجعة. ومن ذلك مثلاً الزلزال المدمر الذي شهده إقليما غيلان وزاندجان الواقعان في المنطقة الشمالية من البلاد في 21 يونيو من عام 1990 والذي خلّف 40 ألف ضحية ومئة ألف جريح. وبلغت قوة ذلك زلزال بام 7.3 درجة على سلم ريشتير وأدى إلى تدمير المنشآت الحضرية في مساحة تبلغ 2100 كيلومتر مربع تضم 27 مدينة وبلدة صغيرة و1871 قرية خلال بضع ثوان.

أسباب ونتائج
والسبب الأساسي لهذه الظاهرة يمكن العثور عليه في أعماق المحيط وحيث تم التأكد من أن الجذور القاعية الصخرية لشبه القارة الهندية تتحرك ببطء شديد نحو الشمال. ولكن ضغط الصفيحة الهندية تقلّص قليلاً لأن سرعة انزياحها تراجعت خلال الثلاثين مليون سنة الماضية إلى 5 سنتيمترات في العام بعد أن كانت 10 سنتيمترات في العام قبل حدوث اصطدام رئيسي بين الصفيحتين أدى إلى امتصاص أكثر من نصف طاقتها الحركية. ومع ذلك، فلا تزال هذه الحركة قادرة على خلق أسباب الزلازل في منطقة شاسعة من الأراضي والبلدان التي تحيط بشبه القارة الهندية وخاصة منها إيران.
ويبقى التساؤل المهم: ما الذي يحكم على مدى قوة الزلزال، وما مصدر الطاقة الحركية الهائلة التي تتحرك بها الصفائح التكتونية القشرية للأرض؟.
يمكن لنظرية الصفائح التكتونية أن تفسر كل هذه التساؤلات وغيرها كثير. فالأرض تفقد طاقتها الحرارية الداخلية بتيارات الحمل لأن الصهير المعدني الباطني يغلي وكأنه زيت موضوع في وعاء داخل فرن مستعر. وتنتقل الطاقة الحركية لهذا الصهير إلى الصفائح التكتونية فتتحرك بموجبها بسرعة ضئيلة للغاية بسبب ضخامتها. وتؤدي هذه الحركة إلى تباعد الصفائح القشرية المتجاورة أو تصادمها مع بعضها البعض مما يخلق أسباب الزلازل. وتكون قوة الزلزال الناتج عن اصطدام هذه الصفائح ببعضها البعض على قدر ما تحمله هذه الصفائح المتصادمة من طاقة حركية.
وتعتري هذه النظرية بعض نقاط الضعف وعلامات الاستفهام التي لا تجد لها تفسيراً مقنعاً. ومن ذلك مثلاً أنه وبالرغم من أن معظم الزلازل التي تحدث على الأرض تستأثر بها المناطق الأرضية الواقعة على تخوم خطوط الصدوع أو حدود الصفائح التكتونية، فلقد فوجىء العلماء بحدوث زلازل في أماكن شديدة البعد عن هذه الصدوع مثل زلزال القاهرة الذي حدث في 15 يوليو من عام 2008.
وهناك بعض العوامل الأخرى التي تلعب دورها في تحديد مدى عنف الزلزال ودرجة الخسائر التي يسببها. ولا شك أن قوة الزلازل تقع في مقدمة هذه العوامل. فلقد بلغت قوة زلزال شيلي 8.8 درجة؛ وهي كافية لجعل الأرض تبدو وكأنها على كفّ عفريت. والعامل الثاني في الأهمية يتعلق بزمن الاهتزاز. فكلما طال هذا الزمن، كانت الخسائر أكبر والأضرار أشمل. وعادة ما يستغرق الزلزال القوي ما بين بضع عشرات الثواني أو الدقائق القليلة التي لاتزيد عن اثنتين.

تنبؤات
ولقد وجد الخبراء أن الزلازل تتكرر في بعض الأماكن بشكل دوري وبحيث تكاد تكون هناك فترات زمنية معينة بين الزلزال والآخر في منطقة ما. وحاول بعضهم اعتبار هذه الملاحظة غير الدقيقة والتي لا يمكن تفسيرها وفقاً لنظرية الصفائح التكتونية، وسيلة للتنبؤ بالزلازل المقبلة في مناطق العالم المختلفة. ومن ذلك مثلاً التنبؤ الصادر عن علماء أميركيين توقعوا حدوث زلزال عنيف ووشيك في ولاية كاليفورنيا على اعتبار أن المنطقة أشرفت على تجاوز المدة التي تفصل عادة بين كل زلزالين متواليين والتي تقدر بثمان أو عشر سنوات.
وتبقى قضية التنبؤ بالزلازل ضرباً من ضروب الحدس والتخمين بأكثر مما هي علم ينطوي على الحقائق والحسابات الرياضية.
مبان مضادة للزلازل
كثيراً ما تعمد البلدان التي تتكرر فيها الزلازل إلى بناء منشآتها بحيث تكون أقل تأثراً بأضرار الزلازل؛ ومن أشهرها اليابان التي تنتشر في مبانيها الدعامات الفولاذية.
ولعل أكثر المباني تحملاً للزلازل هو البرج العملاق الذي يدعى “ترانس أميركا بيراميد بيلدينج” Transamerica Pyramid Building ويوجد في مدينة سان فرانسيسكو وهو الذي تعرض لزلزال عنيف حدث عام 1989 وبلغت شدته 7.1 درجة على سلم ريختير دون أن يتأثر به بخلاف عشرات الأبنية الأخرى المضادة للزلازل. وتم بناؤه تنفيذاً لنتائج سلسلة طويلة من البحوث العلمية كتب لها أن توفر مئات الضحايا.


عن موقع geography.about.com
وموقع sindhtoday.net

اقرأ أيضا