الاتحاد

دنيا

مركز الإبداع.. دنيا من المعرفة للصغار

مشاركة حماسية في حصة مهارات التفكير

مشاركة حماسية في حصة مهارات التفكير

لمعت الفرحة في عينيّ سعيد وهو يريني كراسته الملونة، وارتفع صوته عاليا: «هذا خطي انظري أنا كتبت هذه الكلمات».
صوت ابن العاشرة مليء بالزهو، لكن شقيقه سيف يحاول إحباطه فيقول: «هذا خطك الآن بعد «كورس» الخط، أرها خطك قبل أسبوعين»!
هذان الصغيران ليسا الوحيدين في القاعة، فهناك سبعة أطفال ألحقهم أهلهم بدورة الخط العربي في مركز المواهب والإبداع التابع للمجمع الثقافي في أبوظبي، ليتعلموا أصول خط الرقعة والنسخ، ويحسنوا من مستوى كتابتهم في كراسات المدرسة.
يضحك أستاذ الخط السوداني محمد عبدالله، ويعقب: «دائما ما ينافس سيف شقيقه في غرفة تعليم الخط، وهذا التحدي ليس الأول بينهما منذ أن التحقا بالمركز قبل أسبوعين».
ويتابع محمد، وهو يتأمل كلمات خطها الطلبة على الأوراق البيضاء، أدركت على مدى ثلاثين عاماً عملت فيها بمدارس الدولة، أنَّ هناك مشكلة فعلية في الكتابة لدى الطلبة، كثير من المدارس الخاصة لا تولي اهتماماً للغة العربية، وأغلب المدارس الحكومية ليس لديها وقت مخصص لتعليم الخط العربي، يضاف لذلك اعتماد المدرسين الكبير على الحاسوب ما يجعل مشكلة سوء خط الكتابة شائعة بين الطلاب».
يقطع محمد حديثه ليرسم حرف «الهاء» بخط الرقعة على اللوح الأبيض، ويؤكد على الصغار أن يكتبوه منحنياً لأسفل السطر قليلاً، ثمَّ يتابع: «هذا ما نفعله تماماً، نحاول أن نعلِّم أصول «رسم الحروف على السطور»، ونعتمد على تعليم الصغار خطي الرقعة والنسخ لأنهما أسهل الخطوط العربية، لكن هناك بعض الموهوبين الذين بدأنا بتعليمهم الخط الديواني».
أترك الأستاذ محمد ليتابع حصته، وأطل على قاعة مجاورة تنهمك فيها فتيات صغيرات بالشخبطة على كراساتهن، وعلى جدرانها علقت «اسكتشات» بسيطة، فتفتح باب القاعة مدرِّسة الرسم في المركز.
تقول جيهان السيد سالم وهي ترحب بي، وتدعوني لدخول المرسم: «لم نبدأ الحصة بعد، لكنني أراجع مع الطالبات درس (الشجرة) الذي أعلم فيه الصغيرات رسم الشجرة بطريقة صحيحة عبر انحناءات وخطوط بسيطة، وبخطوات تستوعبها عقولهن الصغيرة.
يفتح الباب فتدخل طفلة تحمل كراستها الكبيرة، وأمها تلوح لها مودعة، أسأل الأم عن الذي دفعها لإلحاق صغيرتها بالمركز فتقول الأم انجي رزق: «دنيا هي ابنتي الثانية، ألحقتها بدرس الرسم لتشغل فراغها بعد المدرسة بما يفيد مثلما فعلت أختها الكبرى (ناتالي) من قبل، وبعد أن تنهي دورة الرسم سألحقها بدورة البيانو مثل شقيقتها أيضا.
تتابع وهي تحاول الانصراف بسرعة، التزاماً بتعليمات المركز التي تطلب من أولياء الأمور عدم الانتظار: «أفضل أن ألحق طفلتّي بدورات المجمع الثقافي لقربه من منزلي، ولأسعاره المناسبة، كما أن الصغيرتين تحبان المكان وتجدان فيه متنفسا جيدا لهما».
تنصرف انجي، وأعود لمراقبة دنيا المنكبة على كراستها الصغيرة تحاول أن تضبط أوراق الشجرة التي ترسمها، تمسح مرة وتعيد الرسم مرة أخرى بتركيز أكبر، وعينا مدرستها ترمقانها بحرص.
تقول جيهان: «يجذب درس الرسم الفتيات بشكل أكبر من الفتية، ربما لأن طبيعة الأنثى دوماً تميل إلى الفنون والألوان أكثر من الذكور، وهذا ما يجعل الموهوبات عندي أكثر من الموهوبين، ومع ذلك أحاول أن أنمي في كل طالب وطالبة حب الرسم وإتقان الانحناءات، لأن الطالب إذا أنجز رسم ما تحمس لإنجاز أفضل منه».
وتتابع جيهان، التي تعمل في المركز منذ 2004: «يضم المركز حالياً نحو 90 طالباً وطالبة ما بين مبتدئين ورسامين متقدمين يرعاهم المجمع، يتلقون جميعهم دورات رسم تناسب مستوياتهم الفنية باللغة الإنجليزية لأن أغلبهم يدرسون في مدارس خاصة، أو هم من الأجانب».
تخرج جيهان رسومات أطفال من الدرج لتعرضها أمامي: «انظري هذا ما يرسمه الطفل المواطن» قالتها وهي تشير إلى رسمة دلة، بينما يبتسم (رجل ثلج) في رسمة الطفل الأجنبي، وتشرح جيهان: «يتأثر الطفل ببيئته كثيراً وفي اختبار تحديد المستوى الذي يخضع له كل الطلبة قبل التحاقهم بدورة الرسم يظهر هذا التأثر جلياً، وما هذه الرسومات إلا نموذج عنه.
خارج القاعة تصادفني سيدة أجنبية، وقفت لتشاهد ابنتها جانا التي جلست للتو على كرسيها في المرسم، سألتها عن انطباعها فقالت: «من الجيد أن أرى في الإمارات هذا الاهتمام بالطفل، فأنا فرنسية أسكن أبوظبي منذ أربعة أعوام أرشدتني صديقتي لمركز الإبداع والمواهب، حين سألتها عن مكان تقضي فيه صغيرتي ابنة السبع سنوات وقت فراغها، وبصدق لم أكن أتوقع حجم القاعات، ولا جودة الأنشطة الممارسة فيه، وفي زيارتي الأولى دهشت مما رأيت فحرصت منذ عام على أن تتابع ابنتي دروسها في الباليه والرسم هنا في المركز».
في الممر الهادئ وقفت آمنة عبيد لتتأكد من المشرفة عن موعد انتهاء حصة مهارات التفكير الإبداعي، استوقفتها لأفهم أكثر طبيعة الدورة التي تتحدث عنها فقالت: «هي دورة تختص بتنمية المهارات العقلية لدى الصغار، حرصت على أن أضم أبنائي نورة وعبيد إليها، لأنني أؤمن بأهمية تنمية فكر الصغار وإعطائهم مساحات لتنمية القدرات العقلية». وتؤكد آمنة: «رغم أن صغيريّ لم يدخلا سوى ثلاث حصص في هذه الدورة التي تعقد مرتين في الأسبوع، إلا أن عبيد ابن الست سنوات تأثر بها، فقد أصبح أكثر هدوءاً واتزاناً، وآمل أن تحسن هذه الدورة مهارات التفكير لديه ليصبح إيجابياً أكثر هو وشقيقته». تعي آمنة جيداً دورها كأم في اختيار طريقة قضاء وقت صغارها، فتقول: «لا يستطيع الصغار تحديد ما يناسبهم، ويحتاجون دوماً لإرشاد من الآباء، وهذا ما يجعلني حريصة على إشراك أبنائي في الدورات المفيدة، وحريصة على تنمية عادة القراءة لديهم لأنها تفتح آفاق العلم والمعرفة».
وتعكس آمنة قلقاً مختلفاً، وهي تقول: «الغريب أن تردد المواطنين على المجمع الثقافي قليل، ربَّما لأن أغلبهم يسكنون خارج المدينة، بينما يتوسط المجمع الثقافي قلب أبوظبي، لكن مع ذلك لا أجد الكثير من أبناء المواطنين بين ردهات المركز، وأعتقد أن بعض الآباء والأمهات يكتفون بما تمنحه المدارس من علوم فقط دون الالتفات لجانب تنمية المواهب على اعتبار أنها أمور ثانوية، رغم أنها تساهم بشكل أكبر من مناهج الدراسة في بناء شخصية الطفل».
قلق آمنة تردده أيضا فاطمة المرزوقي، مديرة مركز المواهب والإبداع بالمجمع الثقافي، وتقول: «عزوف المواطنين عن تسجيل أبنائهم في دورات المجمع الثقافي مشكلة قديمة، حاولنا التغلب عليها بتخصيص دورات محلية لهم مثل دورة (السنع) و(اليولة) والشعر النبطي، بينما اخترنا للطالبات دورة التلي والخوص التي تشمل جوانب مختلفة من تراث نساء الإمارات اليدوي».
وتندهش فاطمة من وجود مواهب شعرية بين الصغار الإماراتيين، فتقول: «في المسابقة الأخيرة للشعر والشلة وإلقاء القصيد تألق ثمانية طلاب حصدوا الجوائز وإعجاب الجمهور، ما دفع المركز لتبنيهم ثقافياً، وإعدادهم لتمثيله في الفعاليات الوطنية والدولية المختلفة، وهذا يدل على وجود مهارات ومواهب بين أبنائنا تحتاج لاهتمام الأسر وصقل المدربين».
تدير فاطمة المرزوقي المركز منذ ثلاث سنوات، لكنها «ابنة المكان» كما تسمي نفسها، وتتابع: «حين كنت طفلة التحقت وإخوتي بالمركز، درست فيه الرسم والكمبيوتر لم يكن عمري يتجاوز تسع سنوات، وكان المكان في ذاك الحين يعرف باسم (مركز الطفل) لكن هذا الاسم تغير في 2006».
هناك عدة أنواع من الدورات يقدمها المركز مثل الدورات الفنية كالرسم والخط العربي والأشغال اليدوية والموسيقى والباليه والتصوير، ودورات اللغات المختلفة والحاسوب، لكن أبرز الدورات، كما ترى فاطمة، هي الدورات التراثية المعنية بالمواطنين، ودورات تنمية الشخصية التي تعالج جوانب عقلية في الطفل، مثل دورة تنمية التفكير الإبداعي، ومهارات القراءة والكتابة، بالإضافة لدورة الصحفي الواعد والمرشد السياحي.
نعود للممر الذي تزينه صورتان للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله» وهو يداعب بعض الأطفال، وتقول فاطمة: «يستفيد من المركز شهرياً حوالي 160 طالباً تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 15 عاماً، يعيب أغلبهم عدم الانتظام لأكثر من شهرين بالدراسة، لكنَّ كثيرين منهم يعودون للمركز مرة أخرى باحثين عن دورات إضافية».
يهتم المركز كثيراً بطلبته بدءاً من رسوم الاشتراك الرمزية التي لا تتعدى 200 درهم، إلى متابعة الطلبة الملتحقين وتسجيل حضورهم اليومي وعدم السماح لهم بالانصراف دون حضور أولياء أمورهم، وتحاول الإدارة التعامل مع حالات بكاء بعض الصغار أو خوفهم من الدخول في الحصص، وانتهاء بالتواصل مع الأهل لمعرفة مدى استفادة الطلبة من الدروس عبر الاستبيانات ووسائل قياس الرأي.
وفي قاعة التفكير الابداعي ينهمك الأستاذ محمد الجرمي بمحاولة تحفيز الطلبة على استنتاج استعمالات للقلم غير الكتابة، يتوقف الاستاذ عن الشرح ويقول: «كلنا نعي جيداً أن تربية طفل في بيئة صحية متوازنة ليست بالمهمة السهلة، ومن الصعب طبعاً أن نربي تفكيره بشكل سليم، وليس من الغريب أن نسمع شكاوى من الأهل أغلبها تصب حول تفكير أبنائهم السلبي أو ميلهم العدواني أو حتى غبائهم، وهنا تبرز الحاجة الفعلية لوجود طريقة لتنظيم عملية تفكير الصغار بطريقة ايجابية مفيدة. ويتابع الجرمي: «برنامج مهارات التفكير يخرج الطالب من قالب حفظ المعلومة المتبع في المدارس إلى أسلوب البحث عن المعلومة، ومحاولة معرفتها دون الحاجة لتلقين وحفظ وهو ما يطور طريقة تفكيره، وينمي مهاراته ويمنحه الأساس المناسب لبناء شخصية عقلية جيدة».
ويؤكد الجرمي أن النمو العقلي التفكيري لا يكتمل دون اهتمام بالمهارات اليدوية التي تفرغ الشحنات السلبية والمشاعر المضطربة، وتسمح للطفل بالايجابية في التفكير والاعتقاد وهو ما يكتمل تماما مع أهداف مركز الطفل للمواهب والإبداع.

اقرأ أيضا