الاتحاد

تقارير

إيران والمصافحة المنتظرة مع واشنطن

 الفخر  شعور الإيرانيين بسبب مناورتهم الأخيرة بالقرب من السفن الأميركية في الخليج

الفخر شعور الإيرانيين بسبب مناورتهم الأخيرة بالقرب من السفن الأميركية في الخليج

''علي رضا'' مواطن إيراني عادي يبلغ من العمر 20 عاما ونيفاً، يعمل منتجا في إذاعة إيران الرسمية، وكان قد عاد إلى إيران منذ سنتين بعد أن قضى سنوات نشأته في ''نيويورك''، وسنوات دراسته في إحدى جامعات النخبة الكندية، وهو يتقن اللغتين الإنجليزية والفارسية إتقانا تاما، ويجيد العربية، ويمتلك صلات قوية بدوائر حكومية نافذة لا شك أنها ستفيده كثيرا في جمهورية إيران الإسلامية المتطورة في القرن الحادي والعشرين، من هذه الزاوية، لا يعتبر ''علي'' موظفا عاديا في دولة مثل الجمهورية الإسلامية، وإنما يمكن النظر إليه- على ضوء ذلك- على أنه يمثل وجها رمزيا لمستقبلها الدبلوماسي· إذا ما أجبر نفوذ إيران المتنامي على الساحة الإقليمية ''واشنطن'' خلال سنوات من الآن، على منحها وضعية الحليف، فإنه من الممكن جدا بالنسبة لـه أن يصبح جزءا من المصافحات الرسمية التي ستتم بمناسبة توقيع هذه الصفقة·
كانت الزوارق الإيرانية البحرية السريعة، قد غامرت مؤخرا بالاقتراب إلى مسافة تقع في مدى نيران المدمرات البحرية الأميركية في الخليج العربي، مما كاد يتسبب في وقوع أزمة دولية، وعقب الحادث مباشرة، استخدم ''البنتاجون'' نبرة تصعيدية، سرعان ما تراجع عنها، معترفا بأن البحرية الإيرانية لم تهدد بـ''تفجير'' السفن الأميركية كما كان قد ادعى أصلا· وقد نظر المسؤولون العسكريون الإيرانيون إلى ذلك الحادث باعتباره نصرا تكتيكيا، مكنهم من إظهار قوتهم في مياه الخليج، فبالإضافة إلى الإنجاز الدبلوماسي الذي حققوه من خلال تفوقهم على واشنطن في لغة التصريحات الدبلوماسية، فإن العديد من الاستراتيجيين الإيرانيين، شعروا بالفخر، بسبب المناورات التي قاموا بها على مسافة قريبة للغاية من السفن الحربية الأميركية، والذين رأوا أنها تثبت صحة الاستراتيجية البحرية التي يتبعونها·
وفي الوقت الراهن تؤكد دوائر النخبة الإيرانية أن الوقت قد حان، كي تتولى دولتهم قيادة المنطقة، فمع تزايد مداخيلها من بيع النفط، فهي التي تعد ثالث أقوى دولة في المنطقة بعد إسرائيل وتركيا، والتي تتمتع بموقع جيوبوليتيكي فريد، وصلته خلال الثلاثين عاما الأخيرة·
كما أن التحالف الذي أطلق عليه لفترة قصيرة ''المحور السني'' والذي كان الغرض منه مواجهة ''الهلال الشيعي''، قد سقط عقب إقدام الدول ذات الأغلبية السنية، على إطلاق بعض المبادرات الدبلوماسية تجاه إيران، وفي نفس الوقت، ازدادت شعبية الرئيس الإيراني في المجالس الخاصة، في العديد من دول المنطقة لأنه الوحيد -كما يرى المواطنون العاديون في تلك الدول- الذي يمتلك الجرأة على أن يقول لأميركــا علنــا، مــا يرغبــون هــم فــي قــرارة أنفسهــم في قولــه لهــا، خصوصا فيما يتعلق بسياستها في منطقتهم·
وفي طهران، نجد أن الجميع قد قرأوا تقرير الاستخبارات الوطنية الأميركية الصادر في ديسمبر الماضي، على أنه ينبع من حقيقة أن إدارة بوش، قد أدركت في النهاية أن الضغط الخارجي سواء كان سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا، لن يستطيع احتواء إيران، من هذا المنظور، فإنهم يرون أيضا أن تقرير الاستخبارات الوطنية الأميركية، قد وفر لإدارة ''بوش'' آلية مريحة لإنقاذ ماء الوجه، تسمح لها بالتخلي عن محاولتها لتعزيز التحالف الدولي المتداعي ضد إيران، كما تؤجل العد التنازلي للمواجهة معها، وتلقيه على كاهل الإدارة التالية·
على الرغم من سعادته بالوعود والآمال التي يمكن أن يحققها التوجه الإيراني الحالي، إلا أن ثقافة المحسوبية السائدة في الجمهورية الإسلامية تزعج ''علي رضا'' الذي يقول إنه يعيش حياة متواضعة لحد كبير، ويتجنب التردد على الحفلات الباذخة التي تقام في الضواحي الشمالية لطهران، وهو يقول إن الشيء الذي يدفعه للخروج من سريره كل صباح هو العمل من أجل حلول هذا اليوم الذي تعترف فيه ''واشنطن'' بطهران كحليف لها في المنطقة، ويقول عن ذلــك: ''عندمــا يتــم التوقيــع علــى تلــك الصفقــة التي سترسم خطوط مستقبل المنطقة بين أميركا وإيران، فإنني أتمنى أن أكون في تلك الحجرة التي سيتم فيها التوقيع ليس كمتفرج وإنما كفاعل، أريد أن اشعر أني عملت بجد من أجل الوصول إلى ذلك اليوم المشهود''·
إن إيران لم تعد هي تلك الدولة ''الخمينية'' التي تسيطر عليها الفوضى كما كان حالها في الثمانينيات؛ فمع استكمال عملية إعادة البناء بعد الدمار الهائل الذي لحق بها أثناء الحرب العراقية الإيرانية إلى حد كبير، فإن النخبة الإيرانية تتبع في الوقت الراهن سياسة وطنية، تهدف إلى تعزيز السيادة الإقليمية، ورغم النبرة الأيديولوجية التي اتسم بها خطاب الحقبة الخمينية، فإن هموم ومشاغل السياسة الخارجية لإيران هي هموم ''براجماتية'' مماثلة لحد كبير للهموم التي كانت تشغل بال الإيرانيين في الحقبة ''الشاهنشاهية''·
ومع تعاظم النفوذ الإيراني في كافة أرجاء المنطقة، والتعثر الأميركي، بعد ارتكاب العديد من الأخطاء، والوقوع في الكثير من المزالق، فإن إيران ترنو حاليا بشوق إلى الجائزة الكبرى المتمثلة في سيادتها على الإقليم، ويمكن لـ''علي رضا'' أن يكون ذات يوم أحد هؤلاء الأشخاص الذين سيتفاوضون حول مستقبل المنطقة مع نظراء لهم من واشنطن·

إياسون اثاناسياديس
زميل بمؤسسة نايمان للصحافة التابعة لجامعة هارفارد الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا