الاتحاد

دنيا

الضمير.. كيف يتكون؟

أبوظبي (الاتحاد) يولد الطفل بريئًا، تلقائي التصرف، سليم الطوية، وفي سنوات التنشئة الأولى يتكون لهذا الطفل ضمير هو في الواقع رافد من ضمير والديه، فمن خلالهما يعرف قاعدة الثواب والعقاب، إذا أحسن – من وجهة نظر والديه – يثاب، وإذا أساء كان العقاب.
والطفل في جميع الأحوال يعجز إدراكه المحدود عن استيعاب مفاهيم الوطن أو الخير والشر أو العقيدة الدينية، إلى غير ذلك مما ينطوي عليه الضمير الراشد. وهكذا يكون ضمير الطفل مرآة لوالديه، حتى إذا بلغ وكبر بدأ الضمير في التكون، ليتسق ضميره مع قيم المجتمع وتقاليده وأعرافه الاجتماعية وقبل ذلك المعتقدات الدينية.
ولا نجد معنى للضمير إلا هذا التعبير القرآني العظيم (النفس اللوامة)،أي الرقيب الخاص داخل كل إنسان أو “الأنا الأعلى” التي تحاسب الإنسان في داخله حسابًا عسيرًا عما بدر منه من ممارسات وسلوكيات يأباها الضمير.
يقول الدكتور أحمد عكاشة رئيس الاتحاد العالمي للأطباء النفسيين السابق: “إن الحياة قد تعقدت ولم تعد هي تلك الحياة البسيطة التي كنا نحياها في الماضي، والتي كانت تحكمها أعراف تنطوي على قيم جليلة كالتواد والتراحم والحرص على احترام إنسانية الآخرين، حين كان المجتمع يطرح الفردية والأنانية الذاتية. ومجتمعنا الآن باتت تعوزها القدوة، فالأفراد يعرفون ويسمعون الكثير عن انحرافات تؤرق ضمائرهم، بل هم يرونها تقع في أوساط ومستويات كان الأولى أن تتسم بالنزاهة، كما يشهدون أن العقاب قد يلحق بالبعض دون البعض الآخر، وتجد من ليس عنده يؤخذ منه، ومن عنده يضاعف له العطاء!!
البعض يأمر دومًا بالمعروف وينسى نفسه! الخطب في الشعائر الدينية لا تقدم للناس تفسيرًا مقنعًا لما أصاب المجتمع من عطب! ويضيف: “ نذكر جميعًا – خاصة أصحاب الأعمار المتقدمة – أن الدهشة كانت تعترينا إذا سمعنا من يحكي في استنكار أنه توجه لمرفق حكومي لقضاء مصلحة هي من حقه، فإذا الموظف – صغيرًا كان أو كبيرًا – يفاجئه بطلب رشوة – مادية أو عينية – حتى يقضي له مصلحته، كذلك كان من النادر أن يستجيب صاحب الحاجة لمثل هذا الابتزاز فضلاً عن إصراره على قضاء مصلحته دون أي مقابل، وقد يحذر هذا الموظف علنًا من مغبة هذا المسلك المشين. والآن يأتي السياق مخالفًا تمامً لما كان عليه في الماضي، فصاحب الحاجة – أي حاجة - يحكي بدهشة عن أنه ذهب لقضاء مصلحة ما، وأنه قد أجيب إلى ما أراد دون أن يطلب الموظف مقابلاً عينيًا أو ماديًا، وقد يواصل صاحب الحكاية حكايته فيصرح بأنه كان على استعداد لدفع أي شيء يطلب منه، فهو حيث قصد هذه المصلحة الحكومية قد وقر في نفسه أن “الدفع” أمر معتاد، وكأنه قد أصبح القاعدة والقاعدة قد أصبحت الاستثناء!!
وينبه د. عكاشة إلى أن التحايل على تبرير فساد مجتمعاتنا باستحضار الأجنبي الذي يقف وراء ذلك، ليس على شيء.. ذلك أن “الأجنبي لو أراد لنا هذه الشرور المستطيرة لما استطاع دون إعانة منا.. وأظن أن ممارستنا تقدم له هذه الإعانة بأحسن ما تكون الإعانة ومع ذلك فإنني أشك كثيرًا في أن الأجانب مشغولون بنا إلى هذا الحد، فلو كنا شاغلهم الوحيد لما تفرغوا لما يحققون كل يوم من تقدم وانجاز نكتفي نحن أمامه بالذهول والانبهار.

اقرأ أيضا