الاتحاد

تقارير

أدوية أوباما الاقتصادية: تأثير تدريجي

ستيفن راتنر
مستشار سابق لوزير الخزينة الأميركي


الوظائف... ثم الوظائف... ثم الوظائف. لقد أخذ أوباما يتعافى من هزيمة الانتخابات النصفية، وهو أكثر تصميماً على إقناع الشعب الأميركي بأنه يسيطر على مشكلة البطالة. وهكذا، لم ترد "الوظائف" في خطابه حول "حالة الاتحاد" 31 مرة فحسب (مرتين أكثر من خطاب العام الماضي)، بل إن البيت الأبيض لم يترك شيئاً للصدفة في رسائله ومناوراته التي سبقت الخطاب. ولنأخذ هنا على سبيل المثال تقريراً صدر حديثاً في مجلة "نيويورك تايمز" ليوم الأحد حول انتقاد الرئيس لمستشاريه الاقتصاديين (الذين رحل معظمهم) لافتقارهم لمقترحات خاصة حول التصدي للبطالة.
رجاء، سيدي الرئيس، لا تلقِ اللوم على الاقتصاديين الذين كانوا مستشارين لديك؛ واحرص، بينما تنطلق حملة إعادة انتخابك، على عدم إطلاق مبادرات عقلانية سياسياً أكثر مما هي اقتصادياً لخلق الوظائف. وهذه الأخيرة عملية بطيئة ومحبطة عقب ركود صعب وعنيد، وبخاصة هذه المرة عندما فاقمت أزمة مالية من حدة الانكماش. فمن الصعب إطلاق تلك العملية، تماماً مثلما أن استرجاع المريض لعافيته يستغرق وقتاً بعد عملية جراحية.
غير أنه وسط هذا القلق الوطني، علينا ألا نتجاهل بعض المؤشرات التي تبعث على الأمل والتفاؤل. فأخيراً، بدأ اتجاه المؤشرات الاقتصادية في التصاعد بثبات؛ وباتت معظم المؤشرات -الناتج المحلي الإجمالي، ومبيعات التجزئة، وثقة المستهلكين- تكشف اقتصاداً أخذ يحشد الزخم والقوة.
صحيح أن الوظائف تأخرت؛ ذلك أنه عندما أتت الأزمة المالية والركود المرافق لها، لجأت الشركات إلى ملاجئها، فقلصت النفقات والعمال نظراً لتراجع وتقلص من يشترون منتجاتها. ثم عندما عادت المبيعات، بدأت الشركات تعيد العمال على نحو حذر، وفي أحيان كثيرة أخذت تعتمد على العاملين بدوام جزئي وتمديد ساعات العمل.
وهذا أمر يمكن تفهمه؛ إذ ما الذي سيدفع مديراً تنفيذياً، بعد تجربة صعبة، إلى أن يراكم مزيداً من التكاليف من دون أن يكون واثقاً من العائدات التي قد تتلو ذلك؟ بعض الشركات تختار إلقاء اللوم على حالة عدم اليقين التنظيمية وسياسات إدارة أوباما؛ ولكن هذه التفسيرات خاطئة لأن كل إدارة جديدة تكون مرفوقة بحالة من عدم اليقين؛ ثم إن إشراف الحكومة على قطاعات معينة مثل الخدمات المالية ليس فكرة جديدة. غير أن ارتفاع معدلات البطالة المزعج يعكس بالمقابل اثنين من أكثر خصائص الاقتصاد الأميركي بعثاً على الأمل والتفاؤل: مرونته وإنتاجيته.
فإزالة الوظائف -مع كل ما ينطوي عليه ذلك من معاناة إنسانية مؤلمة- يرفع الإنتاجية، وبالتالي التنافسية (وهي الكلمة الجديدة المفضلة لدى الرئيس)، لأن زيادة الإنتاجية تمثل على المدى الطويل الطريق الوحيد نحو رفع التنافسية.
ومقارنة مع بلدان متقدمة أخرى، فإن سجل إنتاجية أميركا كان ممتازاً. فمن 2000 إلى 2009، ارتفع الإنتاج الأميركي لكل ساعة عمل بـ20 في المئة (هذا في حين ازدادت الإنتاجية في ألمانيا بـ8 في المئة فقط). وعلى نحو غير مألوف، ازدادت الإنتاجية الأميركية خلال فترة الركود، علماً بأن الشركات لا تستطيع عادة تقليص التكاليف بسرعة كافية تسمح بالحؤول دون سقوط الإنتاجية.
هذا النوع من الفعالية يمثل ربما أثمن ميزة اقتصادية لدينا. ولذلك، علينا أن نقاوم إدخال تعديلات صغيرة على سوق العمل مهما كان ذلك مغرياً، وذلك لأن السياسات المقترحة التي تهدف بشكل مباشر إلى خلق الوظائف تتحول إلى عائق لنمو الإنتاجية. والحال أن من شأن ضعف الإنتاجية أن يفاقم الضغط على الأجور، والذي جعل من العقد الماضي الأول في تاريخنا الذي تراجعت فيه الأجور (بعد أخذ التضخم في عين الاعتبار).
والواقع أن العلاقات الوثيقة التاريخية بين النمو والوظائف -التي تضررت جـراء قـوة الأزمـة- بدأت تتعافى؛ ذلك أن الوظائف في القطاع الخاص أخذت ترتفع منذ مدة، وإن بوتيرة بطيئة.
وبالتوازي مع ارتفاع ثقة المستهلك، ستزداد الوتيرة. وستستغرق وقتا -الكثير من الوقت؛ وسيترشح أوباما لإعادة الانتخاب ضد معدل بطالة يبلغ 8 في المئة على الأرجح- ولكن ذلك سيحدث. أما سياسياً، ومثلما أوضح خطاب حالة الاتحاد، فإن مهمة الرئيس ستكون هي إقناع الشعب الأميركي بأن إدارته جزء من الحل. إن أفضل مساهمة يمكن أن تساهم بها الحكومة في محاربة البطالة هي: تحفيز النمو على المدى القصير، ثم التعاطي مع عجز الميزانية والتزامات الاستحقاق الضخمة على المدى الطويل (على أن الجهود الرامية إلى زيادة التنافسية، من خلال استثمارات جديدة منتقاة بحذر، وكبح جماح التنظيم، تظل محل ترحيب أيضاً!). وبالتالي، فإن البرنامج الضخم لتنشيط الاقتصاد الذي اعتمد في 2009 كان هو الدواء المناسب، على غرار الجهود المتواصلة من قبل "الاحتياطي الفيدرالي" لضخ المال في النظام، وهو ما يشبه إعطاء المريض محاليل التغذية بعد عملية جراحية.
لقد شدد الرئيس خلال الأسبوع الماضي - على نحو حكيم - على ضرورة معالجة العجز طويل المدى والاستثمار والتنافسية. وربما لأسباب تتعلق بطبيعة خطاب "حالة الاتحاد"، لم يخض خطابه في تفاصيل كل أضلع هذا المثلث؛ ولكننا نعلم جميعاً أنه بدون نوع من المزاوجة بين رفع الضرائب ومعالجة كلفة برامج الاستحقاق المنفلتة مثل "ميدي كير"، لن نستطيع أن نأمل في معالجة عجز الميزانية. والأكيد أن شرح هذه التفاصيل ينبغي أن يكون هو الخطوة المقبلة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا