الاتحاد

دنيا

هدى الجهوري: أعمالي ترجمة لحكايات جدتي.. وقفصي الصدري غير كاف لرقص العصافير

هدى الجهوري

هدى الجهوري

هدى الجهوري، صحفية عمانية سعت إلى أن تكون مختلفة، وعبر أعمدتها الصحفية فجرت أكثر من جرأة، وجربت كتابة القصة القصيرة فكان لها ذلك، وأصدرت أكثر من مجموعة قصصية، وجربت الفعل الروائي، ونجحت في وضع النقطة الأخيرة على مشروعها الروائي. لم يكن في حسبانها أن تفوز روايتها الأولى بجائزة أدبية مهمة، حيث حصلت على المركز الأول في مسابقة الشارقة للإبداع العربي «مجال الرواية» للعام الحالي.. «دنيا الاتحاد» حاورت هدى وخرجت بالتالي.
?كيف تلقيت خبر فوزك بجائزة الشارقة؟
كان هذا هو الخبر السار الذي انتظرته طويلا .. في لحظة شعرت فيها أني قطعت مسافة طويلة دون فرح مشابه، ونما هذا الفرح كعصفور صغير عندما تقافزت التهنئات من هنا وهناك، وامتلأ هاتفي بـ«المسجات» وكأن الفرح يخص الجميع دون استثناء.. شعرت وقتها أن قفصي الصدري غير كاف لرقص العصافير، وأن الحياة أكثر اتساعا.. أراد زوجي أن يشاكسني عندما اتصل بي وقال لي بصوت حزين «طلعت نتائج جائزة الشارقة» أردت أن يخبرني بسرعة بالنتيجة هل أنا من ضمن الأسماء أم » ! إلا أنه استمر يحدثني بصوته الحزين عمن حصل على التنويه ومن ثم تحدث عن المركز الثالث ثم الثاني إلى أن قطع أنفاسي وهو يقول اسمي في المركز الأول .. لم أصدقه في تلك اللحظة .. لكنه أقسم لي مرارا انه يقول الحقيقة كما قرأها في موقع الجائزة.. من الجيد أني ركنت سيارتي جانبا، وإلا لكنت قد تسببت في حوادث مريعة ربما.
الفوز كان محطة ضرورية لكي أقف قليلا، وأراجع نفسي في كل ما كتبت، ولكي أفكر مليا بالمسافة التي قطعتها، وماذا ينبغي الآن أن أفعل، وكيف أقود خطواتي إلى الطريق التي أراها صالحة وخصبة للكتابة.
وبعد الفوز أصبح الجميع في بحث عن هذا العمل، وفي شوق لقراءته، من شرائح وفئات عمرية متفاوتة .. فالفوز صنع أيضا التسويق المحلي للعمل، ولاسم الكاتب.
? ألم تستوعبك القصة لتكتبي الرواية ؟
بالعكس تماما، القصة القصيرة هي مشروعي الحقيقي والذي لن أكف أبدا عن التمرن عليه، كما تتمرن راقصة باليه على ألا تفقد مرونة جسدها.. لذا فور انتهائي من كتابة الرواية كنت أرتجف من فكرة ألا تعود القصة صالحة لمقاسي، ولكني اجتزت التجربة بعد أشهر قصيرة من كتابة الرواية، وكتبت نص «منسم» الذي أدرجته في مجموعتي القصصية الثانية «ليس بالضبط كما أريد»..
بينما كتابة الرواية هي تجريب، ولا يمنع ذلك أبدا من إعادة التجربة خصوصا بعد أن كللت بهذا الفوز الجميل وغير المتوقع بالنسبة لي. الحقيقة أن رتم الحياة والتفاصيل الكثيرة، وتعقيد الشخصيات في المدينة، والقرية على حد سواء لم يكفل للقصة «الومضة ..الفكرة» على استيعابه، لذا أصبحنا نبحث عن متنفس أكبر لعوالمنا وحكاياتنا.. لذا أنا أصدق تماما على الفكرة التي تقول: إن انتقال الكتاب في الخليج من القصة إلى الرواية يشبه تماما واقع حالهم عند انتقالهم من البداوة إلى المدنية، فالرواية هي ابنة المدينة بامتياز، وابنة المتغيرات والتعقيد الذي أصاب حياتنا..
كما أني أصادق على الفكرة التي تقول إن الزمن هو زمن الرواية، لكن هذا لا يلغي أبدا القصة كجنس أدبي مستقل ومكثف وعميق، ولكنها تمر بمرحلة من الخفوت بالرغم من أن الكاتب عزت القمحاوي كتب في إحدى مقالاته يتحدث عن أن القصة ما تزال مزدهرة في اليمن وعمان والمغرب. إلا أن عمان بدأت تحذو حذو دول الخليج الأخرى كالسعودية وبتنا نسمع عن الكثير من كتاب القصة، وهم يحضرون أنفسهم لأعمالهم الروائية الأولى، وهو أمر يتماشى تماما مع تحولاتنا وتغيرات حياتنا ورغبتنا في الخوض في إشكالات وقضايا تخصنا بفنيات نتمنى أن تكون عالية..
? ما أثر الأجواء الصحفية على عالمك القصصي إيجابا وسلبا ؟
الصحافة أوقعتني في فخ أرهقني لفترة من الزمن خصوصا في البدايات عندما كنت أكتب النص الذي يشتغل على اللغة، ويقوم بأكمله على إمكانيات أزعم الآن أنها غير حقيقية بمعنى: التضخم والانتفاخ باللغة وعلائقها على حساب الفكرة والشخوص والحدث.. بينما الصحافة كانت تتطلب مني المباشرة، والموضوعية في الطرح.. لذا وصلت إلى مرحلة كتبت فيها نصوصاً مباشرة إلى حد قاتل.. أنا بالعادة لا أضع قارئ النص في ذهني، وأنا اكتب النص الذي يخصني بينما الصحافة تتطلب مني أن أتذكر القارئ، وكيف ألفت انتباهه إلى المادة وأضمن أنه سيقرأ لي إلى آخر سطر.. إلا أن الصحافة لا تنشطر عن بقية الحلم . أذكر وأنا في الصف الثالث الابتدائي.. كنت أكتب في مذكرات الطفولة أن أمنيتي أن أكون «الصحفية الصغيرة» منذ ذلك الزمن البعيد، ولم أكن أكتب الأديبة أو الكاتبة أو الروائية .. كان حلمي أن أكون صحفية ، وعندما كتبت في البدايات كتبت لأتمرن على الصحافة.
ولكن إلى حد ما استطعت أن أقوم بموازنة صغيرة بين ما اكتب للصحافة وما اكتب للأدب، وفوز الرواية بعد إكمالي أربع سنوات في مهنة الصحافة اعتقد أنه برهان صغير على أني نجحت بشكل أو بآخر في أن أتجاوز ذاك الإشكال، وأن أعيش الدورين معا لإعطاء كل ذي حق حقه.. أنا مدينة للصحافة التي وسعت رقعة معارفي بالعالم الكتابي الذي يخصني من خلال المتابعة والتماس مع الجديد لكوني أعمل في القسم الثقافي... لذا مازلت أرى الوجه الجميل في مهنتي، ولم أفكر بصدق إلى الآن في البحث عن وظيفة أخرى.
? كفتاة عمانية هل تجدين الأبواب مفتوحة أم أن الأسوار عالية أمام حرية الإبداع؟
الأبواب لم تكن مفتوحة، ولم تكن مغلقة أيضا ... الأبواب كانت مواربة، وبحاجة إلى من يدفعها قليلا لكي نكتشف أنها ليست أبواباً حديدية، وقاسية بالحد الذي توهمناه... لم يكن دفع الأبواب أيضا بالأمر الهين لأنه ينبغي تجاوز الفكرة الأولى التي تقف كعائق وهمي أمام المرأة .. أقصد فكرة «العيب» التي تتردد على مسامعنا طويلا منذ الطفولة الأولى... فالمرأة هي الغابة السرية التي يجب ألا يستمع إليها أحد، وإن همست ذات يوم بحكايتها سيأتي رجال القرية ليقتلوها .. لكن لم يكن الأمر مشابها للسيناريو الذي رسمته المرأة في رأسها لأن حقيقة ما حدث أن المرأة ما إن اعتلت المنصة، وحكت الحكاية حتى استمع إليها الرجل جيدا بل افتتن بالحكاية كما فعل شهريار .
هنالك بعض الضغوط التي تمارس على المرأة نتيجة للأفكار الجاهزة عن «الفضيحة، والعيب»، ولكن للأسف أن المرأة لا تتبنى الكتابة كمشروع حياة، تتنازل عنه بالرغم من أنه حقها كالتعليم، والعمل والسياقة، فالأمر لا يقل أهمية عن ذلك، ولكنها تنظر في كثير من الأحيان «وأنا أتكلم الآن عن بنات مجتمعي العماني اللواتي تشاطرت معهن الدراسة والحياة» إلى أن الكتابة هواية يمكن لها أن تنتهي بمجرد أن يأتي الزوج على الحصان الأبيض.. على المرأة التي تدخل إلى هذا المشروع أن تقبل ببعض من التضحيات، وأن تتحمل المسؤولية. بالنسبة لي المعارضة كانت رهن الوقت لا أكثر، والآن أسرتي فخورة جدا بي كصحفية، وككاتبة، حتى وإن لم تكن هذه الفكرة متقبلة قبل عشر سنوات من الآن من مبدأ الخوف أو العيب.. إلا أن الزمن كان كفيلا بردم الهوة خصوصا عندما تقدم المرأة نفسها كنموذج يستحق التقدير من المجتمع الذي تعيش فيه.
? اشتغلت على التراث فهل من استمرارية لهذا النهج وما الذي أغواك به؟
لم اشتغل على التراث بمعناه الكبير، وحتى أني لم اشتغل على الحكاية الشعبية التي تم تداولها بين الناس، ولكني اشتغلت على حكايتي الشخصية التي تتقاطع مع الأفكار السائدة أو العادات لخلق المفارقة بين القديم والحديث، ولإضفاء متعة ونكهة خاصة في قلب النص من مثل نص «على رأس جني» الذي يتحدث عن خرافة البول على رأس جني، وما قد يصيب الإنسان جراء ذلك، ونص «معصوبة العينين إلى البحر» وهي المرأة التي تعصب عينيها، وتقاد إلى البحر لكي تغتسل من ذكريات زوجها بعد انتهاء العدة، ونص «صرار» عن عادة دفن السرة في مكان آمن تقود الصغار عندما يكبرون إليها.. فمن تدفن سرته قرب المسجد يصبح إماما، ومن تدفن سرته قرب الجامعة يصبح تلميذا نجيبا... وهنالك الكثير من الأمثلة لأن المجتمع العماني مجتمع غني بالتفاصيل الصغيرة والحكايات ... أتمنى أن تسعفني ذاكرتي لأكتب كل القصص التي روتها جدتي، وأنا صغيرة لأنها انتقلت إلى رحمة الله، وتركت في جعبتي الكثير من التفاصيل، ولكني لا أكتبها بشكلها القديم، وإنما بشكلها الآني .. كما أراها أنا الآن في الألفية الثالثة لا كما كانت تراها جدتي.. برأيي الحكاية تبقى في الذهن أكثر من النصوص التي تشتغل على التكنيك، وإن كانت لها امتيازاتها.
? هدى الصحفية والأديبة والأم كيف تعيش يومياتها؟
أصحو بمزاج رائق في العادة واتجه إلى عملي على صوت «فيروز» وأحيانا على وقع الأغاني الحديثة الصاخبة، وأنا أقود السيارة أفكر ببرنامج عملي وأنسى أسرتي بالكامل .. أضبط مواعيدي جيدا في رأسي لأن ذاكرتي خرفة لذا اعتمد على كتابة الملاحظات. لا بد أن يكون في برنامجي اليومي وقت لـ «إلياس» و «تيم» وإن كان لا يتجاوز الساعتين في اليوم الواحد إلا أنه من الضروري أن تكون هاتان الساعتان حميميتين ومليئتين بالصخب والحب واللعب .. فأنا معهم أصغر طفلة في العالم، يمكنها اللعب والنط عاليا.. أتضايق عندما اضطر أن أحمل عملي معي إلى المنزل ولكن هذا ما يحدث غالبا، ولكن في الإجازات أهرب إلى قريتي في ولاية السويق، وأمرح مع أطفالي وأتصيد الوقت مع الجارات والقهوة والحكايات التي لا تنتهي لكي تكون مادة شهية لـ قصصي ومقالاتي الصحفية، فلو أن حياتي اقتصرت على العاصمة مسقط لربما ما تمكنت من كتابة حرف واحد.
كل حكاياتي وحتى عملي الروائي مستمد من تلك الجلسات الرائقة على الحصير المتكئ على جدار الحوش، والنساء المسنات اللواتي لا يكففن عن التحدث في التفاصيل التي لا أعرفها، ولكنها لا تختمر وتتكون وتأخذ حصتها من التكون إلا عند عودتي إلى مسقط واسترخائي فيها.
? ماذا تعني لك الكتابة وكيف ستحمي لغتها الأدبية من غزو السرعة الصحفية؟
الكتابة كما قلت وسأقول «مشروع حياة» رأس ماله القراءة والمعرفة والتجارب اليومية، والبشر والسينما والفنون التشكيلية، والحكايات، والألم، والفرح، وأرباحه أن أكتب أعمالا أرضى عنها أولا ومن ثم تجد قبولا عند الناس.. مشروع لا يمكن له أن ينتهي لمجرد الخسارة لمرة أو مرتين أو حتى ثلاث، ولا يمكن المقامرة برأس ماله في أي لعبة غير حقيقية أو غير متقنة.
لا أخشى الصحافة بل على العكس تماما أحاول ترويضها وتهذيبها لكي تخدم مشروعي الكتابي، وهي تحدي مهم كما ذكرت سابقا للمحافظة على نفس الصحافة على حدة ونفس الكتابة الأدبية على الضفة الأخرى.

اقرأ أيضا