الاتحاد

تقارير

الترسانة النووية الباكستانية... قلق أميركي

كارن دي يانج
واشنطن


تشير تقديرات محللين غير حكوميين إلى أن إجمالي الترسانة النووية لباكستان بات يناهز اليوم أزيد من 100 سلاح نووي، أي ضعف مخزونها خلال السنوات الأخيرة الماضية في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً؛ وأن الباكستانيين قاموا بتسريع إنتاج اليورانيوم والبلوتونيوم اللذين يصلحان لصنع قنابل نووية وتطوير أسلحة جديدة لحملها. وبعد سنوات من التعادل النسبي من حيث الأسلحة، يقول هؤلاء الخبراء، باتت باكستان اليوم متقدمة على منافستها النووية الهند.
غير أن تصعيداً لسباق التسلح يطرح مأزقاً أمام إدارة أوباما، التي تعمل على تحسين علاقاتها مع الهند في مجالات الاقتصاد والسياسة والدفاع، بموازاة مع سعيها إلى تعميق علاقتها مع باكستان كمكون مهم من استراتيجيتها الخاصة بحرب أفغانستان. وعلاوة على ذلك، تبدو الإدارة الأميركية عالقة في باكستان بين مخاوف الانتشار النووي أو محاولات إرهابية ممكنة للاستيلاء على مواد نووية، من جهة؛ وشكوك باكستانية في أن الولايات المتحدة تهدف إلى السيطرة على برنامج أسلحتها أو الحد منه وفي تفضيلها الهند، من جهة أخرى.
وقد كانت هذه الشكوك ظاهرة للعيان الأسبوع الماضي خلال الجلسة الافتتاحية للمحادثات الأممية حول نزع التسلح في جنيف، حيث اتهم السفير الباكستاني "زمير أكرم" الولايات المتحدة وقوى كبرى أخرى بـ"ازدواجية المعايير والتمييز" لدفع بلاده في اتجاه اتفاقية عالمية تحظر كل إنتاج مستقبلي لليورانيوم والبلوتونيوم اللذين يصلحان لصناعة الأسلحة.
ويذكر هنا أن تبني ما يعرف بـ"اتفاقية حظر المواد الانشطارية"، والتي تعد عنصراً أساسياً من أجندة أوباما لحظر الانتشار النووي في العالم، تقتضي إجماعاً دولياً؛ ولكن باكستان لطالما رفضت هذه الاتفاقية.
وبينما أنتجت باكستان مزيداً من الأسلحة النووية، يُعتقد أن الهند تمتلك مخزونات حالية أكبر من هذه المواد الانشطارية من أجل صنع أسلحة في المستقبل. وتشير الاتهامات الباكستانية إلى أن هذا الامتياز الهندي بعيد المدى قد ازداد تحسناً بعد توقيع اتفاقية تعاون نووي مدني بين الولايات المتحدة والهند في 2008؛ هذا في حين تجاهلت الإدارة الأميركية طلبات باكستانية باتفاق مماثل. وفي هذا الإطار، أوضح الجنرال "نذير بات"، الملحق العسكري بالسفارة الباكستانية في واشنطن، أن عدد أسلحة باكستان ووضع منشآت الإنتاج فيها يعتبران موضوعين سريين وقال: "إن باكستان تعيش في حي صعب ولن تغفل أبداً عن احتياجاتها الأمنية"، مضيفاً "وكقوة نووية، فإننا جد واثقين من قدراتنا الرادعة".
غير أن تصميم الإدارة الأميركية على إكمال حظر المواد الانشطارية هذا العام قد يرغمها على مواجهة موضوع الانتشار النووي في جنوب آسيا على نحو أكثر مباشرة. ومثلما قال المفاوض الأميركي حول الأسلحة "روز جوتنمولر" لـ"بلومبرج نيوز" في مؤتمر الأمم المتحدة يوم الخميس الماضي، فإن "الصبر قد بدأ ينفد". والحال أن ثمة قوى نووية أخرى لديها مصالحها الخاصة في المنطقة. فالصين، التي تنظر إلى الهند باعتبارها منافساً إقليمياً كبيراً، لديها استثمارات كبيرة في باكستان والتزام بتزويدها بمفاعلين للطاقة النووية على الأقل. هذا في حين قامت روسيا بتعزيز تعاونها مع الهند مؤخراً وأبلغت باكستان الأسبوع الماضي بـ"انزعاجها" من حشدها العسكري. وفي هذا السياق، قال نائب وزير الخارجية "سيرجي ريابكوف" في تصريحات بمركز نيكسون الخميس الماضي، بعيد زيارة قام بها إلى إسلام آباد: "إنها طريق خطرة، خاصة بالنسبة لحكومة تتعرض للضغط".
والواقع أن البيت الأبيض، الذي يحرص على عدم الإخلال بالتوازن السياسي في باكستان، قلما يشير إلى ترسانة هذا البلد في العلن، اللهم للتعبير عن ثقته في تدابير الوقاية الداخلية القوية والتي يتم بمقتضاها الإبقاء على الرؤوس الحربية بعيدة ومنفصلة عن وسائل التوصيل. غير أن مستوى القلق الأميركي بدا واضحاً خلال التقييم الذي قام به البيت الأبيض لحرب أفغانستان الشهر الماضي، عندما أشار إلى الأمن النووي لباكستان باعتباره أحد هدفي الاستراتيجية طويلة المدى هناك، إلى جانب هزيمة "القاعدة"، وذلك حسب مسؤول رفيع من الإدارة الأميركية وافق على الحديث شريطة عدم الإفصاح عن اسمه. وبالمقابل، تجنب ملخص لوثيقة التقييم السرية تم الإفراج عنه للعموم الإشارة إلى الموضوع النووي الباكستاني؛ كما تحاشى البيت الأبيض أسئلة بهذا الشأن على اعتبار أن الأمر يتعلق بمسائل استخباراتية حيث قال متحدث هذا الأسبوع إن الإدارة لن تجيب على الاستفسارات بشأن حجم ترسانة باكستان النووية.
وفي هذه الأثناء، أشار المتحدث باسم مجلس الأمن القومي تومي فيتور إلى تأكيد أوباما خلال قمة الأمن النووي الربيع الماضي بأنه يشعر "بالثقة في التدابير الأمنية في باكستان حول برنامجها للأسلحة النووية"، لافتا إلى أن أوباما حث "كل الدول" على دعم المفاوضات حول اتفاقية قطع المواد الانشطارية.
وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول "ديفيد ألبرايت"، رئيس معهد العلوم والأمن الدولي والمحلل المختص في القوى النووية العالمية: "إن الإدارة تحاول دائماً ثني الناس عن التحدث حول هذا الموضوع"، مضيفاً "إنهم يحاولون دائماً التقليل من شأن "الأرقام ويشددون على أنها "أصغر مما نعتقد". ومن جانبه، يقول "هانز كريستنسن"، مدير مشروع المعلومات النووية بفدرالية العلماء الأميركيين ومؤلف الجرد السنوي للأسلحة النووية في العالم الذي نشر في نشرة علماء الذرة: "من الصعب الجزم بشأن حجم المعلومات التي تعرفها الولايات المتحدة"، مضيفا "كمية لا بأس بها على الأرجح؛ ولكن الأمر يتعلق بمجموعة من الأشياء المختلفة وغير المتشابهة - فباكستان حليف، وهم لا يمكنهم إضعافها بتصريح يعبر عن القلق علنا". وعلاوة على المعلومات الاستخباراتية المستقاة من الميدان، يقيِّم المسؤولون الأميركيون برنامج باكستان للأسلحة النووية بالوسائل نفسها التي يستعملها خبراء خارجيون - صور الأقمار الاصطناعية لمنشآت نووية، وتقديرات لإنتاج المواد الانشطارية وتطوير الأسلحة، وتصريحات وأرقام متاحة للعموم. وقد كانت الترسانة الباكستانية تقدر قبل أربع سنوات بـ30 إلى 60 سلاحاً نووياً. وفي هذا السياق، يقول ألبرايت: "لقد قاموا بتوسيعها بوتيرة سريعة". وبناء على إنتاج سريع للبلوتونيوم واليورانيوم المخصب مؤخرا، "قاموا ربما بمضاعفة ذلك أو أكثر خلال تلك الفترة"، إذ تشير التقديرات الحالية إلى ما قد يصل إلى 110 أسلحة نووية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا