الاتحاد

دنيا

في صحراء التيه

وجدت نفسي فيما يشبه المتاهة، رأسي مزدحم بأشياء كثيرة، خطط وأحلام وأوهام وأفكار وحيرة وحسابات والتزامات وواجبات وملفات وصور ورؤى وخيالات وفوضى تملأ كل الخلايا المخية والنخاعية، لدرجة أنني تصورت أن مخي قد تعطل عن العمل بسبب الفوضى وتداخلت الأسلاك والأعصاب والوظائف فصرت أرى بأذني واسمع بعيني.
لابد من إعادة الترتيب، ومن تصفية الذهن، ربما بشرب مشروب الطاقة الذي يصفي الذهن كما يقول الإعلان، أو بالهجوع إلى النوم، أو ربما بالسفر إلى مكان جديد، مكان لم أزره من قبل، فقد حان موسم الارتحال مرة أخرى لاستكشاف أماكن جديدة وعوالم جديدة أو استكشاف الذات مرة أخرى، أو ربما احتاج إلى استعادة زمن المغامرات، فأدخل في مغامرة جديدة تكون عواقبها ليست وخيمة، فقد تعبت من المغامرات غير المحسوبة، ومن الجنون الذي يحمل شعار الشجاعة، فيبدو أنني فقدت الشجاعة المعهودة، ربما بسبب الحب أو ربما بسبب التجارب القاسية، أو الأخطاء الفادحة.
ترى هل قضيت الأربعين عاما الماضية في صحراء التيه؟ هل عثرت على نفسي أخيرا؟ أم أنني سأبقى كما قال لي العراف شيبا أواجه الموت لأجد الحياة.. وأنني سأصل إلى أقصى مركز الأرض لكنني لن أعرف كيف أعود.. وبأنني سأفقد ذاتي لكنني سأجد ما أبحث عنه.. وبأنني سأجد الحب الذي أبحث عنه لكن نفسي ستتشتت إلى الأبد.. وبأنني سأجد السعادة لكنني سأفقد كل ما أملك.. وبأنني سأجد الطريق لكنه سيبقى دائما محفوف بالمخاطر.
لقد كنت طوال تلك الأربعين عاما أحب أن اعتبر أخطائي مغامرات ربما من باب أرضاء لغرور الذات أو ربما لأنني لا أريد الاعتراف بالأخطاء لأنني مجرد إنسان وأنني لست ملاكا لكنني لست شيطانا، أو هكذا أحب أن أبرر لنفسي في كثير من الأحيان، الناس يخطئون ويتعلمون، ولذلك لا زلت أتعلم كل يوم من أخطائي ومن أخطاء الآخرين، غير أن ذلك لا يفيد الآن فقد حدثت فوضى في رأسي وأجد صعوبة في إعادة الترتيب أو وضع الأولويات.
الدنيا تمور من حولي، وللحياة نشوة في دورانها، إنها ما يجعلنا نشعر بالوجود، نشعر بكياناتنا، ترى هل سأجد في الهدوء ضالتي أم أنني اعتدت حياة الصخب، والفوضى التي دائما اعتبرها خلاقة، خصوصا أن واحدا مثلي لا يحتمل التواجد في مكان واحد لفترات طويلة، فكيف يطيق البقاء من غير أسفاره، ومن غير ارتحاله، كيف يبقى حبيسا في فضاء مفتوح، في عالم لم يعد يعترف بشيء اسمه الحدود.

سعيد البادي rahal ae@gmail.com

اقرأ أيضا