أرشيف دنيا

الاتحاد

ياسين الدويك عاشق الصورة التراثية


حوار وتصوير- محمد الحلواجي:
ليس غريبا على المصور الفوتوغرافي الشاب ياسين الدويك أن يتميز على أقرانه ممن حملوا الكاميرا على راحة أكفِّهم في هذا الميدان الفني الصعب·· ذلك إنه نجل الفنان التتشكيلي الأردني المعروف ياسر الدويك الذي نجح في توريث عشق الفن لابنه منذ نعومة أظفاره·· حتى شبّ عن الطوق وتدرج في هذا العشق إلى أن حقق أحد أحلامه بعد أن حاز قبل عامين على شهادة الماجستير في الإخراج والتدريس السينمائي من أكاديمية الآداب في 'خاركوف' في روسيا لتظل هواية التصوير الفوتوغرافي هي الأولى المحبّبة إلى قلبه نظرا لسهولة العمل فيها نسبيا وتكاليفها المادية الأقل من جهة ولإطلالها على الإخراج السينمائي من جهة أخرى·
خلال دراسته في موسكو كان التصوير الفوتوغرافي أحد المواد الأساسية في دراسة السينما·· وقد فوجئ الدويك أيامها بالطلب الكثير عليه من أجل تصوير عروض الأزياء ودعوته لمسابقات التصوير الفوتوغرافي الاحترافية·· وبعد ذلك صار يطلبه مصممو الأزياء لتصوير عروضهم الخاصة، وهو الأمر الذي دفعه للدخول إلى عالم الفوتوغراف بصورة أعمق·· لينتقل بعدها إلى الوطن العربي بعد إلحاح عائلته لترك العمل في بلد أجنبي، وبالفعل عاد إلى الأردن ثم استقر به الحال السنة الماضية في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد عدد من المشاركات في معارض التصوير ليبني اسمه من جديد، حيث كان كل رصيده من الصور يتخذ طابعا أجنبيا إلى أن بدأ تجميع رصيد جديد من الصور ذات الطابع الشرقي والعربي التي توَّجها بالعمل في الاستوديو التراثي في أيام الشارقة التراثية·
سحر الزمن الأول
عن عشق صور الماضي وكل ما يمت له بصلة اليوم·· يؤكد الدويك أن: غالبية أهل الإمارات يحبون الإطلاع على الصور القديمة التي تعبر عن ذكرياتهم وذكريات آبائهم وأجدادهم·· وقد أقبل الجمهور بشكل كبير على الأستوديو التراثي بسبب التطويرات والتحسينات التي أدخلتها إدارة التراث على طريقة التصوير في المنطقة التراثية بعد أن سهلت للزوار فرصة الاحتفاظ باللحظات النادرة عبر التقاط صور تذكارية لهم ولأطفالهم بأسعار رمزية قُصد من خلالها تشجيع الفعاليات التراثية، سواء داخل غرفة الأستوديو المعدة لهذا الغرض بشكل جميل، أوبالتقاط الصور بين بيوت السعف والعرشان وفي حجرة العروس أو في المجلس الشعبي أو مع الجمل والصقور أو فوق سفينة الصيد أو سفن الغوص أو بالقرب من الأبواب القديمة والبراجيل في 'السكيك' والطرقات والساحات الخارجية للمنطقة التراثية وهم يرتدون ما يشاءون من الأزياء الشعبية الإماراتية أو زي 'المطارزية' أو زي 'النوخذة والغووايص' أو زي 'المطوّع' أو في هيئة ممارسة الألعاب الشعبية القديمة في الماضي أو تمثيل القيام بالعمل في الحرف والصناعات الشعبية التراثية حيث يقوم الاستوديو التراثي بتدريب وتهيئة الزوار نفسيا من أجل إعدادهم لالتقاط صور مشهدية أو لقطات تمثيلية بسيطة ومرحة يتوفر فيها البعد الدرامي البسيط باللمسات الفنية الجمالية المحترفة، بالإضافة إلى قيام العاملين في الاستوديو بتوفير تشكيلة واسعة ومتنوعة من الأزياء الشعبية النسائية والرجالية التي تتفق مع كل الأعمار والأذواق، إلى جانب ديكورات اللوحات الفنية والمجسمات والطاقات والعديد من القطع التراث التراثية المعبرة في كثير من جوانبها عن ملامح الحياة الاجتماعية الإماراتية القديمة التي تمثل أنواعا وأشكالا وألوانا متعددة من المفردات التراثية المرتبطة بالبيئة الإماراتية وخصوصيتها· أبيض·· أسود·· ملوّن·
هكذا إذاً حقق الاستوديو التراثي ما لم يكن متوقعا في بال أحد·· عندما استقطب على نحو مفاجئ جمهورا أتى من مختلف إمارات الدولة للشارقة القديمة خصيصا من أجل هذا الاستوديو·· بعد طرح أفكاره الجديدة تماما، حيث يوضح ياسين الدويك في هذا الخصوص: ' عندما بدأنا تجربة الاستوديو التراثي في السابق كنا نقدم الصور الملونة·· لكننا أضفنا هذا العام صور الأبيض والأسود إلى جانب الصور الملونة التي قدمناها بمسحة قديمة عن طريق إمالتها للون البني·· وعندما عرضنا بالفعل بعض الصور التي أنتجناها في الاستوديو بروح وصبغة قديمة·· اعتقد كثير من الناس أنها صور قديمة فعلا·· نظرا لاستخدامنا المميز لخلفيات تراثية خاصة·· تنبع من روح وتفاصيل التراث الإماراتي والخليجي نفسه كتوظيف البيوت القديمة واستخدام الملابس ذات التصاميم العتيقة وكل ما كان يستخدم في الماضي من أجهزة وأغراض وإكسسوارات حيث قمنا بإدخالها جميعا إلى الصورة الفوتوغرافية لتبدو أكثر أصالة وكأنها صورة نادرة تم التقاطها في زمن قديم· والصورة بهذه الطريقة تكون أقوى بلا شك، نظرا لانتمائها إلى تاريخ معين وهيئة معينة أعمق في دلالتها وسحرها من الصور الملونة·· وبخاصة عندما استخدمنا لإنجاحها كل ما يمكن أن توفره وسائل التكنولوجيا الرقمية الحديثة·
صور الأجداد
يؤكد ياسين الدويك أن الناس في الإمارات شأنهم شأن كل الشعوب الأخرى تشبعوا من الصور الملونة التي أصبحت متوفرة بصورة هائلة في كل مكان حتى استقرت في جهاز الكومبيوتر والهاتف النقال·· فصاروا يحنون لامتلاك صور لأجدادهم·· أو صور لهم·· تشبه صور آبائهم وأجدادهم الذين كانوا يتعبون كثيرا من أجل الحصول على الصورة·· فقد كانت الصور في الماضي مكلفة جدا·· حيث كان المصوّر يعمل بجدية كبيرة على الصورة عبر اهتمامه بالإضاءة والديكور والملابس·· ونحن اليوم نقوم في الاستوديو التراثي بذات الجهد والطاقة اللذين كان يقوم بهما المصور الفوتوغرافي القديم· ولذلك عمدنا لاستخدام أسلوب الإضاءة القديمة الناعمة نسبيا في استوديوهات أيام زمان عوضا عن استخدام الإضاءة القوية جدا أو أشكال الإضاءة المتوفرة اليوم· كما لجأنا إلى استخدام التمثيل الدرامي البسيط في انجاز الصور·· كأن نطلب من الشاب الذي نلتقط له صورة يحمل فيها سلاحا مثلا·· أن يبدو في غاية والحدة والصرامة حتى نعكس الجدية القديمة·· ففي الماضي لم يكن الرجل يبتسم أو يضحك في الصورة·· وقد قصدنا بشكل عام أن يبدو الشباب والرجال جادين في الصور·· كما هو الحال عندما قمنا بتصوير وتمثيل شخصية' المطوع' حيث قمنا بإرجاع 'الغترة' أو 'القحفية' إلى الوراء قليلا لتكبير الجبهة مثلا·· وقد قمنا بدراسة عدد من الشخصيات التراثية الإماراتية من 'مطاوعية ومحاربين وطلاب وعاملين في المهن والحرف والعادات الشعبية' وطبقناها خصائصها على الصور·
خجل الإماراتية
وفيما يتعلق بخصوصية البنت الإماراتية في التصوير·· يقول الدويك: لقد وظفنا خجل البنت الإماراتية بطريقة ايجابية وهي تطل من الباب مثلا·· أو من خلال طريقة البنت الصغيرة في لحظة دخولها على مجالس الآباء والكبار لتستطلع هوية الأشخاص الجالسين مع والدها·· أما الأطفال الصغار جدا فقد تركناهم على طبيعتهم·· وهذا يعتبر نوعا من التمثيل حيث استفدت من دراستي السينمائية لابراز جمال الصور التراثية·· فحتى الصورة الفوتوغرافية فيها نوع خاص من الدراما·· ولذلك تكررت هذه العبارة كثيرا في الاستوديو:' قبل أن نقوم بتصويرك سنعلمك التمثيل' وبالفعل كنا نوجه الجمهور لطريقة الإحساس وتكنيك حركة الجسم· وقد صادفتنا صعوبة مع الأطفال الرضع فالأطفال في مثل هذه السن لا يطيقون أن تترك عليهم لبسا معينا لمدة طويلة·· كما أن حركتهم كبيرة·· لذلك كنا نجهز الإضاءة والكاميرا ونترك الطفل في موقع معين 'ليلعب على كيفه'! مع وجود الأم قريبة منه بالتأكيد حتى ينظر إليها ونصطاد اللقطة المناسبة·

اقرأ أيضا