الاتحاد

دنيا

الأجيال الجديدة من الأدوية نجحت في إزالة بعض الغموض المحيط بالأمراض النفسية

الطب الحديث نجح في كشف بعض أسرار الأمراض النفسية  (أرشيفية)

الطب الحديث نجح في كشف بعض أسرار الأمراض النفسية (أرشيفية)

بدأت في وقت مبكر مع بداية التاريخ محاولات الإنسان لفهم وتفسير الأمراض التي يعاني منها وتؤثر على حالته الصحية والنفسية. وعلى امتداد الأيام كانت هناك محاولات فهم الأمراض النفسية وتحديدها حتى يتم علاجها بالوسائل المتاحة. فهل يعيش العالم في العصر الحديث حالة من الصحة النفسية وراحة البال ؟ أم يستمر تزايد انتشار الأمراض النفسية كنتيجة طبيعية لضغوط الحياة ومشاكلها وتعقدها لتصيب الجميع؟ سؤال يفرض نفسه، ونحاول الإجابة عليه من خلال قراءة لملفات الطب النفسي في تقارير دوائر الصحة العالمية حول الاضطرابات النفسية في العالم.

أبوظبي (الاتحاد) - يقول الدكتور لطفي عبدالعزيز الشربيني، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة:” لعل أهم ما حدث من تطور في الطب النفسي على مدى القرن العشرين الماضي هو إزالة الغموض الذي ظل يحيط بالأمراض النفسية لوقت طويل، وكشف أسبابها بما يساعد على وضع أساليب العلاج ، وكان الفضل في ذلك إلى الاختراعات التي ساعدت الأطباء على اكتشاف تركيب المخ والجهاز العصبي وفهم الكيمياء النفسية فالجهاز العصبي يتكون من بلايين الخلايا العصبية تتواجد في مجموعات داخل الرأس وتقوم كل منها بوظيفة محددة، ويتم الاتصال والتفاهم والتنسيق فيما بينها عن طريق إشارات كهربائية وكيميائية ومواد يطلق عليها الموصلات العصبية وأدى فهم كيمياء المخ إلى التوصل إلى أسباب الأمراض النفسية التي غالبا ما يصاحبها تغيير في مستوى هذه المواد الطبيعية في مراكز المخ، وعند استخدام أدوية تعيد الاتزان الطبيعي لهذه المواد فان الأعراض المرضية للاكتئاب والفصام والوسواس القهري تتحسن بصورة ملحوظة” .
التطورات الجديدة
يشير الدكتور الشربيني:”من التطورات الجديدة التي أسفرت عنها الأبحاث في الطب النفسي هو إمكانية إخضاع مرضى الاكتئاب والفصام والوسواس القهري إلى بعض الفحوص والتحاليل المعملية للتأكد من تشخيص الحالة وتحديد شدتها أسباب وجذور الأمراض النفسية تمثل أملا في السيطرة على انتشارها والحد منها عن طريق الوعي الصحي لدى قطاعات كبيرة من الناس باستخدام وسائل الأعلام والتوعية التي تصل إلى كل مكان، فنظرة الناس إلى المرضى النفسيين والوصمة التي تحيط بهم يمكن ازالتها حتى ينظر الجميع إلى الأمراض النفسية مثل رؤيتهم لأي مرض آخر، ويمكن أن يسهم التعاطف مع المرضى النفسيين في تخفيف معاناتهم واندماجهم في المجتمع مما يخفف كثيرا من عبء الأمراض النفسية على الفرد والأسرة والمجتمع، فهناك تقدم كبير في وسائل التشخيص وتطوير الأجهزة التي تقيس الوظائف العقلية يمكن أن يسهم في تحديد وتصنيف الأمراض العصبية والنفسية بصورة دقيقة ومن ثم يتم اختيار الأسلوب الأمثل لعلاجها”.
الأدوية النفسية
يكمل الدكتور الشربيني :” هذه الجهود أثمرت عن ظهور أجيال الجديدة من الأدوية النفسية التي تمثل بلا شك تقدما ملحوظا وأملا كبيرا في تحقيق نسب أعلى من الشفاء ، فقد زادت فرص الشفاء لمرضى الفصام من 25% في احسن الأحوال إلى أكثر من 70% حاليا باستخدام الأدوية الجديدة المضادة للذهان ، كما زادت فرص شفاء مرضى الاكتئاب باستخدام الجيل الجديد من العقاقير”.
ويوضح الدكتور الشربيني :” من المهم فتح ملفات الأمراض النفسية وإلقاء نظرة على الوضع على مدى السنوات الماضية، وأن نأخذ في الاعتبار اتجاه انتشار الأمراض النفسية في كل مجتمعات العالم بالصورة التي وردت في الإحصائيات والتقارير العالمية. فهل يستمر هذا الانتشار بحيث يقول الواحد منا للآخر:” أنا تعبان نفسيا فيرد عليه قائلا – وأنا أيضا”، وهل يستمر تزايد الانفعالات والضغوط التي تهدد الصحة النفسية لإنسان العصر الحالي ؟ونذكر هنا على وجه الخصوص الحالات البينية ونعني بها التي تتخذ منطقة وسطى بين المرض النفسي والحالة السوية، ومن أمثلتها التوتر والغضب وزيادة معدلات التدخين والإدمان، والسلوكيات غير السوية مثل الإسراف والتمرد والتعالي على الآخرين ..كما نذكر بصفة خاصة أمراض العصر التي تهدد حياة الإنسان ومنها على سبيل المثال أمراض القلب سبب الوفاة الأول وضغط الدم والسكر والقرحة وغيرها من الحالات التي نطلق عليها الأمراض النفسية الجسدية أو السيكوسوماتية.

العوامل الوراثية
من جانب آخر تشير الدكتورة مها سليمان يونس، رئيس قسم الطب النفسي بجامعة بغداد، إلى دور العوامل الوراثية في الأمراض النفسية، وتقول:” لاحظ العوام من الناس ومنذ أقدم العصور، بروز حالات الإصابة بالمرض العقلي لدى نفس العائلة وبالأخص الأسر المعهود لها بالزواج من الأقارب وقد تتكرر هذه الحالة لأجيال عدة مما دفع العلماء والباحثين إلى إجراء التجارب العلمية والبحوث الرائدة لتأكيد أو نفي دور العامل الوراثي في الأمراض النفسية ومع ازدياد سرعة التقدم العلمي وتطور الوسائل البحثية اثر التقدم التكنولوجي العالمي، ترسخ المفهوم حول هذا بالموضوع وعزز بالنتائج المتأتية من استخدام الطرق الحديثة في البحوث العلمية”.
تأثير كمي ونوعي
وتضيف الدكتورة مها يونس” الأمراض النفسية أو العقلية تشمل على طيف واسع من الاعراض المتباينة في شدتها وتأثيرها الكمي والنوعي على حياة المريض وفعاليته كانسان منتج وفعال في المجتمع حيث تعود كل مجموعة من الأعراض إلى تصنيف تشخيصي معين يكون مفهوما لدى أطباء النفس والعاملين في حقل الصحة النفسية لكنه يبقى مبهما لدى الغالبية من الناس وتتملكهم مشاعر ومفاهيم مشوشة حول ماهية المرض النفسي وأسبابه لكون الطب النفسي قد ظل محاطا بالأوهام والخرافات التقليدية الشائعة التي يتداولها الناس ويكاد لا يخلو منها أي مجتمع بشري مهما بلغت درجة تمدنه وخضعت الأمراض النفسية لشتى الأفكار الموروثة والتي اثبت الطب الحديث بعدها عن الحقيقة بالأدلة والبراهين ومع هذا استمرت تغلف أذهان الناس إلى يومنا هذا، ففي الأمراض الباطنية تكون العلاقة الوراثية ظاهرة للعيان ومباشرة أكثر مما هو عليه الحال في ميدان الأمراض النفسية،
أما في الطب النفسي فيقتضي الأمر قدرا أكبر من الإلمام بتاريخ العائلة المرضي بالتفصيل مع الأخذ بأسباب نشوء المرض بالدقة التامة قبل الحكم على التأثير الوراثي وانتفاء المسببات الأخرى للمرض كان تكون عضوية المنشأ كأورام الدماغ أو حصول ضربات على الرأس والحميات التي تصيب أغشية الدماغ، وتؤدي إلى ظهور أعراض مطابقة لإعراض الأمراض الذهانية، من هنا يمكننا القول إن البحث عن العلاقة الوراثية يعتمد طريقا أطول وأكثر تعقيدا مما هو الحال في الطب الباطني. كما تشكل الأمراض الذهانية الجزء الأكبر في تصنيف الأمراض النفسية من حيث الأهمية نظرا لتأثيرها على شخصية وذكاء وتصرفات المريض ولعل أكثرها شيوعا هو مرض الفصام العقلي، الذي يسمى في بعض الأدبيات الطبية بسرطان العقل كتعبير عن تأثيره المدمر على المريض ومستقبله الاجتماعي والمهني، وتلعب العوامل الوراثية دورا هاما في تكوين مرض الفصام بصورة خاصة وبقية الأمراض الذهانية بصورة عامة وتكون آلية انتقال المرض هو ما يعرف بالاستعداد الوراثي،

الأمراض الذهنية والعصبية

تبلغ نسبة وقوع مرض الفصام في عامة الناس حوالي 1 % في كل المجتمعات والدول بصورة عامة وعند دراسة العائلات المصاب احد إفرادها بمرض الفصام لوحظ ازدياد هذه النسبة إلى 14 % إذا كان المريض هو أحد الأبوين و 25 % إذا كان كلا الوالدين مصابين بالمرض في حين تنخفض إلى 5-8 % لدى إصابة احد الأشقاء مما يوضح أيضا أهمية العامل الوراثي في رفع نسبة الاستعداد للإصابة المستقبلية بنفس المرض.
وهناك الأمراض الذهانية الأخرى والتي لا تقل أهمية عن مرض الفصام وإن كانت أقل شيوعا وأبرزها هو مرض الهوس الاكتئابي، أو ما يعرف بالاكتئاب ثنائي القطب الذي يجتاح القدرة العقلية للمريض ويسلب منه الحكمة والتوازن النفسي والعقلي ويكون مصحوبا بتقلبات شديدة للمزاج من أقصى الشعور بالكدر والسوداوية إلى انفلات المرح غير المنضبط واختلال السلوك العقلاني بنتيجة الشعور بالمرح والفخار المتعاظم وهنا يتضح تأثير العامل الوراثي لدى تتبع ومراقبة التاريخ المرضي للأسرة المصاب أحد أفرادها بهذا المرض.
وهذه الأمراض تشتمل على وجود الأوهام العقلية والهلاوس السمعية غالبا وفقدان مقومات التفكير المنطقي والسليم ولكن هناك طائفة كبيرة مما يدعى بالأمراض العصابية والتي تتصف باحتفاظ المريض بصفاء عقله وقابلية التفكير السليم ولكن تكون شكواه ومعاناته عاطفية وتؤثر على شعوره وتصرفاته من دون المساس بقابليته العقلية وعلى سبيل المثال لا الحصر اضطرابات القلق الحاد والمزمن والرهاب “الفوبيا” والوسواس القهري والهستيريا، وفي هذه الطائفة من الأمراض قد تلعب العوامل الوراثية دورا، ولكن التركيز يكون أكثر على العوامل الظرفية والمحيطية وأسلوب التربية الذي تلقاه المريض في طفولته أكثر من الاستعداد الوراثي وان كانت بعض الدراسات قد أظهرت تأثيرا للعوامل الوراثية إلا أن هذا التأثير يبقى محدودا ومنوطا بالعوامل المحيطية وظروف الحياة وتجارب الطفولة بشكل أقوى وأكثر وضوحا

اقرأ أيضا