الاتحاد

دنيا

سيارات الأجرة الوردية... للنساء فقط

أورديّة اللون ،لأن الوردي ارتبط بالأنثى وحدها، السائقة امرأة وتعليماتها واضحة جداً «امرأة لا تتوقف أبداً من أجل رجل»... سيارات الأجرة الجديدة، للنساء فقط، تسير في شوارع أبوظبي مثيرة التساؤلات والمواقف.. مع وضد.. والبادئ أظلم. البادئ هو الفاعل الذي ربط اللون الوردي (الزهر) بالأنثى وحتى أن لون الذكورة الأزرق يبدو واهياً وغير ذي فعالية كما للوردي، فالأنثى بوسعها المراوحة بين الوردي والأزرق والألوان كلّها ولا يصح للرجل أن يطأ عتبة الوردي وإلا اتهم بأشنع الاتهامات، أقلّها تلك التي تنزع عنه صفة الرجولة.

منذ الولادة، تحضر للفتاة العدّة من ملابس وأغطية وحتى أغلفة حبات الشوكولا للضيافة باللون الوردي... ويرافقها هذا اللون دائماً فالتصق بها التصاقه بكل ما يوحي بالأنوثة المعاكسة للذكورة.. يغزو اللون الوردي عقل الفتاة فلا تهوى سواه في فترة من عمرها، وربما وهي تكبر تراوح بين كل الألوان، ولكن تبقى للوردي سطوته عليها. وهكذا كان، أن بدأت بعض الشركات التي تود تخصيص سيارات للأجرة للنساء فقط، تقدّم السيارات باللون الوردي بكامل هيكلها، ففي المكسيك تتجول نحو 35 سيارة أجرة زهرية اللون لا تتوقف مهما كانت الظروف إلا للنساء، وفي لبنان سيّرت إحدى شركات سيارات الأجرة سياراتها الوردية اللون خصيصاً للنساء تحت تسمية «بنات تاكسي».. وكذلك في دبي ثمة سيارات خاصة للنساء فقط.
أما في أبوظبي، حيث شركات سبع تسيّر سيارات الأجرة، فقد بدأت بناء على قرار مركز تنظيم النقل بسيارات الأجرة بتسيير سيارات خاصة بالنساء فقط، وينص القرار، كما أشار إليه مدير إدارة التشريعات والتراخيص في المركز محمد الحوسني، على تسيير كل شركة عشر سيارات للنساء، بمعنى أن تتوافر في المرحلة الابتدائية 70 سيارة أجرة للنساء فقط.
السيارات في أبوظبي ليست مطلية بالوردي، ولكن الصندوق الأصفر الذي يكتب عليه في العادة «سيارة أجرة» استبدل بصندوق وردي كتب عليه «أجرة نسائية»، والأصحّ أن تكون إذا كانت ترجمة للعبارة «لايديز تاكسي» الواردة أيضاً على الصندوق، «أجرة للنساء» أو «تاكسي للنساء» كي تؤدي معناها.
ولكن القوانين واحدة، تقول أيرين وهي تقود إحدى هذه السيارات «لا أقف لرجال حتى لو لم أجد زبونة واحدة»... فهذا «التاكسي مخصص للنساء فقط أو للنساء والأطفال والأولاد، وثمة نساء يعترضن على ذلك بسبب عدم تمكّنهن من استقلاله إذا كنّ يرافقن أزواجهنّ»، كما تضيف.
تحرشات السائقين
يشدّد محمد الحوسني، على أن تسيير سيارات أجرة للنساء فقط لم يأت كقرار «عنصري» كما يعتقد البعض، إنما هي خدمة إضافية تقدّمها شركات النقل بسيارات الأجرة في أبوظبي، بعد أن لاقت استحساناً وإقبالاً في مدينة العين. ويقول «لاحظنا ازدياد الطلب عند حجز سيارة أجرة على أن تكون سائقة السيارة امرأة، فقد توفر سابقاً سائقات ليسارات الأجرة ولكنهنّ لم يخصصن للنساء، بل عملن لفترة لا بأس بها كما السائقين الرجال».
وإضافة إلى ذلك، فإنه، وحفاظاً على السائقة المرأة، خصص أيضاً النقل للنساء فقط، إذ يقول الحوسني «أحياناً تلبي السائقة طلب نسوة فتنقلهن إلى مكان معيّن، ولا تتمكّن من رفض صعود شلّة من الرجال معها بعد أن تنزل النسوة في المكان المقصود، وأحياناً يكون الوقت ليلاً وتشعر السائقة بشيء من الخوف وقد تتعرّض لمضايقات، ومن هنا فإن الخدمة مزدوجة لأن ثمة نساء يفضلن التنقل مع سائقة، وثمة سائقات يتحاشين أن يقللن معهنّ رجالا وخصوصاً في الليل». ويفضّل الحوسني أن تتنقل زوجته أو ابنته في تاكسي النساء.
وخالد خزام، يرى أن تاكسي النساء مريح للرجال كما للنساء، لأن الرجال سيهدأ بالهنّ ويطمئنوا على نسائهم في ظل توافر خدمة سيارات الأجرة للنساء تقودها نساء. وشرط خالد الوحيد أن تكون سائقة التاكسي بارعة في القيادة لأنه لا يثق تماماً بسياقة النساء، ويقول «أثق فقط بزوجتي لأنني أعرف كم هي بارعة في السياقة، وعدا ذلك لا أثق كثيراً بسياقة المرأة».
أيرين تقول «أحياناً أتعرض لمعاكسات من سائقي السيارات لمجرد رؤية امرأة تقود سيارة أجرة، ولا يثقون بقدرتي في السياقة»... وتضيف «يكسرون على سيارتي أحياناً فأرد لهم الصاع صاعين من دون التجاوز في حدودي، لأن ما يقومون به غير قانوني، ليعرفوا أنني مهنية وأعرف كيف أدبّر أموري في السياقة».
وتضيف «ألاحظ استغرابهم مع أن النساء يقدن السيارات في أبوظبي، ولكنهم غير معتادين على رؤية امرأة تسوق سيارة أجرة، لذا أراحني جداً أنني سأتعامل مع النساء فقط، أو مع النساء والأولاد».

راحة وأمان
تعبّر نسرين عن فرحها لدى إعلامها بتوفر خدمة تاكسي النساء، وتقول «أضطر في كثير من الأحيان إلى مغادرة المكتب حيث أعمل لآتي بابني من المدرسة، وصباحاً أتأخر لإيصاله، والسبب أنني أخاف أن تذهب الخادمة معه بالتاكسي لأن السائقين الرجال غالباً ما يحاولن التحرش وإن كلامياً مع الخادمات... اليوم سيطمئن بالي لأنني لن أطلب إلا تاكسي النساء، وهكذا لن أتأخر على عملي ولا أتعرض للمساءلات حول خروجي خلال الدوام لجلب ابني... وأكثر ما يريحني أنني لن أضطر لإيصال الخادمة إلى المطار إذا كانت مسافرة وطائرتها في الليل، فهكذا أكون مرتاحة لأنها مع امرأة وليس مع رجل».
ويقول الحوسني «آثرنا أن لا تكون هذه الخدمة المميزة أكثر كلفة من خدمات حجز التاكسي العادي المتوافر للجميع على اختلاف جنسياتهم. فحين يطلب أي كان سيارة أجرة عبر خدمة الاتصال الهاتفي، يدفع بالإضافة إلى القيمة التي يسجّلها العدْاد مبلغ خمسة دراهم لا غير، وإلا عليه النزول إلى الشارع وانتظار تاكسي فلا يدفع حينها إلا قيمة ما يسجّله العداد.. ومع حجز تاكسي النساء، القيمة هي نفسها لا أكثر ولا أقلّ، خمسة دراهم بالإضافة إلى ما يسجّله العدّاد».

الجمال ملك يديها
يشير الحوسني إلى أن ثمة خدمات بوسع السائقة تقديمها للنساء أكثر من الرجل، فالمرأة تعرف في العادة الأماكن الخاصة بالنساء من مثل صالونات التجميل ومراكز الرياضة أو السباحة المخصصة للنساء فقط، في حين أن السائق قد لا يعرف أين هو الصالون الذي تطلب المرأة الذهاب إليه، كما تشعر المرأة براحة في الطلب والحديث مع امرأة مثلها».
وتقول أيرين إن غالبية زبوناتها النساء يقصدن صالونات التجميل حين يحرصن على طلب سيارة أجرة للنساء، مرجّحة أنهنّ يستقلن أي سيارة أجرة أخرى إذا كنّ سيتوجهن إلى المول أو إلى أي مكان عام آخر. وتعتبر أن المرأة حين تخرج إلى الصالون تكون متوجهة لتجميل نفسها، وبالتالي تفضّل أن تحافظ على خصوصيتها، وأن تكون مرتاحة في مشوارها، وليس هناك أنسب من حجز سيارة أجرة للنساء فقط في هذه الحالة.

التحرشات عالمية
برزت التاكسيات المخصصة للنساء وكثرت حولها الأحاديث، فمنهم من يعتبر أن ثمة حاجة لهذه السيارات الخاصة بالنساء، لأن بعض الرجال من سائقي سيارات الأجرة يتجاوزن أحياناً حدودهم، وغالباً ما يشرعون بأحاديث وأسئلة مع زبائنهنّ من النساء فيها إيحاءات تزعج المرأة وتقلقها... في المكسيك حيث خصص عدد من السيارات للنساء مطليّة باللون الوردي، ثمة زر إنذار يطلق صوتاً تنبيهياً في الشارع ويضئ النور المثبت على هيكل السيارة من الخارج، وهذا الزر يستخدمه الزبائن إذا ما شعروا بالخطر أو بمحاولات التحرش، هذا الزر متوافر في كل سيارات الأجرة في المدن المكسيكية، غير أن النساء في التاكسيات الوردية يعتبرنه مجرد تكملة للشكليات، لأنهن يشعرن تماماً بالأمان مع السائقات من جنسهنّ.
وفي لبنان، ثمة مسرحية عرضت تعالج أوضاع النساء بشكل عام والتمييز ضدّهن عنوانها «حكي نسوان» من إخراج لينا خوري، وفي إحدى فقرات المسرحية عرض مفصّل وجريء لما تتعرض له الصبايا والنساء من تحرشات لفظية وأحياناً تتعدى الكلام في سيارات الأجرة بشكل كوميدي ساخر، وربما لاقى التاكسي الوردي في لبنان رواجاً منقطع النظير، لأن الطلب عليه يزداد باضطراد، بسبب هذه التحرشات.
ونتيجة للتحرشات الشائعة، غالباً ما تقلق المرأة إذا أرادت التنقل بسيارة أجرة لوحدها، خصوصاً إذا كان الوقت متأخراً.
وتفضل سندس شدّاد أن تقود بنفسها سيارتها وتقول «سئمت من التنقل بسيارات الأجرة وانزعجت كثيراً ولم أسترح إلا عندما حصلت على رخصة سوق، فقررت حينها شراء سيارة مهما كان الثمن، بمعنى أنني كنت مستعدة لدفع معظم راتبي في سبيل تأمين سيارة خاصة بي».
لا تشعر سندس بالراحة أبداً للتنقل بسيارات الأجرة مهما كانت، ولكنّها تجد أن فكرة توفر تاكسي للنساء فقط وتقوده نساء هي «فكرة لطيفة، ومفيدة للمضطرات لاستقلال سيارات الأجرة لأن لا سيارات لديهنّ».

الرواتب عامل مشجّع
يوضح الحوسني أنه اعتمد لسائقات سيارات الأجرة المخصصة للنساء راتبا ثابتا يعادل تقريباً الراتب الذي يتلقاه الرجال، بالإضافة إلى العمولة، وذلك لأن المرأة لا تستطيع العمل مثل الرجل لزيادة مدخولها، وأن تتأخر ليلاً في العمل على سيارات الأجرة، ويقول «نحن نحترم خصوصيات المرأة الزبونة وخصوصيات المرأة سائقة سيارة الأجرة على السواء، لذا تم اعتماد الراتب الثابت للسائقة»، مع العلم أن الشركات التي تتولى سيارات النقل بالأجرة تجد صعوبة في تعيين موظفات نساء يقدن السيارات، وثمة عمل مستمر من أجل استكمال الأسطول النسائي الذي حدّد مبدئياً بسبعين سيارة أجرة للنساء وقد يزداد إذا لمس مركز تنظيم النقل بسيارات الأجرة إقبالاً عليه.

المرأة أفضل
عن طريق الصدفة، استقلت روز تاكسي النساء من مطار أبوظبي إلى داخل المدينة، فقد كان متوافراً حين وصلت إلى رصيف قاعة الوصول واستقلته. تقول روز «الفتيات محترمات جداً، ولمست حرصهنّ على السياقة بشكل قانوني بمعنى عدم تجاوز السرعة المحددة وعدم التجاوز تسابقاً مع سيارات أخرى، كما أن السائقة التي التقيت بها يومها لم تسألني إلا وجهتي ولم تشرع بالتحدث معي مثلما قد يفعل بعض السائقين الرجال، وبرأيي أن المرأة أفضل في سياقة السيارات لأنها أكثر تنظيماً وتلتزم بالقانون وتعرف كيف تجتهد وتقسو على ذاتها، بينما الرجل قد يبدي شيئاً من الاستهتار».

اقرأ أيضا