أرشيف دنيا

الاتحاد

الهاربة


سعاد جواد:
جاءت مع اسرتها إلى هنا منذ أن كانت في الثامنة، بصعوبة تأقلمت مع أجواء الحر والغربة وبصعوبة استطاعت أن تتفاهم مع زميلات الدراسة لاختلاف لهجاتهن وتعددها، كلما سألت والدها، متى سنعود إلى الوطن؟ أجابها بعد سنة أو سنتين فقط فلن نطيل البقاء كثيراً، سنجمع بعض المال لنشتري بيتاً ثم نعود، مرت السنون متتالية ولم يستطع الأب أن يجمع ذلك المبلغ· أكملت البنت الثانوية ودخلت إحدى الجامعات المعروفة، كانت قد ألفت الحياة هنا ولم تعد تطالب أهلها بالعودة للوطن، حتى انها حين سافروا في الاجازة إلى هناك وجدت بأنها أصبحت غريبة عن المكان ولم تنسجم معه كثيراً وقد فرحت بالعودة مرة أخرى إلى هنا عند نهاية الاجازة·
في الجامعة اختلطت بجنسيات مختلفة عربية وأجنبية، اناثا وذكورا، كل واحد منهم كان يحمل بداخله وطناً منسياً ضاعت ذكرياته بعد أن عاش في غربة طويلة، كانت تفكر مع نفسها كثيراً، فهي قلقة على مستقبلها، ترى بمن سترتبط ومع من سيكون لها نصيب في المستقبل، فهذا الخليط العجيب الذي تعيش في وسطه لا يقدم لها الكثير من الاختيارات· مرت سنتان جامعيتان ولم يحالفها الحظ للعثور على شريك المستقبل، لم تكن من النوع العابث لذلك فهي لم تشأ أن تقيم اية علاقة إلا مع شخص تتوفر فيه الجدية اللازمة ليكون زوج المستقبل· في السنة الجامعية الثالثة تعرفت على شاب آسيوي يدرس معها بنفس التخصص، كان الشاب وسيماً ولطيفاً، حاول أن يتقرب اليها فابتعدت عنه وقاومت إحساسها الشديد بالانجذاب إليه ولكنها سرعان ما تراخت أمام إلحاحه واصراره فلم تستطع أن تخبىء ما في قلبها نحوه فسمحت له بالتحدث معها ومفاتحتها برغبته في الارتباط بها، أحست بأنه إنسان جاد وصادق في مشاعره وهو يستحق كل حبها وتقديرها، ولكن·· ما موقف الأهل من ذلك؟ انها لا تدري·· فمن الصعب أن تعرف كيف يفكر الأهل· أخبرت والدتها بالأمر فارتبكت الأم وانقبض صدرها وصرخت بها بغير وعي: ماذا دهاك؟ ألم تجدي غير هذا الشاب لترتبطي به؟ أرادت البنت أن تدافع عنه فقالت: انه شاب ملتزم بدينه وهو متفوق في دراسته ومن عائلة محترمة جداً كما يقول·· المهم هو انني مقتنعة به تماماً وأجده أفضل زوج لي، شهقت الأم وقالت: لقد جنت البنت والله لقد جنت· أخبرت الأم زوجها باختيار ابنته فلم يكن موقفه أفضل من موقفها فقد رفض هذا الشاب رفضاً قاطعاً وهدد البنت إن لم تقطع علاقتها به فإنه سيحرمها من الدراسة الجامعية·
حاولت البنت تهدئة الأمور وأقنعت والديها بانها ستترك هذا الموضوع جانباً حتى تكمل الدراسة ولكنها بقيت على علاقتها بذلك الشاب حتى تخرجا من الجامعة فتقدم ليطلب يدها من والدها· قابل الأب الشاب بعدم ترحيب ثم اخبره بأنه لن يزوج ابنته إلا لشاب من نفس بلده وانه لا يمكن أن يوافق على ارتباطها بشاب غريب حتى لو أدى ذلك إلى قتلها، ثم قام بطرد الشاب من بيته شرد طردة· بعد أشهر قليلة عاد الشاب إلى منزل الفتاة برفقة عدد من اساتذته في الجامعة فقد استعان بهم ليتوسطوا له عند والدها·· استطاع الاساتذة ان يقنعوا الأب والأم بفكرة السفر إلى بلد الشاب والتعرف على عائلته قبل منحه الكلمة الأخيرة، خصوصاً وان الشاب مستعد لشراء التذاكر وتوفير الاقامة لهما في أحسن الفنادق·
وافق والد الفتاة على الفكرة وسافر هو وزوجته إلى بلد الشاب، وهناك تعرفوا إلى عائلته وكانت عائلة محترمة وراقية جداً اعجبتهما، ولكن·· المشكلة هي النظرة الدونية التي ينظر فيها الناس إلى جنسية الشاب فكيف يمكنهما اقناع الآخرين بفكرة زواج ابنتهما من شاب آسيوي· بعد تلك الرحلة أخبر الوالد ابنته بأنه لم يوافق على ارتباطها بذلك الشاب لا لعيب فيه ولا في عائلته وانما بسبب جنسيته· لم تقتنع الفتاة بوجهة نظر والدها واتفقت مع الشاب على أن يعمل لها تأشيرة زيارة إلى بلده فيسافران معاً إلى هناك ليتزوجا دون رضا أهلها· تم تنفيذ الخطة وهرب الشابان إلى هناك وتزوجا، ثم اتصلت البنت بأهلها واخبرتهم بأنها قد تزوجت من تحب وقد عصتهما بسبب تزمتهما وتشددهما في أمور غير مقنعة· قام الأب برفع دعوى الخطف على الشاب لانه تزوج ابنته دون رضا وليها فأصبح الشاب مطلوباً للعدالة بتهمة الاختطاف·
عاشت البنت مع زوجها عند اهله وأمضت ستة أشهر عندهم ثم قررت العودة هي وزوجها ليستقرا هنا ويبحثا عن عمل لكليهما، في المطار أمسكت الشرطة الشاب وأودعته السجن، حاولت الفتاة أن تبرىء زوجها وأكدت بأنها سافرت معه وتزوجته بارادتها وهي بالغة وعاقلة وفي الرابعة والعشرين من عمرها ثم اتصلت بوالدها ليتنازل عن القضية ويخرج زوجها من السجن، اخبرها والدها بأنه لن يتنازل إلا إذا تم الطلاق بينهما، بالطبع فقد رفض الاثنان الفكرة، خصوصاً الشاب فقد أعلن تمسكه بزوجته ولو أدى ذلك إلى بقائه في السجن مدى الحياة· هددت البنت والدها بأنها ستقتل نفسها إن لم يذهب ويتنازل عن القضية، اعتقد الأب بأن ابنته غير جادة في تهديدها، وإن كانت جادة فإنه يفضل موتها على عدم طاعته· نفذت البنت تهديدها وتناولت شراباً وضعت فيه السم وكانت تنوي بذلك التصرف الضغط على والدها لقبول الأمر الواقع ولم تفكر بأن ما فعلته سيقودها فعلاً إلى حافة الموت، فبمجرد سريان مفعول السم في بدنها بدأت تشعر بأن امعاءها تتقطع وان شعورها بالألم أصبح رهيباً ولا يطاق، أحست بأنها قد اخطأت بهذا الفعل الشنيع وطلبت نقلها إلى المستشفى، كانت حالتها خطيرة جداً بعد أن تغلغل السم في جسدها، جاء والداها إلى المستشفى وكانت الأم تبكي بكاء مراً، والأب يصفق يداً بيد وهو يردد: لعنة الله على ذلك الشيطان الذي خرب حياة ابنتي، كنت انتظر تخرجها وأردت أن افرح بزواجها من رجل منا وفينا ولكن ذلك الشيطان الغريب تسلل إلى عقلها وقلبها فحطمها وحطمنا كلنا معه·· صادف وجود رجل تبدو عليه ملامح التدين وهو ينتظر زوجته المريضة فسمع ما قاله الأب وحاول أن يخفف عنه ما يعانيه فسأله عن المشكلة فحكى له الأب المفجوع الحكاية وهو يأسف على ضياع ابنته ووصولها إلى حافة الموت بسبب رجل آسيوي تافه·
كانت لذلك الرجل وجهة نظر أخرى نقلها إلى والد الفتاة فقال له: ألا تعتقد بأنك قد اخطأت بموقفك من ابنتك؟ تعجب الأب من قول الرجل وقال له: كيف تقول ذلك·· ابنتي عصت أوامري وتزوجت بغير رضا ولي أمرها ألم تسمع بقول النبي صلى الله عليه وسلم (أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل)، اجابه الرجل: أنا لا اتحدث عن هذا وانما اتحدث عن موقفك في رفض هذا الشاب الذي تقدم طالباً يد ابنتك وقد تأكدت بنفسك من حسن خلقه ودينه وسافرت إلى بلده وتأكدت من سمعة عائلته ووضعها الاجتماعي فلماذا اصررت على رفضه؟ ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه) ولم يذكر الاصل والقبيلة وما إلى ذلك من الأمور الجاهلية، فصلاحية الزواج تعتمد على الدين أساساً· سكت الأب قليلاً ثم رد قائلاً: أنا افكر بمستقبل البنت، فالزواج الناجح له مقومات أهمها التوافق من حيث الثقافة والعادات والتقاليد والجنسية والاصل· نظر اليه الرجل وسأله قائلاً وهل كنت سترفضه لو كانت جنسيته خليجية مثلاً؟ تردد الأب قليلاً ثم قال: أنت تقصد المستوى الاقتصادي، بالطبع انه عامل هام لنجاح الزواج فعندما سافرنا إلى بلد الشاب وجدنا اهله من عائلة طيبة ومثقفة ولكن حالتهم الاقتصادية لم تكن بالمستوى المطلوب، ياسيدي ان مسؤولية التحري عن أسباب نجاح الزواج هي مسؤولية الاهل فهم يملكون الخبرة الاجتماعية والاسرية لضمان عدم حدوث المشاكل بين الزوجين في المستقبل، فكيف يمكن لرجل آسيوي أن يسعد امرأة عربية جاءت من بيئة مختلفة عن بيئته؟ أنا من مجتمع يحمل خصوصياته ولابد لي من احترام تقاليد مجتمعي الذي جئت منه· قال له الرجل: لاحظ بأن البنت عاشت في مجتمع مختلف متعدد الاجناس والجنسيات ولم تحس بتلك الفروق التي تتحدث عنها، لذلك فقد كان اختيارها مبنياً على معطيات المجتمع الذي عاشت فيه·
بعد مناقشات طويلة وعريضة بينهما استطاع الرجل اقناع الأب بالتنازل عن القضية واخراج زوج ابنته من السجن ليكون إلى جانب زوجته في وضعها الحرج· جاء الشاب إلى المستشفى ووجد زوجته تصارع الموت فأخذ يبكي ويتوسل اليها أن لا ترحل وتتركه وحيداً، كان المشهد مؤثراً جداً تقطعت له القلوب· أخيراً شفيت البنت وحصلت على مباركة والديها على زواجها وعاشت مع الرجل الذي احبته واختارته بغض النظر عما يقوله الآخرون·

اقرأ أيضا