أرشيف دنيا

الاتحاد

المخطوطات كنوز على وشك الضياع


المخطوطات هي كل ما كُتِبَ بالمداد على الورق سواء أكان الورق مصنوعاً من قراطيس البردي أم من الرقوق، أم من الكاغد، أو من الأكتاف وسواءً كان المخطوط على شكل لفائف أم مجموعة كراريس أم أوراق محفوظة بين دفتين· والمخطوطات العربية هي موروثنا الحضاري الكبير الذي يكتشف ما كانت عليه الأمة من تفدم وازدهار في مختلف حقول المعرفة إذ هي الوعاء الحضاري الذي حفظ نتاجات العقل العربي في مختلف الفترات الزمنية، كما أنها تعكس مدى إسهامات الحضارة العربية في الخلق وإبداع في أغناء الحضارة الإنسانية بأسباب التقدم والرُّقي·
ونظراً لأهمية المخطوطات في الذاكرة العربية خصصت مجلة تراث الشهرية الصادرة عن نادي تراث الإمارات في أبو ظبي عددها' '78 لشهر مايو الجاري لتعقده بصفحات أكبر من الاعتيادي عن المخطوطات: كنوز على وشك الضياع، كيف نحمي الموجود، ونستعيد المفقود· حيث أفتتح العدد بأول القرطاس لرئيس التحرير عادل محمد الراشد الذي كتب قائلاً: 'لقد قصدنا بهذا العدد من' تراث' أن يكون صرخة تكمل أو تكون صدى يتردد لما سبقها من صرخات تنادي بإدراك المخطوطات··· نستعيد ما ضاع، ونحمي ما بقي منها، على الرغم من 'البكائية' التي أطلقها أحد علمائنا المهتمين بأمر المخطوطات··· والذي قال: 'إنّه يفضل سرقة مخطوطاتنا وأن تذهب لمكتبات الغرب·· خير من أن نتركها عندنا عُرضة للأُرَضَة والفئران'· فأي مرارة أكثر من هذا؟!·· ويضيف الأستاذ عادل الراشد في الافتتاحية: 'وكما طالبنا من قبل في مجال التاريخ أن يكتب تاريخ المنطقة أو تراثها واحد من أبنائها·· لأن أهل مكة أدرى بشعابها، فإننا نطالب أن يهتم بمخطوطاتنا العربية الإسلامية أحد ورثتها الشرعيين·· ويختتم الراشد قائلا: 'ونجدها فرصة في هذا العدد لأن نُهيب بالجهات المهتمة أن توحد كلمتها وتعمل على تنفيذ تلك التوصيات··· لكنّ المهم: من يبدأ؟···'··
وقد ساهم في العدد مجموعة من المتخصصين والباحثين بمساهمات وافرة عن عالم المخطوطات، حيث كتب عضو هيئة تحرير المجلة محمد رجب السامرائي ملفات عديدة ضمن هذا العدد تمثلت في: مخطوطات ووثائق مركز زايد للتاريخ والتراث بالعين التابع لنادي تراث الإمارات، حيث يعد هذا المركز واحدا من الصروح الثقافية والعلمية في الدولة وفي منطقة الخليج·· وفي هذا التحقيق يورد السامرائي لقاءا مع مدير المركز الأستاذ حسن محمد النابودة الذي يتحدث عن الموارد العلمية للمركز وعن المكتبة والمخطوطات وأرشيف الوثائق والمكتبةالسمعية وقاعات العرض الدائمة وقاعد البيانات الخاصة بالمركز· ثم يعرج السامرائي على قسم المخطوطات ومصوراتها في المجمع الثقافي في أبو ظبي، والذي أخذ شكله الرسمي كما يقول التحقيق في العام 1988م، وهو يعنى بكل ما يتعلق بالثروة التراثية المخطوطة ومصوراتها·· ولشرح كل ذلك يورد التحقيق حوارا مع الباحث الأول في القسم بسام بارود·· وإلى جانب ذلك يركز التحقيق على آلاف المخطوطات النادرة في مركز جمعة الماجد بدبي، وجمعة الماجد وجهوده مشرفة من اجل المخطوطات· وكتب عن إدارة المخطوطات بالكويت، وإنشاء مستشفى لترميم المخطوطات الكويتية، ثم الحديث عن مراكز المخطوطات في السعودية، وتدوين تاريخ البحرين من خلال المخطوطات، وفي قطر: دار الكتب نافذة على المخطوطات، واهتمام كبير للحفاظ على المخطوطات العُمانية·
كذلك كتب السامرائي في عدد تراث 78 عن ذاكرة منهوبة ورماد يختنق بأسراره في العراق، و40 ألف مخطوطة نُهبت من العراق·· وفي هذا الجزء يورد الباحث جزءا من حقيقة ما حدث للآثار والمخطوطات التي كانت محفوظة في المتاحف وفر مراكز البحوث العراقية إبان الحرب على العراق·· ثم يتحدث عن المخطوطات اليمنية التي تعتبر بحق كنوزا لا تقدر بثمن·· وفي هذا الجزء يورد الباحث الدور الذي قام به عدد من الباحثين الأجانب أمثال المستشرق الألماني 'آريون' الذي عمل ثلاث سنوات خبيرا متطوعا في هيئة اليثار والمخطةطات اليمنية، فعدد وجمع حوالي مليون مخطوطة كانت متناثرة في المكتبات والمراكز والمساجد أو في حوزة بعض الأفراد داخل وخارج اليمن·· ويورد التحقيق مساحة للمصاحف النادرة التي عثر عليها في اليمن ومن أهمها مصاحف تعود إلى القرن الثالث الهجري أهمها مصحف بخط الإمام علي رضي الله تعالى عنه· وبالإضافة إلى المخطوطات اليمنية يورد السامرائي تحقيقا عن دار الكتب والوثائق المصرية، وتحقيقا عن مكتبة المخطوطات في مصر التي تحتوي على 12 ألف مخطوط من شتى أنحاء العالم، ومعهد المخطوطات العربية بالقاهرة، ومخطوطات في الربط والزوايا بالمغرب، وفي تونس: مخطوطات في المكتبة الشعبية قرب الزيتونة، وجمع المخطوطات بعد الاستقلال في الجزائر، و6 ملايين مخطوطة في متاحف الغرب، والقرآن الكريم أوّل مخطوط في الإسلام، ثم الحديث عن أربعة أعلام من المحققين العرب وهم كل من: الشيخ عبدالسلام محمد هارون، ومحمود شاكر والدكتور إبراهيم السامرائي، والدكتور إحسان عباس، والمنهج العلمي والقواعد الثابتة في تحقيق المخطوطات وهو لقاء مع الدكتور فاروق عبدالمجيد السامرائي، والواقع والطموح عند مُحققي التراث وهم الدكتور عمار أمين الددو والدكتور هادي أحمد فرحان من مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، وفيصل الراجحي رئيس قسم المخطوطات في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في السعودية، والدكتور حاتم الضامن' جامعة بغداد' يحقق مخطوطات نُسبت إلى غير أصحابها، وأخيراً أجرى السامرائي حواراً مع الدكتور يحيى وهيب الجبوري بعنوان: ذكريات لا تُنسى في ليالي البحث عن المخطوطات·
ومن بين المخطوطات النادرة التي يورده هذا العدد من مجلة تراث، مخطوطة تاريخية قديمة عبارة عن 'رسالة في الطب للعلامة محمد بن عمر بحرق' المولود في سيئون بحضرموت وأجمع المؤرخون على أنه من كبار العلماء الراسخين والأئمة المتبحرين، وله نفاث شعرية أقرب إلأى الأصالة وله في النثر الكثير· وفي موضوع آخر يعرج العدد على موضوع تاريخي آخر هو المخطوطات العربية والإسلامية في الغرب، حيث يشير تحقيق إلى وجود 6 ملايين مخطوطة عربية في متاحف ومكتبات في الغرب·· وفيه لقاء مع الدكتور أحمد الطراونة رئيس مكتب اللجنة الدائمة للثقافة العربية الذي يؤكد وجود ستة ملايين مخطوطة عربية في مطتبات وخزائن الغرب أهمها مكتبة الأسكوريال بأسبانيا ومطتبة لايدن بهولندا ومكتبة المتحف البريطاني ومكتبة سانت بترسبورج في روسيا ومكتبة الكونجرس في واشنطن ومكتبة الفاتيكان والمكتبة الوطنية في باريس ومكتبة البودليان بالولايات المتحدة الأميركية·
واشتمل عدد تراث الخاص عن المخطوطات على طائفة من المقالات لعدد من الكتّاب والباحثين وهم: الدكتور فالح حنظل الذي كتب عن مخطوطات مصرية ومغربية في ليوا بأبوظبي، بينما تحدث الدكتور محمد قجة عن المخطوطات العربية في سوريا، ثم الحديث عن المخطوطات اليمنية كنوز لا تقدر بثمن لمحمد السيد·
أما قراءة في مخطوطة رسالة في الطب للدكتور أحمد صالح رابضة، ومكتبة المخطوطات لعلي فراج، في حين قدّم محمد عبدالرحمن لافال عن المخطوطات الموريتانية تراث على حافة الخطر، وأشار عبدالعال الباقوري لكتابات عن المخطوطات من البردي والورق إلى العلم، وجاءت دراسة الكاتب باسم عبود الياسري بعنوان: جهود المستشرقين في تحقيق التراث'، وأخيراً كتب الدكتور خالد الحربي عن فهرسة المخطوطات عمل أستشراقي يتغنى بالبطل حتى لا نصل إلى البطولة·
هذا وقد ازدان عدد تراث الأخير عن المخطوطات بصور ولوحات جميلة من كنوز المخطوطات العربية، وخرج بحُلة قشيبة على يد مأمون السعيد مخرج المجلة الذي وثق بهذا العدد الكبير لكنوز التراث العربي الخالد عبر العصور من المخطوطات المتوفرة في الخزانات والمكتبات العربية·

اقرأ أيضا