أرشيف دنيا

الاتحاد

الاكتئاب مرض الرجال الصامت


إعداد- مريم أحمد:
هل تشعر أحيانًا بأنك سريع الغضب أو الإنفعال، أو أنك منعزل عن الآخرين، ومُنسحب من الحياة الاجتماعية؟ هل تُجهد نفسك كثيرا في العمل، أم أنك تعمل على نحو متواصل؟ إذا كانت إجابتك بالإيجاب على هذه الأسئلة، فلا شك في أنك مُطارَدُ من قِبَل ما سمّاه وِنسْتون تشرتشل مرةً باسم 'الكلب الأسود'، وهو يعني به حالة الاكتئاب الذي يصيب المرء بالوهن والضعف مع مرور الوقت·
تشرتشل من جهته حاول التخلص من كلبه الأسود، أي من اكتئابه، بالعمل الإضافي الشّاق، والإلزامي· لكن ماذا عنك؟
ما هي استراتيجية تأقلمك مع وضع الاكتئاب؟
هل هي الاستراتيجية المتمثلة في قيادة سيارتك بطَيْش وتهوّر، أو في الانعزال عن العالم؟
لا شيء مما سبق ذكره يمكنه إبعاد الاكتئاب عنك، فالاكتئاب ليس سوى حالة مرَضِيّة طبية تملأ عقلك بالأفكار السوداء، وتعمل على التقليل من شأن وقيمة حياتك الشخصية والمهنية على حدٍّ سواء· ليس هذا فحسب، بل يُعَرّضك أحيانا لخطر الإصابة بعدد من الأمراض الأخرى الخطيرة، ولعل أخطر النتائج المترتبة على هذه الحالة هي محاولة الإقدام على الإنتحار والعياذُ بالله·
اكتئاب الرجال غير واضح
تشير الإحصائيات إلى إصابة ما يقارب الستة ملايين أميركي، وحوالي 12 مليون أميركية بالاكتئاب· ورغم هذا العدد المرتفع فإن تلك الأرقام لا تحكي الواقع الخفي، وذلك لأن الرجال لا يميلون عادةً إلى استشارة الطبيب المختص· وبناءً على ذلك، ليس بالإمكان تشخيص الإكتئاب في الرجال، وبالتالي تحديد النسبة الصحيحة من المُصابين به· ومن المعلوم أن معظم الرجال، إن لم يكن جميعهم، قد تربّوا على تقديس وتقدير الاستقلالية والتحكم بالذات· كما ترَبّوا على أن التعبير عن الألم، الضعف، العجز، اليأس، أو الحزن يُعَدّ من الأمور البعيدة بُعْدًا تاما عن مفهوم الرجولة· وعلى هذا الأساس يَرَوْنَ أن المرض، وخاصة العاطفي أو النفسي منه، يُمَثّل تهديدًا لرجولتهم· ومن هذا المُنطَلَق، ينكر الرجل، أو يحاول إخفاء مشاكله حتى يواجه إصرارا من قِبَل شريكة حياته لمعرفة ما يجري معه· أو قد يقع حدث متعلق بمصيره وحياته، كفقدانه لعمله، وهذا من شأنه أن يُجبِر الرجل على طلب المساعدة الطبية المتخصصة· وعندما يلجأ الرجل المُكتئب أخيرا للطبيب، تجده يركز على الأعراض الجسدية التي يُعاني منها، كالصداع والمشاكل الهضمية· ويتجاهل معاناته العاطفية أو النفسية، لذا قد لا يتمكن الطبيب من الربط بين تلك الأعراض، وحالة الاكتئاب· حتى وإن تمكّن الطبيب من تشخيص المرض، وفي هذه الحالة هو الإكتئاب، قد يُعارِض الرجل المكتئب تلقي العلاج الطبي العقلي· وقد يكون السبب من وراء ذلك هو الخوف من أن تسمية 'المرض العقلي' قد تؤثر سلبا على مستقبله المهني، وربما يُكلّفه احترام عائلته وأصدقائه·
علامات اكتئاب الرجل
من الجدير بالذكر أن معظم الرجال قد تربّوا على الاهتمام والتركيز على حصد الإنجازات وتحقيق النجاح· لذا، يشعرون بأنهم واقعون تحت ضغط مستمر ومتواصل بسبب رغبتهم في تأدية واجباتهم على أتمّ وجه· لكن في حال صادفتهم معوقات من المنزل، أو في العمل، فمن المحتمل أن يحتفظوا بحزنهم ومشاعرهم لأنفسهم· على عكس النساء، بمن فيهن اللاتي يحرصن على حصد الإنجازات والنجاح، لأنهن لا يَجِدْنَ صعوبةً في طلب المساعدة· وقد يكون هذا هو السبب وراء الاعتقاد الشائع بأن الإكتئاب هو ' مرض النساء '، بمعنى أنه لا يصيب إلا النساء·
أعراض الإكتئاب
هناك أعراض مشتركة بين الرجل والمرأة في حالة الإصابة بالاكتئاب منها: الشعور بالإحباط واليأس، وعدم القدرة على النوم بشكل جيد، والشعور بالذنب، والحزن· لكن الرجل المُكتئب يتجنب بشكل أفضل نوبات البكاء على عكس المرأة التي تجهش في البكاء الشديد بلا سبب يُذكر حين تُصابُ بالإكتئاب، في حين أن الرجل يمر بمعدل أقل من نوبات البكاء مقارنةً بالمرأة سريعة التأثر· ويُذكر أن الرجل المُكتئب عادةً ما:
- يغضب، وينفعل بسرعة، ويُصاب بالإحباط·
- يتصرف بعنف·
- يخاطِر ويجازف، كأن يقود سيارته بطيش وتهوّر·
- يتجنب عائلته، وأصدقائه، كما يتجنب أي نشاط اجتماعي بهيج·
- يعاني من الإرهاق والتعب المتكرر، والمتواصل·
- يفقد حماسه، ونشاطه في العمل، وبكل ما له صلة بممارسة هواياته المُفضّلة·
وقد عرّف باحثون من السويد 'متلازمة الإكتئاب الرجولي' بأنه ذاك النوع الذي يشمل قابلية الوقوع تحت الضغوط وحالات التوتر، وسرعة التأثر بنوبات الغضب المُفاجئة· بالإضافة إلى الانعزال الاجتماعي، والشعور بالملل والفراغ القاتل من الداخل·
أمراض تصاحب الاكتئاب
لوحظ وجود صلة وثيقة بين الاكتئاب وعدد من الأمراض التي تُشكّل تهديدا للحياة، كأمراض القلب، السكتات الدماغية، السرطان، الإيدز، داء السكري، ومرض باركنسون· كما تم الربط بين الاكتئاب وحالات التوتر النفسي الناجمة عن الصدمات العاطفية، كوفاة قريب أو صديق عزيز، التعرض لحادثة قوية، أو مواجهة كوارث طبيعية·
ضغوط العمل·· مُسَبّب شائع
لاشك في أننا جميعاً مُعَرّضون للإصابة بالإكتئاب، وذلك في ظل اختبار وتجربة عوامل الحياة، وحوادثها كنهاية علاقة عزيزة، موت صديق أو قريب، أو مواجهة مشاكل مالية· وبالرغم من ذلك، يُذكَر أن الرجل أكثر عُرضَةً من المرأة للإصابة بالإكتئاب الناجم عن ضغوط العمل، وذلك لأسباب مثل:
- عدم السيطرة على القرارات الشخصية المؤثرة على المسؤوليات الواقعة على الشخص·
- المتطلبات القاسية، والصارمة، وغير المنطقية من قِبَل إدارة العمل بهدف ضمان أداء مثالي·
- الافتقار إلى أساليب الاتصال الفعّالة، ومهارات حل المشاكل والنزاعات الشخصية مع زملاء العمل·
- المُناوبات الليلية، أو العمل الإضافي، أو كلاهما معًا·
- الوقت الطويل الذي يقضيه الرجل بعيدا عن منزله، وأفراد أسرته·
الجدير بالذكر أيضا أن الرجل يشعر بالتهديد وعدم الاستقرار النفسي، أكثر من المرأة، في حال حدوث تغيير اجتماعي طارئ، أو تغيير سياسي، أو حتى اقتصادي· وعندما يؤثر مثل هذا التغيير على دور الرجل في منزله وعمله، نجِدُهُ يواجه خسارةً صعبة لهويّته، وكرامته· وهذا بدوره يجعله عُرْضَة للإصابة بالإكتئاب، أو بأي مرض عقلي من نوع آخر· وذُكر أن كُلاًّ من الأمراض العقلية، التوتر والضغط النفسي قد وجد طريقه إلى الأوروبيين من الرجال بعد أن حلّ النظام الرأسمالي محل النظام الشيوعي بين ليلة وضحاها في دول أوروبا الشرقية والوُسطى· والنتيجة كانت نقص متوسط العمر للرجال بمعدل ثلاثة عشر عاما، في حين لم يتأثر متوسط عمر النساء الأوروبيات بذاك التغيير الاقتصادي· علاوة على ذلك، فقد تمت الإشارة كذلك إلى ارتفاع معدل الانتحار بين الرجال في أميركا خلال ' فترة الاكتئاب العُظمى '· وقد كان ذلك في الثلاثينيات من القرن الماضي، بسبب البطالة، حيث كان عدد كبير من الأميركان عاطلا عن العمل·
النتائج المترتبة على إهمال العلاج
قد يكون للإكتئاب تأثير عميق وقوي على جميع نواحي الحياة، فقد يؤثر مباشرةً على الصحة، وذلك من خلال ' تنشيط عملية الاستجابة للتوتر ' لدى الشخص المُكتئب· وهو أمر من شأنه أن يؤدي إلى إتلاف العديد من الأعضاء في الجسم، بما في ذلك القلب· ليس هذا فحسب، بل قد يتحوّل الاكتئاب إلى تجربة مُقَصّرة للحياة· ناهيك عن تأثيره المدمّر للعلاقة الزوجية، الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى الانفصال والطلاق· وتذكر دائما أن إكتئابك سيُعرّض أبناءك أيضا لتجربة نفس الحالة· أما فيما يخص العمل، فيذكر أن الاكتئاب يقلل من معدل الإنتاجية والإبداع في العمل·
استراتيجية مساعدة الذات
لاشك في أنه بتلَقّي العلاج المناسب، فإنك ستلاحظ تحسّنًا ملحوظا في شهيتك للطعام· كما ستلاحظ ازدياد ساعات نومك، وتحسنا آخر في المزاج· لكن في الوقت نفسه، تجد أن مشاعر الإحباط، واليأس، أو العجز تتلاشى تدريجيا، وذلك لأنك ستُدرك أن لها علاقة أقوى من الإكتئاب بظروف حياتك الفعلية· وما يلي بعض الإرشادات التي ستساعدك على التعجيل في عملية الشفاء الكلّي من حالة الإكتئاب:
- حَدّد لنفسك أهدافا واقعية، وافترض قدرًا من تحمّل المسؤولية·
- قُم بتقسيم واجباتك إلى مهام صغيرة، وحدّد أولوياتك· وقم بما تستطيع بقدر إمكانياتك·
- إبدأ بقضاء الوقت مع أشخاص يمكنك الوثوق بهم، وائتمانهم على أسرارك·
- شارِك في الأنشطة المُسَلّية، كممارسة تمارين رياضية معتدلة، أو مشاهدة فيلم، أو يمكنك المشاركة في حدث اجتماعي·
- اطلب المساعدة من الأصدقاء، وأفراد الأسرة·
- تجنّب اتخاذ قرارات مصيرية- كتغيير وظيفة، أو التفكير في الزواج، أو الطلاق· وحاول تأجيل كل ذلك إلى ما بعد الشفاء التام من حالة الاكتئاب·
- وتذكّر أن الأفكار الإيجابية تمحو السلبية منها·
* أما النصيحة الموجهة لكلا الجنسين، فهي الاهتمام بتمارين الإيروبيك كَوْنَها تُحسّن المزاج، وترفع من المعنويات وذلك عن طريق مساعدتها للجسم على زيادة إفراز المواد الكيميائية المُنَشّطة والمُعَدّلة للمزاج· ليس هذا فحسب، بل تعمل تمارين الإيروبيك على تعزيز احترام الشخص لذاته· والسبب في هذا يعود إلى أنها تساعد كثيرا على فقدان الوزن الزائد· أما رياضة اليوغا، التي تتطلب حركات تمديد إيقاعية، وتحكّمًا جيدا في عملية التنفس، فيُذكَر أنها من الرياضات التي تساعد على التقليل من أعراض الاكتئاب، وذلك من خلال التخفيف من حدة التوتر والغضب·
الجدير بالذكر أن الأبحاث العلمية لا تزال جارية للتوصل إلى الاختلافات الجينية المهمة، والتي تفسر الكيفية التي يؤثر بها الإكتئاب على كل من الرجل والمرأة· لكن الأهم من هذا هو معرفة أنه لا يتوجب عليكَ أن تُعاني بصمت، وبمفردك· وفي حال كنت شجاعا للاعتراف بأنك مُصاب بالإكتئاب، فتأكد في أنك ستلقى الدعم والتشجيع والمساندة من قِبَل أصدقائك وأفراد عائلتك· وتذكّر أيضا أن العلاج المُناسب من شأنه أن يُساعدك على اكتساب وُجهة النظر الصحيحة للاستمتاع بالحياة، ومواجهة تحدياته المحتومة التي يتعذر علينا تجنبها وتفاديها·

اقرأ أيضا