الاتحاد

دنيا

أمل العاثم: وقعت مرات عديدة لكني نهضت ونفضت التراب عني ومضيت بثبات

أمل العاثم (الصور من المصدر)

أمل العاثم (الصور من المصدر)

من أراد الانطلاق في دروب الإبداع فلا بد أن يواصل طموحه بدأب وإخلاص ليجعل من وعيه وجهده شمعة تنير له طريق الألف ميل، هذا ما جعل الفنانة التشكيلية القطرية أمل العاثم تجتاز الصعاب لتصل عالم الشهرة بفنها الصادق ولوحاتها المعبرة عن طموحها وموهبتها الإنسانية الغنية بالمشاعر والأحلام واللحظات المتناثرة بين الفرح واليأس وتحدي الواقع المؤلم أحياناً، سهرت وكافحت حتى غدت عضواً فاعلاً في المجتمع القطري بما أنجزته كفنانة رائدة على الساحة، في وقت كانت فيه المرأة القطرية تحاول أن تفتح الأبواب لتجتاز الأسوار الشائكة حولها ولتؤكد حضورها كإنسان واع وفعال في بناء المجتمع.

(أبوظبي) - الفنانة التشكيلية القطرية أمل العاثم عبرت بصدق وحرية وكانت جريئة بلوحاتها الهادفة ومتميزة بألوانها المعبرة بسحر الجمال عن ذات الفنانة وهموم كل امرأة تؤكد ذاتها وتنشد الحرية والإبداع. والعاثم تمتاز بحس جمالي رقيق وتجربة حرفية عميقة في التعامل مع الألوان ودلالاتها الجمالية. وهي خريجة التربية الفنية في جامعة قطر، وأعمالها التشكيلية عرضت في العديد من البلاد العربية والعالمية، كما حصلت على الجائزة الأولى في معرض الشباب الفني والعديد من الجوائز الأخرى وشهادات التقدير العالمية وهي عضو الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، وجمعية البحرين للفن المعاصر.
“الاتحاد” التقتها وأجرت معها الحوار التالي:

? كل مبدع متميز حقق مركزا لائقا كانت لديه طموحات وسعى لتحقيقها، إما من خلال دافع ذاتي أو بتشجيع من العائلة، وربما يكون بتحدي المحيط الخارجي، حدثينا عن بداياتك في مجال الرسم والتطورات التي مررت بها.
? في البداية درست المرحلة الابتدائية في مصر حيث كان والدي يدرس الماجستير والدكتوراه في القاهرة، وعندما عدنا للوطن كنت في الصف الرابع الابتدائي. في يوم ما طرق باب الصف وكانت معلمة التربية الفنية تسأل عن اسمي فكانت تلك البداية والشرارة الأولى لتعلقي بالفن فقد خضت جميع التجارب الفنية بدءاً من الأعمال الفنية الصغيرة كالأشغال وحتى استخدام أدوات الفن بحرفية أكثر، وقد كانت معلمتي توجهني وتمكنني من أساليب فنية متطورة، بالإضافة إلى والدي اللذين كانا يوفران لي كل ما أحتاجه من مواد وخامات وأدوات. وكان والدي يذهب ويبحث لي عن هذه المواد كي يؤمنها لي. مثلاً، الرسم على الزجاج الذي يرسمه الطلاب في المراحل الثانوية، أنا بدأت برسمه في المرحلة الابتدائية واستطعت أن أتحكم بهذا الرسم فهو صعب ويحتاج إلى الدقة وإلى ألوان معينة، وهكذا دخلت عالم الرسم من هذا المجال الصغير الذي هو الأشغال اليدوية وتطورت إلى صناعة العرائس وأحببت الأعمال اليدوية، في المرحلة الإعدادية جاءتنا مدرسة تربية فنية وكانت رسامة. وإذا كان المدرس فنانا بالأصل فهذا يخلق ويصقل الموهبة ويعطي الحافز الكبير في طريق الفن أكثر من المدرس العادي. فالفن يعتمد على الفكر والإبداع الذاتي.

? تخصصت في العلوم، فكيف تغيرت حياتك وانتقلت إلى عالم الفن؟
? بالفعل تعلقت بالفن والرسم منذ المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الثانوية، ودرست بالقسم العلمي في المرحلة الثانوية وتخصصت في العلوم والأحياء كي أكون طبيبة، وفي سن المراهقة يكون هناك تردد حول حقيقة رغبة الشخص، كانت لدينا حصص اختيارية وحصص أنشطة، كنت أتواجد في هذه الحصص في المرسم حيث أتخلى عن الرياضة وكل شيء وأذهب للرسم، والتحول كان بعد حصولي على الثانوية فقد ذهبت للكويت ودرست هناك لأنها قريبة منا، ولم تكن هناك كلية فنون جميلة بل كان هناك المعهد العالي للفنون المسرحية فتعلمت وتعلقت بالفن، وتتلمذت على يدي الأستاذ عادل المصري وهو من وجهني بالشكل الصحيح، عدت ودرست تربية فنية وتخرجت سنة 95 وعملت مدرسة لمدة خمس سنوات، وكانت من أجمل المراحل بالنسبة لي لأنها تتميز بالعفوية والإبداع وهو الشيء الذي يتمتع به الاطفال في المرحلة الابتدائية. بقيت في هذه السنوات الخمس أعمل على صنع منهج لي مختلف عن الآخرين، وحتى تقييمي للطلاب كان مختلفا، توجهت الأنظار نحوي ونحو نشاطي فغدوت منسقة في منظمة “اليونيسكو”، وأنا أحب دوماً أن أدخل في تجارب مختلفة فلم يقتصر طموحي على أن أكون مدرسة فقط، بل شاركت في مهرجان الدوحة الثقافي الأول في سنة 2002 بتصميم “عربة أمير السلام” وكانت السيارة التي صممتها عبارة عن قلم يحمل شعار وزارة التربية والتعليم، وتميز العمل، ما جعلني أحصل على ثناء المسؤولين. كذلك كان لي اهتمام بالمسرح ما جعلني أخوض تجربة تصميم الديكور، فأنا أعتبر كل ذلك أنشطة لأن لدي طاقة كبيرة، وأنا أحب العمل الدؤوب والمتواصل.

? تنقلت بين العديد من المدارس الفنية فأين تجدين نفسك؟
? في الجامعة لم يعلمونا الرسم والفن على أصوله، فبدأت من المدرسة الواقعية حيث كنت معجبة جدا بمايكل آنجلو وأخذت أحاول في كل يوم وخرجت من هذه السنين الثلاث بمائتي لوحة، ومن المدرسة الواقعية خرجت بقدرة على التلوين حيث كانت الصورة في البداية بالأبيض والأسود، ثم أخذت ألونها وهذا ما كان يميز أعمالي. وقد تم عرض أعمالي في الوزارات والسفارات وفي الأماكن المهمة. ودفعني شغفي بالفن لأطور نفسي وجعلني أكثر من التجارب والممارسات الفنية حيث بدأت في المدرسة الواقعية، ثم تطورت أعمالي فأخذت أجرب في المدرسة التأثيرية والانطباعية ثم التجريد وفن الفيديو والنحت، فالفن لدي هاجس وحياة وزادي اليومي، وكان لاتصالي بالفنانين من خارج بلدي أثر كبير في الوعي والثقافة المختلفة بتشكيل وخلق شخصيتي الفنية.
وغدت لدي مجموعة من هذه التجارب كنت أبحث من خلالها عن نفسي، أي أين موقعي في هذا البحر الواسع من الفن؟ وبذات الوقت تكونت شخصيتي وتبلورت ففي مرحلة عمرية لدى الفنان اتجاهات تكون بمثابة ثوابت وقيم ومبادئ يعمل عليها، والعمل الفني هو جزء من شخصيتي. وهناك أشخاص متعددون يكون عملهم الفني مختلفاً عن شخصيتهم حيث يكون مجرد تلوين أو مساحات لونية، لكن بالنسبة لي هو فن حقيقي حيث يجب أن يكون جزءاً مني ونابعاً من ذاتي.
? هل مارست الكتابة إلى جانب الرسم؟
? أحب الكتابة، لكن الكاتبة تحتاج لجرأة كبيرة، لتكون عندها مصداقية وتخلق كياناً لقلمها، بالنسبة لي من الممكن أن أكون صريحة وواضحة بأعمالي ولكن لا بد أن تكون هناك أمور مستترة، لذلك فضلت الفن التشكيلي الذي أطرح فيه جميع الخوالج الوجدانية التي تدور في نفسي، فإن كان هناك تمرد أو جرأة أو رفض أو طرح فيكون من خلال أعمالي بما فيها من دلالات وإيحاءات تنم عن أفكار تجعل المتلقي يبحث عن ماهية هذه الفكرة.

?بالنسبة لتجربتك في المدرسة الواقعية التي كانت بدايتك من خلالها والحداثة اليوم، أين تجد أمل نفسها اليوم؟ وكيف تنظرين لبعض الأعمال التي تجاوزت من خلال الحداثة حد اللامعقول؟
? انطلقت من الواقعية والتي هي بمثابة جسر ومرحلة أعبر من خلالها إلى نفسي، الحداثة من الممكن أن تعبر عن خوالج النفس بصراحة حيث تعمل على إخراج الفكرة وإظهارها من خلال العمل الفني، فهي تخلق فكرا جديدا وإبداعا وتميزا، وهذا الشيء الذي أحبه والذي أجد نفسي به. فأنا أبدأ من لوحة بيضاء وأضيف الألوان وأرسم وأنثر وأجرد وأرسم ضبابية وأسبح في عالم آخر وأضع فكرتي في هذه اللوحة. لكن هناك الحداثة التي تصل إلى حد غير معقول، وأنا أرى أنه يجب أن يكون الإبداع حقيقياً حتى في الفن المفاهيمي وأن تكون لتلك الرموز معنى وهدف حتى تستطيع أن تدخل في نطاق الفن.

? تحدثت عن حبك للكتابة، ما هو نوع الكتابة التي تستهويك، وهل لك كتابات كمذكرات أو شعر أو قصص قصيرة؟ وبالنسبة لقراءاتك لمن تقرئين؟
? بدأت من مكتبة والدي في سن صغيرة، كانت بدايتي مع الروايات لنجيب محفوظ مثل السكرية وبين القصرين، وكنت أدخل في عوالم كبيرة وكنت أعلم أن هناك أشياء لا يجب أن أقرأها وليست هي لمن هم في مثل سني.
واهتممت في فترة معينة بالكتب المترجمة للكتاب الأجانب المسلمين مثل ريد كايت وغيره هذه الكتب التي تشرح الإسلام بشكله الصحيح للغرب، وكنت أتمنى أن يوجد كتاب يردون على الغرب الذي شوه صورة الإسلام والذي يصورنا نحن النساء المسلمات بالمستضعفات، وبأننا خلقنا فقط كي نقص أظفار الرجل ونغسل قدميه، أحب الأدب والشعر والكتابة، هناك الكاتبة أحلام مستغانمي التي وجدت في الكثير من كتاباتها مشابهاً لما يدور في داخلي، وقد نلتقي في الفكرة ذاتها. فعندما تحدثني عن كتاباتها وأنا أحدثها عن أعمالي نجد أننا نلتقي في نقطة واحدة، وهي أن الأنا أكثر من أكون أنا. هي صريحة جداً في كتاباتها حتى في روايتها ذاكرة الجسد، وأنا كذلك صريحة جداً حيث إني في بعض الأعمال أرسم ما يدور بداخلي بواقعية، فعلى سبيل المثال أمثل في لوحتي أكثر من امرأة وأنا أعني امرأة واحدة.

?عالم الألوان يحتاج لإنسان متذوق للجمال بدرجة عالية، هل اختيارك للألوان يكون بشكل عفوي أم هناك تنظيم وحسن اختيار للألوان؟
? الألوان تأتي من البيئة والمحيط الذي تعيشين فيه. مثلا، إن كانت بيئتك بجانب البحر، أو كنت تعيشين في مكان محاط بالأشجار والطبيعة الساحرة. كذلك هناك الناحية المادية، فهي تؤثر في شخصية الفنان.
منذ صغري كنت أحب التنسيق، وكنت أنسق ملابس والدتي وألوان هذه الملابس فأنا أحب تنسيق الألوان ورصفها إلى جانب بعضها بجرأة ووضعها بدرجات معينة. أنا أحب التميز حتى بألواني، ولكن بالدرجة الأولى يجب أن يكون مريحا للنظر. لدي مجموعة ألوان قد تكون غريبة ولكنها ليست متنافرة، وهذا شيء يأتي من الإحساس.




المرأة لا تستطيع أن تستسلم
بالنسبة للمرأة التي تمثلها من خلال لوحاتها تقول: مجتمعنا ذكوري نسبياً، ولكن هذا يعتمد على شخصية كل فرد بالمجتمع. فالمرأة لا تستطيع أن تستسلم، ولماذا الاستسلام؟ لماذا يجب أن يكون الرجل هو الأفضل؟ وبماذا هو أفضل؟ من الممكن أن تكون المرأة أفضل. ليس الرجل بمظهره، فالرجولة توصف بالأفعال، فإن كان هناك رجل يتصرف خارج صفة الرجولة والقيم والمبادئ فهو يفقد هذه الصفة ويكون مجرد ذكر، والمرأة عليها أن تحاول وتحاول بجد، فمن خلال مسيرتي على سبيل المثال كان هناك الكثير من لحظات الإحباط، ولكني تعلمت منذ أن كنت صغيرة، ومن خلال الظروف التي مرت في حياتي وسأشبه نفسي بالتي تقع عدة مرات وتعود وتقف وتنفض عنها التراب وتمضي من جديد بصبر وثبات وعزيمة أكبر.

التواصل والتعاون

عن التواصل والتعاون بين المرأة القطرية وأخواتها في باقي دول الخليج، تتحدث أمل: ليس هناك ما يسمى بعدم التواصل، فهناك الملتقيات الأدبية تجمعنا والملتقيات الثقافية والفنية. نحن سنويا لدينا مهرجان الدوحة الثقافي والذي يعتبر أكبر ملتقى ليس فقط للخليج، بل لكل الوطن العربي. كذلك لدينا ملتقى لسيدات الأعمال، وكان في الأسبوع الماضي مقاما في دولة البحرين حيث اجتمعت سيدات أعمال الوطن العربي. نحن على تواصل مستمر وليس على نطاق الوطن العربي فقط، بل نتصل بالسيدات في المهجر وذلك على نطاق جميع الأنشطة. أنا أيضا على تواصل مع الكاتبات والأديبات، ويوجهن لي دعوات وأحضر لهن، وكان هناك ملتقى كبير للأديبات والكاتبات العربيات من ضمن فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة.

المرأة تعني لها الحياة

اهتمت بالمرأة في لوحاتها، ولديها عدة معارض بعنوان رحلة امرأة، هذا الاهتمام يأتي لأن المرأة تعني لها الحياة وهي رمز يحمل معاني كثيرة وكبيرة وتنطلق منه جميع مقومات الحياة وقد كانت ومازالت المرأة صامدة وقوية حتى وهي خلف الجدارن والأبواب، وتستطيع أي امرأة الخروج إلى المجتمع لتحاول أن تأخذ مكاناً فيه من خلال عملها. فقد كانت من أوائل اللاتي خرجن للإعلام في مجال الفن التشكيلي وواجهت العالم، فأصبحت أعمالها تعرض في جميع المعارض والمحافل وتتحدث عن تجربتها دون قيود. وهذا أعطاها دافعاً ومسؤولية كي تتحدث عن بنات جنسها، فعندما تتحدث عن المرأة، تتحدث عن مجتمعنا والثقافات المختلفة والقضايا التي تعني المرأة وكيانها، فقد كان ظهور المرأة في المجتمع ومشاركتها في بنائه جنباً إلى جنب مع الرجل واضحاً، فأصبح هناك تكامل في بناء دولتنا. وهذا بالفعل ما صورته في أعمالها.

قصيدة شعرية

اللوحة هي قصيدة شعرية تبدأ بحرف وتنتهي كقصيدة، سواء كان شعراً منظوماً أومنثوراً أو كتابة رواية، يقاس العمل الفني بذات الكيفية التي يقاس بها العمل الأدبي، ففي معرضي مثلا هناك أعمال تمثلني، وكذلك الشاعر ينظم القصيدة من منبع ذاته.

اقرأ أيضا