الاتحاد

تقارير

إدارة أوباما··· سياسة خارجية دون أوهام

هل هناك أكثر سهولة وراحة للبال من أن يضغط المرء على زر إعادة التشغيل، فينظر إلى الكمبيوتر وهو يقوم تلقائياً بمهمة إغلاق جميع النوافذ المجمدة، ثم يطفئ الجهاز لثوان فيبدأ من جديد وتظهر أمام المستخدم شاشة نظيفة فارغة تماماً كي يستخدمها كما يشاء؟ إنها متعة وإغراء لا يقاومان بالطبع· ولكنها تنطوي على قدر كبير من التضليل والخداع، خاصة في حال تطبيقها في مجال العمل الدبلوماسي· يذكر أن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن هو أول من استخدم المفهوم بمعناه الدبلوماسي بقوله: ''لقد حان وقت الضغط على زر إعادة التشغيل مع روسيا''· بل إن وزيرة الخارجية هيلاري، قدمت لنظيرها الروسي لافروف هدية عبارة عن زر إعادة تشغيل أحمر اللون، ضغطا عليه معاً وهما يبتسمان أمام عدسات الكاميرات أثناء لقائهما في وقت مبكر من شهر مارس الجاري· ولكنّ هناك خطأ مؤسفاً في الترجمة الروسية للكلمة، حيث تعنى زيادة الشحن الكهربائي، بدلا من إعادة التشغيل! ولو كان الفتور الذي ساد علاقات واشنطن بموسكو مؤخراً ناتجا عن مشكلات أو تعقيدات فنية، يمكن التغلب عليها بمجرد الضغط على زر إعادة التشغيل، لسهل الحل كثيراً· ولكن الأمر أعقد من ذلك كما نعلم· ففي حين نصب رئيس جديد في البيت الأبيض منذ شهر يناير المنصرم، يلاحظ أنه لم يأت رئيس جديد إلى موسكو· وفي حين ترغب واشنطن في تجاوز الماضي واختفائه من ساحة العلاقات الجديدة التي تطمح إلى إقامتها مع موسكو، يلاحظ أن هذه الأخيرة لا تستطيع تخطي تاريخها مطلقاً ولا الخروج من دائرته· والحقيقة أن الجزء الغالب من التباين النفسي والفلسفي والفكري والاستراتيجي بين واشنطن وموسكو -وهو التباين الذي طالما كان مصدراً مستمراً للتشاحن الذي ساد العلاقات بين العاصمتين طوال الجزء الغالب من العقد الماضي- ظل كما هو تقريباً· وسيتعين على إدارة أوباما التصدي للمعضلة الروسية، عاجلا كان ذلك أم آجلا·
وليس على كل من يتشكك في صحة هذا الاستنتاج سوى النظر إلى التصريحات والتعليقات الصادرة عن لافروف نفسه أثناء عطلة نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة الأوروبية بروكسل· وترسم تلك التصريحات عالماً لم يطرأ عليه تغيير يذكر تقريباً منذ العشرين من شهر يناير المنصرم، وهو الموعد الذي جرى فيه تنصيب أوباما· يذكر أن لافروف كان يتحدث إلى عدد من صناع السياسات الغربيين، الذين شارك عدد منهم في تفكيك معاهدة ''حلف وارسو'' وتوسيع ''الناتو'' بدلا منها في عقد تسعينيات القرن الماضي· وقد عبر لافروف عن رؤيته الشخصية لهذه التطورات التي حدثت حينها، إلى جانب التعليق على بعض التطورات الراهنة· وأشار وزير الخارجية الروسي ضمناً إلى أن الغرب قد خدع روسيا، وأن ''الناتو'' لا يزال يمثل تهديداً عسكرياً لبلاده· واقترح أيضاً أن يتم استبدال الحلف بمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية، باعتبارها كياناً أمنياً غربياً رئيسياً· ثم لم يفته أن يلمح كذلك إلى أن لروسيا عملاء كثراً لمنتجاتها من الغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأقصى، فيما لو تحول عملاؤها الغربيون إلى مشكلة معيقة لها· أما فيما يتعلق بالدور الروسي في لجم الطموحات النووية ومنع طهران من المضي قدماً في برامج أسلحتها النووية، فقد نفى لافروف توفر أي أدلة على اعتزام طهران صنع قنبلة نووية من الأساس· هذا مع أن إدارة أوباما تعول كثيراً على الدور الروسي في حل الأزمة النووية الإيرانية!
ولنعد مرة أخرى إلى مجاز استخدام زر إعادة التشغيل· فإذا ما كانت هذه هي نبرة حديث المسؤولين الروس -حتى بعد الضغط على زر إعادة التشغيل مع هيلاري- فإن الذي تسبب في تجميد شاشة الكمبيوتر الروسي- الأميركي، لم تكن له أدنى علاقة بالمشكلات الفنية· والأرجح أن الأسباب الحقيقية لا تزال قائمة وتراوح مكانها· بل فوق ذلك كله، لا تقتصر تلك الأسباب على الجانب الروسي وحده· فمن حق أي رئيس أن يدعو إلى إقامة علاقات جديدة بين بلده وبقية دول العالم، خاصة إذا كان هذا الرئيس أوباما، الذي خلف رئيساً مبغوضاً على نطاق دولي مثل بوش· وسيتعين على أوباما نفسه اتخاذ عدد من القرارات الصعبة بشأن الأنظمة التي تعارض السياسات الأميركية، لأسباب أعمق بكثير من مجرد كراهيتها لبوش· فعلى سبيل المثال، هل سنقبل، ونلتزم الصمت فيما لو أصرت موسكو على احتلال لجورجيا؟ وهل سنفعل الشيء نفسه في حال استغلال روسيا لسياساتها الخاصة بالطاقة لابتزاز أوروبا؟
وعلى ذلك قس بقية دول العالم التي لا تختلف كثيراً عن روسيا· فمن الجيد مثلا أن نشرع في بدء حوار جديد مع كل من إيران وسوريا شريطة أن ندرك أن التفاوض وحده لا يعني حلا للمشكلة· بل علينا أن نذكر أيضاً أن كثرة التفاوض تكشف عن خلاف عميق في المواقف في بعض الأحيان، بدلا من أن تشير إلى تقارب مأمول· وفي الاتجاه نفسه يمكن القول إنها كانت بادرة طيبة من أوباما أن يهنئ الشعب الإيراني بمناسبة أعياد النيروز· ولكن عليه أن يدرك في الوقت نفسه، أن تلك التهنئة لن تقلل شيئاً من الموقف من البرنامج النووي الإيراني، لدى حلفاء النظام وبعض خصومه على حد سواء· وخلاصة القول إن الخطابة وحدها لا تكفي لتغيير علاقات واشنطن بالعالم الخارجي·

آن أبيلباوم
محللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا