الاتحاد

تقارير

موجابي··· فرص المغادرة الأصعب

 قبضة  موجابي  الذي تجاوز الثمانين لا تزال محكمة على وسائل الإعلام  كافة

قبضة موجابي الذي تجاوز الثمانين لا تزال محكمة على وسائل الإعلام كافة

من شدة إطالة أمد حكمه لهذا البلد، حتى أصبح الرئيس ''الأبدي'' ''روبرت موجابي'' شيئاً شبيهاً بالشوائب العالقة في الغلاف الجوي، التي لا بد للمرء من أن يتنفسها كلما استنشق الهواء، هذا هو ما قالته ''جلاديس ستهول'' -من زيمبابوي- التي أصبح مستحيلاً عليها تخيل بلادها دون شبح ذلك ''الرجل العجوز'' القابع في سدة الحكم دون أن يتزحزح عنها أو يبرحها، على رغم فشله وإخفاقاته التي لا تحصى· وكانت تعمل هذه السيدة - وهي أم لثلاثة أطفال- موظفة حسابات في أحد محال الغسيل الجاف، إلا أن الوظائف من هذا النوع تبخرت من زيمبابوي منذ فترة ليست بالقصيرة، وبعد أن فقدت وظيفتها تحولت إلى بائعة متجولة في طرقات مدينة ومجتمع منهارين، بلغت نسبة التضخم معدلات غير مسبوقة، ما يعني تحول المال إلى لا شيء، بينما شحت السلع الأساسية إلى درجة أجبرت المواطنين على شراء شريحة من لوح صابون الحمام والغسيل، وكذلك شراء قطرات من زيت الطهي تباع بالملعقة!
وفي غمرة هذه الأزمة الخانقة والتدهور المريع في مستوى حياة المواطنين، يقترب موعد الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في التاسع والعشرين من شهر مارس الجاري، ومن الطبيعي أن تأمل السيدة ''ستهول'' وأمثالها كثيرون، أن تشهد هذه الانتخابات سقوط ''موجابي'' وزوال شبحه من سدة الحكم في نهاية المطاف، وتعلق ''ستهول'' بقولها: ''لا شك أن موجابي بطل من أبطال التحرير، ولكن اليوم هناك معركة أكثر أهمية من بطولة الاستقلال بكثير، إنها حق المواطنين في العيش والبقاء، فبدلاً من صيانة هذا الحق، ها هو موجابي يقتلنا جميعاً''·
وربما يتحقق لهذه المواطنة حلمها بزوال ''موجابي'' في انتخابات نهاية الشهر الجاري أخيراً، فالعبء الذي يقع عليه ليس قاصراً على تزايد حالة البؤس والظروف المأساوية التي تعيشها عامة الشعب فحسب، وإنما تضاف إليه المنافسة القوية التي يواجهها من قبل اثنين من خصومه السياسيين، أولهما ''مورجان تسفانجراي'' وهو معارض واسع الشهرة ويتمتع بدعم قوي من قبل النقابات والاتحادات المهنية، وكان قد سبق له أن أحرز نسبة 24 في المائة من إجمالي أصوات الناخبين في انتخابات عام 2002، حين لم يزد معدل التضخم في البلاد على نسبة 931 في المائة فحسب، أما منافسه الثاني فهو ''سيمبا ماكوني'' الذي تولى منصباً وزارياً لمرة واحدة فحسب سابقاً، ويحظى بدعم كبير في صفوف الحزب الحاكم نفسه· والملاحظ أن كلا منهما ليس قادرا على انتظار موت موجابي، قبل أن يخلفه أي منهما في رئاسة البلاد·
وبعد، فهل تكون هذه فرصة سانحة لترجل هذا ''البعبع'' الأفريقي الذي يتحمل المسؤولية كاملة عن كل الفظائع والانهيار الاقتصادي المأساوي الذي شهدته بلاده؟ لا أحد يستطيع أن يجزم بالطبع· لكن وفي حال خسارته لهذه المعركة الانتخابية، فهل يتوقع له أن ينصرف لحاله بهدوء وسلام؟ وهل تدفع نتائج انتخابات متنازع على نتائجها، هذا البلد إلى هوة الفوضى والعنف مثلما حدث في كينيا؟ على أن المثير للمخاوف والقلق أنه لا سبيل مطلقاً لتوقع إجراء انتخابات نزيهة حرة في زيمبابوي· ذلك أن أهمية الناخبين الذين يدلون بأصواتهم في هذه الانتخابات، وبالتالي يحددون نتائجها افتراضاً، لا يمكن لها أن تقارن بأية حال بالأهمية الكبيرة التي يحظى بها الطاقم الإداري للانتخابات، وهو المسؤول عن فرز الأصوات والإعلان عن نتائج العملية الانتخابية 2002·
وللسبب عينه، فإن مشاركة السيد ''ماكوني'' ضمن قائمة المرشحين الرئاسيين لهذا العام، تبدو مثيرة للقلق هي الأخرى؛ فقد تولى ''ماكوني'' منصب وزير المالية من عام 0002 وحتى 2002، إلى جانب عضويته في المكتب السياسي لحزب ''زانو-بي إف'' الحاكم -جبهة الاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي- إلى أن تم إقصاؤه مؤخراً بسبب تمرده ودخوله في قائمة الترشيح للمنصب الرئاسي، وبهذه الصفة فإن ترشيح ''ماكوني'' يقوم على شعوره بعدم الرضا عن حزبه الحاكم، ما يعني انقسام الحزب على نفسه، على حد قول ''جون جوكوفا'' -زعيم التحالف المسيحي المؤلف من مجموعات دينية ناشطة مدنياً- والمثير للقلق هو أنــه وفيمــا لو جرى تزوير نتائج الانتخابات المقبلة، فإنه سوف يكون لصالح ''ماكوني'' وليس ''موجابي'' بأية حال·
وعلى رغم تجاوز ''موجابي'' لسن الثمانين عاماً، إلا أنه لا يزال قوياً وقادراً على الاستمرار في الحكم، إلى جانب إحكام قبضته التامة على كافة وسائل الإعلام في البلاد، ما يوفر له فرصة البث المستمر لشتائمه الفاجرة المقذعة لخصومه السياسيين ومنهم ''كوني''، الذي يصفه بما لا يسهل وقعه على الأذن، هذا إلى جانب الرشاوى الغذائية والمالية التي دأب ''موجابي'' على توزيعها على مؤيديه في مثل هذه المناسبات بهدف شراء أصواتهم، فإن له من وسائل الترهيب الانتخابي الأخرى، بما فيها نشر الكتائب الشبابية التابعة له في الشوارع، وهي لا تتورع عن ضرب كل من تسول له نفسه تأييد منافس آخر غير موجابي، وقبل أسبوعين ماضيين تصدت هذه الكتائب بالضرب لعناصر اتحاد المعلمين التقدميين، التي أعلنت تأييدها لمنافسه ''تسفانجراي'' وتنظيمه السياسي المسمى ''حركة التغيير الديمقراطي''·

باري بيراك- زيمبابوي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا