الاتحاد

دنيا

قبة الصخرة فضاءات روحية


إعداد- حميد قاسم:
كانت القدس- ومازالت- مرآة المسلمين التي تعكس توجهاتهم الروحية والأدبية عبر التاريخ· لهذا قرر الخليفة عبد الملك بن مروان أن يقيم بناء متميزاً فوق الصخرة المشرفة ليكون أول صرح معماري يقيمه المسلمون في مدينة القدس، وتشير بعض المصادر إلى أن الخليفة قد استعان بأهل الخبرة في مجال البناء، وكلف كلاً من رجاء بن حياة الكندي من مدينة القدس ويزيد بن سلام من بيسان للقيام بهذه المهمة من حيث الإشراف على تنفيذ المخطط الهندسي واعتماد طبيعة الفنون الداخلية، كما أمر الخليفة أن يرصد خراج مصر طيلة سبع سنوات لاعتماده في حساب المشروع، ولا شك أن الخليفة قد أمر بأن تكون الرعاية الأولى للصخرة المشرفة الواقعة في وسط الحرم الشريف باعتبارها الأكثر قدسية لعلاقتها بصخرة الإسراء والمعراج، فهي صخرة تبرز عن سطح الأرض حوالي متر ونصف المتر، بينما تمتد حوالي 18 متراً طولاً، وتمتد 13 متراً عرضاً، ولهذا كان الهدف الأول هو احتواؤها بشكل هندسي رفيع·
ومن خلال دراسة مخطط البناء، يتضح أن البناء يمثل صرحاً تذكارياً، يحتوي في وسطه الصخرة المشرفة، وقد تم تنفيذ المشروع على أربع مراحل هندسية هي: المرحلة الأولى: رسم دائرة قطرها 20,44 م حول جسم الصخرة البارز فوق سطح الأرض، وتم وضع أربع دعائم على شكل مربع على محيط الدائرة، كما تم وضع ثلاثة أعمدة بين كل دعامة وأخرى، وهكذا يصبح مجموع الأعمدة اثني عشر عموداً وأربع دعائم موزعة بانتظام على محيط الدائرة التي تحيط بالصخرة المشرفة، وتم وصل هذه الأعمدة مع الدعائم بواسطة الأقواس على ارتفاعات واحدة، وبنيت فوق الأقواس حلقة دائرية عريضة تسمى بالعنق أو الإطار ليكون المحيط الذي ترتكز عليه قبتان من الخشب، إحداهما قبة صغيرة داخلية تطل عى الصخرة مباشرة، والأخرى فوق القبة الصغيرة وتطل على ساحة الحرم الشريف، وقد تم فتح 16 نافذة في الإطار الذي يحمل القبة من أجل دخول النور والهواء، وقد ارتفعت القواعد إلى الأعلى حتى تقوم بحمل القبتين· المرحلة الثانية: و تمثل مجموعة من الدعائم على شكل ثماني يحيط بالقبة المركزية، وقد تم توزيع الدعائم الثماني على زوايا المثمن، كما تم إقامة عمودين بين كل دعامتين، وبهذا يكون مجموع الأعمدة 16عموداً تم وصلها مع الدعائم بواسطة الأقواس، وقد تم عمل هذه المرحلة الإنشائية لحمل السقف الذي يغطي المسافة بين القبة وبين الجدار الخارجي الذي يمثل المرحلة الثالثة من المخطط الهندسي· المرحلة الثالثة: و تتكون من ثمانية جدران حجرية، تم تنظيمها على شكل ثماني خارجي يحيط بالمراحل السابقة، ويبلغ طول ضلع الثماني هذا 20,60م وتبلغ سماكة الجدار 1,30م بينما يبلغ ارتفاعه 9,5م وقد تم فتح أربع بوابات رئيسية ومحورية في أربعة جدران متقابلة تواجه الجهات الأربع، بينما تم فتح خمس نوافذ في كل جدار من الجدران الثمانية، وبهذا يكون مجموع النوافذ أربعين نافذة بالإضافة إلى الأبواب الرئيسية الأربعة· المرحلة الرابعة: وكانت المرحلة الختامية في مجال الإنشاء المعماري، وهي إقامة السقف الخشبي فوق المساحة الواصلة بين الجدران الخارجية حتى عنق القبة المركزية بحيث يستند على الأعمدة المتوسطة التي تتكون منها المرحلة الثانية، ويتكون السقف من الجسور الضخمة والعوارض الخشبية المسطحة، وبهذا تم تحديد المخطط الأرضي ومجسم البناء المعماري بحيث كانت وظيفة الدعائم والأعمدة والجدران لتحديد أبعاد المخطط وشكله الهندسي، بينما تم اعتماد بناء القبة والأقواس والجدران لتقوم بوظيفة حمل السقف الذي يغطي كافة المساحات حول الصخرة المشرفة بشكل دقيق ومحكم، ولعل هذا الأسلوب يذكر بإقامة خيمة أو صيوان بأسلوب هندسي رفيع، لقد تحدد في بناء قبة الصخرة ضبط كافة الأقسام والوحدات والعناصر المعمارية بشكل دقيق جداً، وظهرت جميع النسب الهندسية متماثلة ودقيقة تدل على مهارة هندسية متناهية وذوق هندسي رفيع·
جذور عربية
إن الأسلوب الهندسي لمخطط بناء قبة الصخرة يرتبط بأصول هندسية عربية الجذور منذ الفترة السابقة للإسلام، ولعل المباني الثمانية الشكل التي ظهرت خلال القرنين الرابع والسادس الميلادي تؤكد أن بلاد الشام بصورة عامة، وإقليم فلسطين بصورة خاصة قد مارست هذا الأسلوب، وخاصة في المباني ذات الأهمية البالغة، فهي تؤكد الجذور العربية لهذا المخطط الثماني· ومن خلال الدراسات والمخططات ندرك ماهية الدور الحقيقي للجهود العربية التي انتشرت في بلاد الشام والتي أطلق عليها الغربيون اسم العمارة البيزنطية في سورية و فلسطين متجاهلين ارتباطها الوثيق بالبناء العربي الذي ازدهر خلال الفترة البيزنطية منذ فترة حكم الامبراطور قسطنطين سنة 324م حتى فترة حكم الخليفة عبد الملك بن مروان سنة 691 عندما قرر هذا الخليفة تعريب الدولة وإعادة الاعتبارات والأصول العربية الأصلية، ومن خلال هذا يبدو لنا أن الشكل الثماني في بناء قبة الصخرة يمت لأسلوب معماري مناسب ينسجم مع طبيعة المكان الذي أقيم الصرح فوقه· إن العلاقة الهندسية للمباني الدينية التي ظهرت قبل الإسلام لم تكن من حيث التصميم الهندسي أو العناصر المعمارية مطابقة لما هو في مخطط قبة الصخرة، وإنما من حيث تحديد الفكرة وتنفيذها هندسياً كما هو الحال في بناء قبة الصخرة،حتى أن معظم تلك المباني لم تبق على حالها، فقد طرأ عليها كثير من التعديلات، ولعل أبناء بلاد الشلام قد أسهموا في رفد العمارة البيزنطية بأسالبيه المعمارية التي استمر التداول فيها في الوسط العربي منذ القرن الرابع الميلادي 324م وحتى القرن السادس الميلادي·
معمار متين
يعد المبنى، من المباني المعمارية النادرة التي حافظت على شكلها الأصلي طيلة قرون عديدة منـذ إنشائها في نهاية القرن السابع الميلادي وحتى الوقـت الحاضر ، وهو أمر نادر الحدوث بين المباني الأثرية المعمارية الأخرى في العالم · تم تشيـيد مبنى قبة الصخرة في وسط منطقة الحرم الشريف الواسعة بالقدس · التي هي عبارة عن مرتفع أرضي ذات شكل هندسي يقترب إلى المستطيل ، تحيط بها الأسوار · ويشتمل على منشآت وأروقة وحدائق وساحات · وتقدر أطـوال أضلاع منطقة الحرم الشريف بـ : 462 متراً طول الضلع الشرقي ، وطول الضلع الغربي 492 متراً ؛ أما أطوال الضلعين الشمالي والجنوبي فهمـا 310 أمتار و 281 متراً على التوالي · في حين تبلغ المساحة الإجمالية لمنطقة الحرم كلها 34 فداناً · وبالاضافة إلى تشييد قبة الصخرة في منطقة الحرم ، فقد تم بناء منشآت عديدة ذات وظائف مختلفة يرجع تاريخها الى عهود اسلامية مختلفة : كالمسجد الأقصى ، ذي الشهرة المعمارية الواسعة ، ويقع في أقصى الجهة الجنوبية من الحرم ، الذي جدد بناؤه في العهد الأموي · وثمة مبنيان مجاوران لقبة الصخرة يعود تاريخ بنائهما إلى الفترة الأموية أيضاً ، وهما قبتا المعراج والسلسلة ؛ فضـلاً عن وجود منشآت اسلامية عديدة مثل المدارس والأسبلة والقباب والزوايا مبثوثة في فضاء الحرم القدسي الشريف يعود تاريخها إلى حقب إسلامية مختلفة، وللقدس مكانة خاصة عند المسلمين فهي أولى القبلتين، كما إن مسجدها يعتبر ثالث الحرمين في الإسلام ، وتعد الصخرة المقدسة التي تم حولها انشاء القبـة ، والتي سميت باسمها ' قبة الصخرة ' المكان الذي أسري اليها الرسول عليه الصلاة والسلام، وتمثل عمارة قبة الصخرة نوعاً من الفعالية التصميمية ذات القيم الجمالية الخاصة المتفردة التي لم نر نماذج كثيرة لها في تطبيقات النشاط المعماري ، ضمن محدودية الفترة التي تتكلم عنها ؛ وهي فترة العهد الأموي ؛ وإن ستلعب نوعية الهيئة العامة لمنبى ' قبـة الصخرة ' وصيغة تشكيلاتها الكتلوية دوراً مؤثراً وعميقاً في مجمل الممارسة التصميمية لفترات زمنية لاحقة·
توق مثابر
أن الأمر المهم الذي ينبغي استخلاصه من عمارة ' قبة الصخرة ' هو إدراك ذلك التـوق المثابر الذي يسعى دائماً إلى إثراء وتنويع الطرح التصميمي بمفاهيم ورؤى جديدتين ، وهذه الرؤى قد لا تعمل باتساق مع منهجية الاستيلاد التشكيلي ، تلك المنهجية التي تعمل مراراً بفاعلية في استنباط الصياغات التكوينية لمبانٍ مساجد متعددة في مدن وأماكن مختلفة · بمعنى آخر أن المفاهيم الجديدة ونزعتها تتيـحان المجال واسعاً أمام الطرح التصميمي الجديد لأن يتقاطع مساره مع مسار الاعتماد الكلي في الحصول على تنويعات مختلفة أساسها وحدة الصيغة ' الثيموية ' الأمر الذي يجعل منه ( أي من الطرح التصميمي ) محتفظاً دائماً بتميز اللغة المعمارية ، ونظارة أشكالها · لقد حرص بناة قبة الصخرة على تكريس وتأكيد تفرد الشكل المعماري وعدم انمذجته أو تكراره انطلاقاً من تفرد أسباب الحدث البنائي وحيثياته ، وبعبارة آخرى فان حدث الصخرة الكريمة الفريد وحالتها المكانية كانت تستدعي اللجوء لاستثنائية الحل التصميمي · يفرض مبنى ' قبة الصخرة ' حضوراً واضحاً وقوياً في المشهد المعماري لمدينة القدس · وهذا الحضور الواضح والمؤثر يتناهى ( يدرك ) من خلال قرارات تصميمية تعمل على تأكيد هذا الحضور وتبيان أهميته · فتؤدي هندسية الكتل المعمارية وانتظامها الزائد دوراً كبيراً في إكساب المبنى وجوداً فيزيائياً بليغاً ضمن عشوائية تراتيبية عناصر النسيج المديني المجاور واختلاطية وتشوش اشكاله البنائية · ويزداد الوجود الفيزياوي للمبنى حضوراً جراء ' تفريغ ' الموقع المجاور ' وتنظيفه إنشائياً ، بغية تفعيل مزايا الخاصية التكوينية الناجمة عن تقابل امتداد أفقية البيئة المحيطة وتضادها مع عمودية كتلة المبنى الذي ظل ارتفاعها العالي نسبياً ( نحو 40 متراً ) سائداً ومسيطراً ومهيمناً على خط سماء المدينة لقرون ، منذ إنشاء ' الصخرة ' ولحين الوقت الحاضر ·

اقرأ أيضا