الاتحاد

دنيا

إيزابيل بونوسامي: جائزة أبوظبي أجابت عن تساؤلات بناتي وأهديها لزوجي

لا تكل ولا تمل، تعمل بدموع لا تمسحها إلا ابتسامة طفل معاق أو نظرة رضا في عيون أهله، لا تحسب وقت دوامها بالساعات، ولكن بالإنجازات، تسابق الزمن لتزيح ثقل الانتظار عن أناس يحتاجون عناية خاصة، متطوعة بالزمان والمكان لإرضاء شريحة مجتمعية تعتبرها في أمس الحاجة لها، ولغيرها من أصحاب الأيادي البيضاء والقلوب الرحيمة، هي إيزابيل بونوسامي التي كُرِّمت مؤخراً بجائزة أبوظبي، وهي تهتم بالعمل الخيري التطوعي، حيث تتطوع بدوام كامل في مركز الرعاية الخاصة لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في أبوظبي، يحركها شغفها وحبها لعمل الخير، فاستطاعت تجاوز كل الصعوبات، فلسفتها خاصة في بناء المجتمع، تريد إشراك الناس، وحثهم على بناء الفرد والمجتمع.

امتد الحديث مع إيزابيل ساعات في جوف الليل، بل حتى الساعات الأولى من الصباح، وقتها الفائض لا تغدقه إلا على من يحتاجه أكثر من غيره، بعد العاشرة ليلاً كان اللقاء، متحمسة، متحدثة لبقة، في مكتبها بالطابق السفلي لإحدى العمارات في أبوظبي، حيث كانت لاتزال تعمل ككل يوم، حيث تقول إنها تخاف من تسرب الوقت دون أن تنجز شيئاً، تخاف أن لا تفي بعهودها أمام الله، وأن نقصر في مساعدة أُناس مازالوا على قائمة الانتظار.
ينتظرها زوجها هنا، يمد لها يد العون مادياً ومعنوياً، تقول إنَّه ملهمها ومساعدها، ولولا تفهمه لرغبتها في حب الخير وشغفها بمساعدة الآخرين لما كانت هنا. تتحدث عن ابنتيها، فتقول: إن هذه الجائزة أفتخر بها جداً لكون أغلب الناس تكرموا في سن متقدمة، بينما أنا كُرِّمت في بداية عطائي، وهذا سيجعلني أقاتل من أجل أن أكون عند حسن ظن من وضع في مؤهلاتي هذه الثقة، والجائزة أكبر جواب عن تساؤلات ابنتي جينا، سبع سنوات، وأديا، ست سنوات، كما أهديها لزوجي فيجي، وهم يجلسون إلى جانبي ينتظروني ساعات، بل أياماً وليالي، تقديراً منهم لما أقوم به، أنا مقدرة جداً استحماله لي، وسأعمل المستحيل من أجل كل من رشحني، وكرمني ووضع في الثقة، وهي جائزة كبيرة جداً في معناها، حيث لا يضيع جهد يبذل على هذه الأرض الطيبة، بل يقدر أحسن تقدير، وهذا طبعاً سيحقق نجاحات كبيرة جداً في كل المجالات.

امرأة دفعتني للإعاقة
مدفوعة بحسها المرهف وحبها للخير، تطوعت إيزابيل في الكثير من الميادين، واستقر تطوعها في مجال الإعاقة، سئلت ربما يكون هناك سبب؟ فقالت: تأثرت بالبيئة التي كانت محيطة بي، حيث كان أهلي يساعدون الناس ويحبون فعل الخير، حتى ولو أدى ذلك إلى إلحاق الضرر بهم. ومع ذلك يستمرون في اندفاعهم، بالإضافة لذلك فإنني أشعر براحة نفسية كبيرة عندما أساعد الآخرين، وكل ما أستطيع قوله إن دوافع داخلية جارفة هي التي تسوقني نحو فعل الخير، وقد تطوعت منذ أن كنت طالبة في كثير من المجالات، أما اليوم، وحين قدمت إلى الإمارات، فإن تطوعي استقر بشكل كبير في مجال الإعاقة، والتساؤل مشروع: لماذا الإعاقة؟
تسكب إيزابيل دموعاً قبل الإجابة، دموعها تفضح دواخلها المرهفة، لم تتمالك نفسها حين تذكرت السبب، مسحت قطرات دموعها المتدحرجة على وجنتيها، وقالت بصوت مخنوق: شكل يوم ولادة ابنتي حدثاً سعيداً لأسرتي، إنه حدث رائع أن تمنح الحياة، بعد ثوان قليلة كانت سيدة أخرى تضع مولوداً غير طبيعي، كانت هذه السيدة تبكي بحرقة كبير جداً أبكت الجميع معها، لم ولن أنسى ذلك اليوم أبدا، وفي الوقت الذي كنت أضم ابنتي إلى صدري وأرضعها، كانت هي تنظر لوليدها من خلف زجاج الحاضنة، وقد توفي في النهاية، كانت مأساة بالنسبة للأم ومن حولها، فليس سهلاً أن تحمل في أحشائها جنينا لمدة تسعة أشهر، وتكون النهاية درامية.
تقول إيزابيل إنها من ساعتها فكرت في المساعدة في مجال الإعاقة خاصة، وبشكل دقيق من خلال التدخل المبكر أي منذ حداثة الولادة حتى لا تكون هناك خسائر أكبر، فركزت على التطوع في مجال الإعاقة، وتقول عن ذلك: منذ أن وصلت إلى الإمارات قبل أربع سنوات ونصف السنة، وفي أبوظبي تحديداً بدأت التطوع، والتطوع يسدل على نفسي الراحة والأمان، لهذا لم أشعر أنني غريبة في الإمارات، وأسعد كثيراً حين أرى علامات الرضا في عيون الناس، فهذه قمة سعادتي.

أرضية صلبة للعمل الجيد
تشيد إيزابيل بالأرضية الصلبة التي تؤمنها أبوظبي للمنتسبين إلى في مجال التطوع، وتقول: شعرت هنا أنَّ المرأة محترمة جداً، فلم أجد كامرأة أي صعوبات في التحرك ليلاً ونهاراً، لم يضايقني أحد بل كان الكل يمد إلَّي يد المساعدة، والإمارات بقياداتها المدركة والواعية، تعطي لكل مجتهد فرصته لإظهار قدراته الخفية والظاهرة للإبداع، وتمنح فرصة التميز، أما الصعوبات الكبيرة التي أواجهها فهي تلك الصادرة عن عيون الناس التي تحمل تساؤلات كثيرة، لماذا التطوع؟ لماذا تصرفين وقتك دون مردود مادي؟ فالعالم اليوم يمشي على الماديات.

شرارة التفكير في المدرسة
تتحدث إيزابيل عن أفكارها في مجال التطوع، وتقول: أنا أؤمن بالعمل للبشر، وأؤمن بأن الناس يجب أن يساهوا في تنمية المجتمع، وتنمية المجتمع يجب أن تكون النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتطوع رافداً كبيراً للتنمية الاجتماعية، ولهذا يجب أن نعمل في إطار شراكة لنترك بصمة في مجال إسعاد الناس، يجب تضافر كل الجهود للمساهمة في بناء الناس، فكل الدول الغنية توجد بها جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، وهذه تحدث الفرق، بحيث تساهم بشكل فعال في التنمية المجتمعية ورفع الحمل على الحكومة في بعض المجالات، والإعاقة هي من أكثر المجالات التي يجب المساعدة فيها، فهذا المعاق لا حيلة له، وأعتبره هدية من الله سبحانه وتعالى، وبه يتعرف الأهل إلى أشياء جديدة في الحياة، وهذا ما قالته لي إحداهن لها بنت معاقة: «إن ابنتي عادية وأنا مختلفة»، تحمل من المشاعر الرقيقة والصفاء الداخلي أكثر مما أحمل، ومن خلال عملي تعلمت كيف أكون صبورة، تعلمت كيف أدخل في عالمهم وأصل إلى أعماقهم، فكل فرد منهم له عالمه الخاص؛ لذا يجب التعامل بطرق مختلفة، وإن كانت الإعاقات تتشابه في ضرورة التحمل والصبر والمهنية في التعامل، ومن الدوافع التي جعلتني أفكر في خلق مدرسة كبيرة متخصصة في مجال الإعاقة تمتد على مساحة 22 ألف متر مربع، حيث كنت متطوعة بمركز الرعاية الخاصة لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وأذكر يوماً لن أنساه أبداً، حين جاء أب للمركز وقال بانكسار غير مباشر، كأنه يستعطف قبول ابنه: لي ابن عمره 7 سنوات يتساءل عن سبب جلوسه في البيت فيما أخوه يذهب للمدرسة؟ وفي النهاية عرفنا أنه معاق، ويتمنى أن يوفر له أحد ما مكاناً في أحد المراكز، وكان الجواب إن المركز صغير، وليست له قدرة استيعابية أكبر، ولكن سيكون اسمه في لائحة الانتظار، تبكي إيزابيل كثيراً وتضيف: يومها لم أنم الليل، جلست أفكر كثيراً في مخرج، وبعدها عاهدت نفسي على السعي نحو خلق ما هو أفضل، خاصة أنه، وعلى صعيد المركز الذي أتطوع فيه فقط، تحمل لائحة الانتظار أكثر من 84 طالباً، سأقاتل من أجل الفكرة، ولست وحدي من يفعل ذلك، فهناك أناس يمدون يد العون.
تضيف إيزابيل: جاءت الفكرة وبدأ التفكير في المشروع بجدية كبيرة، عملنا دراسة وتصورات للمشروع، وسيكون المشروع تحدياً بالنسبة لنا، خاصة أنني أمتلك رؤية معينة لإطلاق هذا المشروع، حيث أرغب في إشراك كل الناس به. وحيث يمكن لمبلغ متواضع من 5 دراهم أن يحدث الفرق، وكانت الفكرة بداية المساهمة بـ5 دراهم لجمع 5 ملايين طوبة تساهم في بناء هذا الصرح، ولهذا أطلقنا «حملة طوبة منكم طوبى لكم» سنة 2008، وفي ظرف سنة واحدة استطعنا جمع 8 ملايين درهم، حيث كان التجاوب كبيراً، ولكن الأمر تراجع خلال سنة 2009، حيث لم نستطع جمع سوى مليون درهم، لهذا فكرنا في خلق جمعية للإعلان، وحث المجتمع بضرورة المساهمة في خلق بعض المشاريع الاجتماعية، فكانت جمعية «نهتم».


ورثت العمل الخيري
إيزابيل بونوسامي عاشت في كنف أسرة تهتم بالعمل الخيري والتطوعي، حيث تذكر أن والدها وجدها كانا قدوة لها في عمل الخير، وتعلمت من خلالهما حب مساعدة الآخرين، غادرت موريشيوس بلدها لدراسة الاقتصاد، وحصلت على درجة الماجستير في فلسفة الاقتصاد من جامعة دوفين في باريس، تطوعت وهي تدرس في باريس في الكثير من الأعمال التطوعية، وتعلقها بالعمل الخيري جعلها ترحل إلى بنجلاديش سنة 1999، حيث تطوعت للعمل مع مصارف الفقراء، وهو مشروع يهدف لتقديم القروض الميسرة للمعوزين، كما ساهمت في السنة نفسها في تأسيس مركز لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في موريشيوس، وانتقلت للعيش في الإمارات سنة 2005، حيث تطوعت للعمل بدوام كامل في مركز الرعاية الخاصة لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في أبوظبي.

تجاوب كبير جداً

تذكر إيزابيل أحد المواقف الإنسانية التي أثرت فيها بشكل كبير وتقول: ألّحت فكرة إنشاء المدرسة عليَّ بشكل كبير جداً، لم يعد يزورني النوم إلا نادراً، وقلت مع نفسي: إذا كان هذا المركز الذي أعمل فيه متطوعة يتوافر على لائحة انتظار تضم أكثر من 84 معاقاً، فماهو العدد الموجود في البيوت ولم يخرج إلى النور؟ وكم الأعداد الأخرى التي تنظر على لوائح المراكز بمختلف تخصصاتها؟ فعلاً إنه شيء يستحق العناء والتعب والبحث في كل اتجاه، وفي يوم كنت في قصر الإمارات، فلمحت الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أطال الله في عمره، وجعله ذخراً وملاذاً للناس، فاندفعت نحوه، واستجمعت جرأتي وشرحت له المشروع والغرض منه وأهدافه وأسباب إنشائه، فطلب مني معلومات عني وعن المشروع، ووعدني بكل ماهو خير، لأفاجأ بعد يومين فقط باتصال من مكتبه يطلب التحقق من جدية المشروع، وبالفعل جاءت لجنة ووقفت على أرض الواقع، وتحققت من نوايانا وأهدافنا، وخصص منحة للمشروع تقدر بـ25 مليون درهم إماراتي، وهي نصف المبلغ الذي نحتاجه لبناء المدرسة، الذي يقدر بـ50 مليون درهم إماراتي، لم أصدق نفسي، فعلاً إنها بادرة قوية جداً، أبكتني أسابيع ومازالت تبكيني شهامته إلى اليوم، خفف عنا الكثير وأعطانا القوة والحافز لاستكمال المشروع.

عامل نظافة أول طوبة

تقول إيزابيل: أذكر أنه عندما أطلقنا الحملة، كان أول متبرع عامل نظافة من جامعة زايد، ولم يكتف بـ5 دراهم، بل تبرع بـ500 درهم إماراتي، كان موقفاً مؤثراً جداً، يدل على أنَّ الإنسانية في كل القلوب الرحيمة. إيزابيل لوبون بونوسامي من موريشيوس، و»نهتم» تنظيم ذاتي مقرها أبوظبي، وكان الغرض من وجودها حسب إيزابيل: خلق الحماس في في نفوس الناس، وحثهم بضرورة المساهمة في المشاريع الاجتماعية، كما أنها تهدف إلى تحسين رفاهية المجتمع لا سيما ذوي الإعاقات المختلفة والأطفال والشباب، دون أن ننسى كبار السن من المواطنين، و»نهتم» تبحث في تحديد المنظمات غير الربحية أو المشاريع الاجتماعية التي هي بحاجة إليها، سواء أكانت من أجل المساعدة لجمع التبرعات للتعريف بها لوسائل الإعلام أو حتى لأغراض التدريب والإدارة وتستخدم شبكتها ومعارفها وخبرتها الميدانية لتحسين أداء الخير الاجتماعي، ومن مشاريعها المستقبلية تهدف إلى توعية الأطفال حول السلامة الطرقية والبيئة والحياة البحرية في الإمارات.

مدرسة متخصصة بتجهيزات دقيقة

تذكر إيزابيل أنه سبق لها أن تعاونت في إطلاق «حملة القلوب الرحيمة»، وتقول عن ذلك: أطلقنا هذه الحملة لجمع التبرعات، عندما كان المركز الذي أعمل فيه متطوعة على وشك الإغلاق، حيث لم يستطع توفير رواتب الموظفين، وبفضل «القلوب الرحيمة» حُلَّت المشكلة، ومازال المركز مستمراً، والحملة مازالت قائمة تجمع التبرعات، تساعدها في ذلك «نهتم» بكل حرفية وإتقان في مجال التطوع، وذلك بهدف إنشاء المدرسة التي كانت حلماً، وستصبح حقيقة بفضل كرم ومكرمة سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وستكون المدرسة متخصصة جداً في مجال الإعاقة، بل ستوفر عناية قصوى لكل حالة إعاقة حسب كل نوع، وتوفر احتياجات وتجهيزات غاية في الدقة والجودة، كما أنها ستضم مصحة بكادر طبي متخصص جداً في هذا المجال، ومتوافرة على كل المعدات اللازمة، وأكثر من ذلك فإنها ستسمح بالتدخل المبكر في مجال الإعاقة لحديثي الولادة، وتعمل على مساعدة أولياء الأمور وتعلمهم كيفية التعامل مع أولادهم وتثقيفهم، وستكون المصحة مفتوحة في وجه العموم من مواطنين ومقيمين، وسيستفيد منها الكل من مواطنين ومقيمين، وستكون متخصصة في العيادات النفسية، وعيادات الترويض، وعائدات المصحة ستعود للمدرسة، ونطمح في خلق مشاريع تعود على المدرسة بالنفع، لتتكفل بمصاريفها من خلال بعض المشاريع حتى لا تعتمد على التطوع بشكل كلي، وستكون مدرسة نموذجية على نفقة المجتمع المدني، وهذا في حد ذاته يشكل تحدياً بالنسبة لنا، كذلك فإنَّ تصاميم المدرسة كلها تخدم المعاق بشكل كبير، فكل طفل له احتياجاته الخاصة، من رسومات ولوحات ومعدات تحقق تواصله مع عالمه الخارجي، وتساعده على التحرك بكل أريحية، وندعو كل الشركات ذات العلامات التجارية أن تستثمر عندنا في المدرسة، بإقامة مطعم أو أي نشاط يلائم تصور المدرسة.

اقرأ أيضا