صحيفة الاتحاد

الإمارات

قواعد الاشـتباك في شيزوفرينيا المصالح

لهيب عبدالخالق

على مرمى أشهر معدودة من مئوية «سايكس - بيكو» يغلي مرجل السياسات الدولية، وتتفتت أشكال الخلافات التي ورثت الامبراطورية العثمانية منذ قرن من الزمان. وكلما مدت الاستراتيجيات الغربية أذرعها على مساحة الشرق الأوسط أو كما أسمته الاتفاقية «الهلال الخصيب»، تعثرت بارتداداتها في الغرب الآسيوي المثير للفضول والأطماع والذي لا تهدأ ثوراته وبراكينه.


وبين اصطفافات المصالح وثورات الجنون السياسي الغربي والشرقي على حد سواء، تبرز اصطفافات جيوسياسية في المنطقة الأشد تفجراً في العالم، تلك التي ما زالت مرجلاً يغلي بكل الصراعات منذ أكثر من سبعة عقود. وكلما أمعنا النظر في توجه الاستراتيجيين الأميركيين لإعادة تعريف المنطقة التي تسمى «بجنوب غرب آسيا» أو الشرق الأوسط، نجد أن هناك مبدأً واحداً يجري فرضه بالجزرة حيناً وبالعصا أحياناً، وذلك هو مبدأ «منع تحقق السلام».
فقد ظهر جلياً التوجه الأميركي لرفض أي شيء يرتبط بالسلام، وتحولت أميركا وحليفها الغربي عبر مراحل السقوط المدوي للحرب الباردة وعالمها، إلى نمط إمبريالي شرس لم يعرف له مثيل في التاريخ، رافق توحش الاقتصاد ما بعد الفترة الصناعية، والذي شهدته حقبة السبعينيات فما تلاها بعد أن تحولت البنى التحتية الغربية إلى مستهلكة أكثر من كونها منتجة.
لقد شهدنا النزوع غير المسبوق إلى تفتيت دول المنطقة، وإلى زجها في أتون حروب كثيرة، عكس ما قام عليه عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي أفرز منظمة الأمم المتحدة لتمنع قيام مثل هذه الحروب، التي جعلت المنطقة العربية تقف على حافة هاوية سحيقة، أعلى هوة من جحيم، فإن انحدرت إليها اشتعل الحابل بالنابل، وإن تمكنت من عقد التوازن، باتت تحت تهديد العصي الخارجية، أن تقلق ذلك التوازن بنفخة هواء ليس إلا.
والمنطقة العربية وفق المنظور الأميركي هي التي تسمى بمنطقة «جنوب غرب آسيا» وتحدها دول أربع هي تركيا وسوريا وإيران ومصر، ويمكن القول إنها تمثل المربع الذهبي لأميركا في المنطقة والذي تحمي أجنحته الزوايا التي شكلتها استراتيجية الحروب الوقائية الأميركية: في الزاوية الشمالية الشرقية مثلث أرمينيا - اذربيجان - إيران، وفي الزاوية الشمالية الغربية قبرص، وفي الزاوية الجنوبية الغربية ليبيا، وفي الزاوية الجنوبية الشرقية أفغانستان وباكستان، ومابين هذه الزوايا ننداح نحن جميعا مصهورين بشتى أنواع الخلافات والحروب: أهلية، عرقية إثنية، اقتصادية.. حتى النزوع الإمبريالي لم يفارق هوى بعض ساسة المنطقة، فصاروا يتبارزون على أراضيهم ويفتحون مصاريع أبوابهم للغرب والشرق ليقتل ويقوم بالتصفيات بديلاً عن بعضهم بعضاً.
في هذا الطوفان الناري، ترسم المصالح استراتيجياتها، وتغير قواعد اشتباكاتها، وتعيد التاريخ من جديد لكي تشكل المنطقة وفقاً لنتائج التغيرات الجيوسياسية التي تعصف بنا منذ انهيار جدار برلين. لقد حشدت دول العالم كلها جيوشها وفرقاطاتها وبوارجها حول الوطن العربي، وبنظرة واحدة إلى البحر الأبيض المتوسط غرب سوريا مثلاً، سنجد الاصطفافات واضحة: شواطئ سوريا تحرسها بوارج روسية، يقابلها بوارج أميركية فرنسية ستنضم إليها لاحقاً ألمانيا وبريطانيا. وفي الأجواء العربية تجول وتصول الطائرات الغربية والشرقية، وقد انقسمت دول العرب بين مؤيد لهذه ومستنجد بتلك.
وفي الظنون نتراوح كالبندول، بين إعادة التقسيم أو التفتيت، وبين تسويات لا تعني شيئاً خارج الأوراق التي كتبت عليها، وليست تسوية القضية الفلسطينية ببعيد.

تقسيم أم إعادة رسم

تتسارع موجات الانهيارات السياسية في المنطقة، كلما تسارع الراكضون إلى صفقات التسويات، فبين متردد في خوض اللعبة على رقعة الشطرنج العربية، وبين خائض في وحول حروبها وموغل في برك دمائها، يقف التاريخ ملوحاً بـ «سايكس - بيكو» البريطاني الفرنسي، ذلك التحالف الثلاثي الذي لم يعرف كثيرون أن روسيا هي ثالثهما. ولم يعرف الكثيرون أيضاً أن أصل تلك الاتفاقية انحرفت فعلاً عما كانت عليه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. فالحدود التي تحيط بمعظم الدول العربية أو دول المنطقة الشرق أوسطية، تختلف عما وضع في «سايكس - بيكو»، وعلى الرغم من ذلك تجد من ينادي بإسقاط تلك الاتفاقية «اللعينة».
وبعد الهجوم الكاسح الذي شنه تنظيم «داعش» على العراق، تبنت جماعات متشددة كثيرة على الإنترنت، خاصة تويتر الوسم (#لا_لحدود_سايكس_بيكو). وبرزت جماعات عرقية تنادي بسقوط «تلك الاتفاقية اللعينة»، ومنها نزعات أكراد المنطقة، والتركمان الذين تدعمهم تركيا إلى حد كبير، كما برزت نزعات دينية تطالب بدويلات للمسيحيين أو الأقليات الدينية.
يقول بيير- جون لويزار، مدير إدارة البحوث في المعهد الوطني الفرنسي للبحث العلمي وخبير الشؤون العراقية، «إن هذه الاتفاقية لم تطبق على أرض الواقع للعديد من الأسباب المختلفة، وطبق مخطط آخر لتقسيم المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى عدلت فيه حدود سايكس-بيكو بشكل طفيف». ويضيف «بقيت هذه الاتفاقية في ذاكرة الجميع وليس فقط في ذاكرة هؤلاء المتشددين، فالفرنسيون والبريطانيون أشعلوا فتيل المشاعر الوطنية في نفوس الشعوب العربية ووعدوهم بالاستقلال على أمل رؤيتهم ينتفضون في وجه السلطات العثمانية، والأهم من كل ذلك هو الوعد البريطاني بإنشاء الدولة العربية الكبرى تحت إمرة الشريف حسين شريف مكة، وما إن انتهت الحرب وتسربت بنود الاتفاقية السرية انتشر الغضب والشعور بالغبن بين الشعوب العربية».
وبالعودة لبنود هذه الاتفاقية فإن بريطانيا وفرنسا تقاسمتا تركة «الرجل المريض»، بينما استمرت روسيا في قضم وابتلاع الأقاليم الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز، وأخذت دول التركمان وكردستان التي كانت شمال إيران في تلك الحقبة.
ورداً على الدعوات المتصاعدة الآن بإنهاء تلك الاتفاقية، فإن هذه الدعوات تنال من حدود استقرت عليها الدول العربية قرناً من الزمان، وبنت عليها أنظمتها ومؤسساتها ومجتمعاتها، وسعت لتعزيز اقتصاداتها، على الرغم من كل القروح التي أصابت الجسد العربي. لقد نشأت أجيال كثيرة على حب أوطانها وكبرت وهي تحفظ مثل أسمائها حدود بلدانها، كما أنها باتت تعد أي دعوات للتغيير وتكسير تلك الحدود عملاً عدائياً وضد مصلحة الأوطان.
وعلى الرغم من أن عدداً من الدول العربية تعرضت للاحتلال والغزو ومحاولات تفتيت المجتمعات، لكنها كانت جميعها تضع نصب أعينها لافتة «بلاد العرب أوطاني». وعلى الرغم من كل ذلك تجد هناك هوساً غربياً وشرقياً لهز استقرار المنطقة العربية.
يقول فالي نصر عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز ومستشار وزارة الخارجية الأميركية السابق، إن «القوى الاستعمارية التي احتلت دول الشرق الأوسط خلقت إدارات استعمارية مؤلفة من أقليات متعلمة ومجهزة بالرجال والسلاح والسلطة، وعندما غادرت هذه القوى الاستعمارية البلاد، تركت السلطة والديكتاتورية في أيدي هذه الأقليات».
ويتابع «السلطة في العراق وسوريا وكثير من هذه البلدان كانت منعدمة التوازن، وليس هناك صيغة مناسبة لكيفية توفيقها، فالفائزون يأبون مشاركة السلطة، والخاسرون لا يريدون التخلي عنها، إن الشرق الأوسط يمر بفترة اضطراب عظيمة، وهذا الصراع سينتهي بتكوين سياسي مختلف جداً، وربما سيأتي بتكوين إقليمي وحدودي مختلف أيضاً».
تلك كانت إلماحة ذكية حول مستقبل المنطقة وما يجري على الأرض العربية، والذي بدأت ترتسم ملامحه منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، إلا أن البعض يرجع ظهور تلك المؤشرات إلى ما قبل ذلك، إلى عام سقوط جدار برلين والذي تلاه انهيار الاتحاد السوفييتي، وانهيار شكل عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد برزت نظريات كثيرة رسمت عالماً بأقطاب متعددة، لم تلبث أن حشرت جميعها في بوتقة عالم القطب الواحد، الذي أشر النزوع الأميركي للسيادة العالمية، أو النزوع الإمبراطوري كما يحلو للبعض أن يسميه.
لقد حبس العالم أنفاسه أكثر من مرة منذ عام 1991، في تداعيات انهيار عالم الحرب الباردة منذ حرب الخليج الأولى، وفي منطقة التنافس الآيديولوجي بين الهند وباكستان، وفي تفتت البوسنة والهرسك، وفي حرب الشمال والجنوب اليمني، وفي الخلافات اليابانية الكورية الجنوبية، ومأزق كوريا الشمالية مع العالم، وفي ميانمار، وفي ظهور النمور وسقوط النمور تاليا، وفي بلدان آسيا الوسطى المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي السابق، وفي روسيا ومشاكل عالمها المتفتت ورغبتها باستعادة دورها، والصين ونموها المذهل ومشاكلها مع اليابان التي بدورها لها مشاكل مع روسيا بشأن الجزر، وفي إيران ونزوعها الإمبراطوري وسعيها للتمدد على الهلال العربي.
لقد كانت آسيا بيئة الارتداد الاستراتيجي للولايات المتحدة ودول «الاستعمار القديم» للقارة، فكانت البلدان الآسيوية ترقص أحياناً على وقع الروك ووقع أقدام المارينز، وأخرى تحن إلى القطب الأحمر الذي استطاع رغم كل العواصف أن يصمد وأن يعزز كونه مركزا لتغيرات الجيوبوليتيك، وبذا ترنحت دول القارة وتداعت على «رقعة شطرنج» المصالح، حتى وصلت إلى أواخر 2015 وهي تشهد انهيار عوالم كثيرة، وتغير الأحلاف، وصعود نجوم وأفول أخرى. تلك هي شيزوفرينيا السياسة على حلبة الشرق الأوسط، الذي يمتد على خارطة تفترش طاولة جنرالات «البنتاجون»، أو صانعي الحروب والسلام، وترسم حدود هذه المنطقة من أفغانستان وباكستان حتى آخر نقطة في المغرب العربي قبالة الشاطئ الأميركي «الأطلسي».

قواعد الاشتباك.. وسيناريوهات المصالح

وضعت المتغيرات الجيوبوليتيكية على رقعة المنطقة، قواعد للاشتباك رسمتها مصالح اللاعبين الجيوسياسيين، مثلما وضعتها نتائج الحروب الأميركية الكارثية. وقواعد الاشتباك مصطلح عسكري يسمى (Rules of Engagement)
ويعني وفقا لويكيبيديا «القواعد التي تلتزمها القوات المسلحة عند استعمال القوة في خضم العلميات العسكرية التي تضطلع بها في المسرح الدولي أو الإقليمي أو الوطني سواء في النزاعات المسلحة أو مهام حفظ السلام».
وفي قواعد القانون الدولي الذي تضطلع به الأمم المتحدة، ينبغي النظر إلى الأبعاد القانونية والعسكرية والاستراتيجية والسياسية والعملياتية لقواعد الاشتباك.
ويعرفها حلف شمال الأطلسي (ناتو) بانها إيعازات تصدر من جهة عسكرية مأذونة ترسم الظروف والحدود التي يسمح فيها للقوات المسلحة بالشروع في الاشتباك أو مواصلته.
لقد استخدمت دول الغرب والشرق والشمال والجنوب جميعها «قواعد الاشتباك» كما وضعت بعد الحرب العالمية الثانية، إلا الولايات المتحدة فقد أضافت عليها بصمتها الخاصة، فجعلتها «حقاً للقتال» وحجة للدفاع عن الأخطاء التي ترتكبها جيوشها في حروبها.
ويمكن قراءة قواعد الاشتباك الأميركية مثلاً في الصومال عام 1992، والتي تمنح القوات الأميركية الحق باستخدام النيران لمنع أي شيء يتحرك قد يشكل تهديداً من قوة معادية، وهنا يعرف القوة المعادية بأنها «كل ما هو ليس أميركياً». لقد كانت القواعد صريحة في التقليل من الأخطاء ومنع الاستيلاء على ممتلكات الآخرين، ومعاملة الآخرين ب «كرامة واحترام»، إلا أنها منحت قواتها «الحق باستخدام القوة دفاعاً عن نفسك ضد أي هجوم أو تهديد محتمل»، كما تشدد على أنه «ليس هناك في هذه القواعد ما يحد من حقك لاتخاذ الفعل المناسب للدفاع عن نفسك ووحدتك»، إضافة إلى أن هذه القواعد تمنح القوات الأميركية «الحق باحتجاز المدنيين لأسباب أمنية».
وبنظرة سريعة على حروب أميركا خارج الأطلسي أو الباسيفيكي، أي خارج حدود القارة، وبالتحديد في آسيا، نجد أن قواعد الاشتباك الأميركية أتاحت الفرصة لارتكاب مجازر ونهب ممتلكات وثروات وتهديم دول بأكملها، بل وإسقاط حكومات.
لقد خلقت القوة الأميركية من كل «ماهو غير أميركي» عدوا، استبدلت به الاتحاد السوفييتي السابق، وهو القطب المعادل للقوة الأميركية، وباتت تتخبط في كل خطوة أسرعت بالركض بها نحو آسيا، البطن الرخوة والحلم الأميركي المزمن، ويمكن ملاحظة أنها سعت إلى تغيير الأحلاف، فبات أعداء الأمس أصدقاء اليوم. لقد سارت الاستراتيجية الأميركية بخريطة قديمة وأمامها هدفان أساسيان:
الأول: إخراج روسيا من «سايكس - بيكو» ودخول أميركا بديلاً للحلف الثلاثي وإعادة ترتيب المنطقة وفقاً للوضع الذي فتتته السياسة الأميركية التي يصفها أصدقاؤها قبل أعدائها بأنها «حمقاء».
ثانيا: السيطرة على ثروات آسيا بإخضاع دولها للهيمنة الأميركية، أي جعل هذه الدول بالترغيب تارة والترهيب أخرى تابعة للإرادة الأميركية، كما وقعت الأمم المتحدة قبل ذلك عام 2003 تحت تلك الهيمنة.
كان ذلك رد فعل على اختلال التوازن الذي أصاب السياسة الأميركية باختلال ميزانها الاستراتيجي عندما سقط الاتحاد السوفييتي. لكن سرعة انطلاق الاستراتيجية الأميركية لتحقيق ما سعت إلى تحقيقه مائة عام، جعلها تقع في أكثر من محظور.
لقد حاولت أولاً وضع بديل للاتحاد السوفييتي لتعدل ميزانها الاستراتيجي المنكسر، فخلقت عدواً جديداً «الإسلام» ونفخت فقاعة «الإسلاموفوبيا»، ومكنت صنائع سابقين لها ممن قاتلوا السوفييت في أفغانستان، من التغول على الساحة الدولية، لكن ساحة ذلك التغول كان لابد أن تكون آسيا، لكي تستطيع القوة الأميركية من التواجد بشكل طويل الأمد وبشكل قانوني. لقد حولت سياسة «الأسلمة» تلك كل ما هو «إسلامي» أو عربي إلى «إرهاب»، وصرنا مفاتيح لصعود الرؤساء وأراجيز الصراع على الكراسي.
كثيرة هي الوثائق التي أفرج عنها الكونجرس الأميركي، والتي كشف عنها وتتعلق بعمليات الاستخبارات الأميركية وخلايا «التلويث»، وقد كشفها الإعلام الأميركي والسياسيون الأميركيون وجنرالات الحروب قبل غيرهم، وذلك يؤشر إلى أنه ما زال في أميركا أناس يرفضون السقوط المدوي لهذه السياسات، ويرفضون «قواعد الاشتباك» تلك التي تحرق الأخضر واليابس.
ونتيجة هذه السياسات، كانت أن خسرت الولايات المتحدة ساحة خصبة، أصبحت تنفر من تلك السياسة بدل أن تستقطبها، وصار الآسيويون وبالذات العرب يتجهون قسراً إلى القوى الآسيوية نفسها للتخلص من مستنقعات تحولات الإرهاب من الجماعي إلى الدولي، ولكي يبحثوا عن حليف لا يغير أصدقاءه مثلما يغير رؤساءه أو ياقته المنشأة. ما الذي يمكن أن يحدث ونحن على بعد أشهر من مئوية سايكس - بيكو الشهيرة؟ فقد تشكل محورين مهمين كانت نبوءات كثيرة تحدثت عنهما:
* محور روسي - صيني - سوري - إيراني، وقد تنضم إليه كوريا الشمالية.
* محور «الناتو» تركيا، الولايات المتحدة والذي تنقسم الدول العربية بين دعمه أو إعادة ترتيب أوراقها والاستناد إلى حليف لا يهجرها.
وهناك سيناريوهان يطرحهما الوضع القائم في المنطقة:
(1) - حرب عالمية بين «محور الشر» وفقاً للمفهوم الأميركي-الغربي، ومحور الخير «الناتو وأميركا ومن يحالفهم من العرب».
(2) - انهيار منظومة القطب الواحد وظهور ما بشر به كثيرون من عالم متعدد الأقطاب، مع صعود الصين وألمانيا وبروز القوة العربية الجديدة.
لقد كانت ضربة قاصمة تلك التي وجهتها واشنطن للمنطقة عندما أدارت ظهرها لحلفائها وارتمت في حضن إيران، وجعلت الشرق الأوسط يتفجر حروبا أهلية يصنعها ذلك الحضن المريب. تلك الرؤية تفصح عن مشهد يتوجس الجميع من حدوثه، نبه إليه الخبراء من أنه يشبه أجواء ما قبل الحرب العالمية الثانية، وسط مناد بقرب حرب عالمية ثالثة، تتهيأ لها دول المحورين، وبين محاولات تهدئة لا تجدي.
إن «سايكس - بيكو» مقدر لها أن تتحطم على أسوار المدن التي تحطمت في العقد الأخير، وعلى انهيار منظومة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبوادرها سقوط المنظمة الدولية المدوي عندما شنت حرب العراق خارجها وباتت المنظمة منبرا للمصالح الغربية.
نحن إذن على أعتاب عالم جديد سيكون أول من يحترق به الراكضون إلى قلب الأتون الآسيوي، الذي يشبه فوهة الجحيم والذي صار يبتلع كل شيء. وأمام العرب فرصة واحدة: أن يشكلوا محوراً واحداً يهدم كل التركيبات الجيوسياسية، ويعيد بناء قواعد الاشتباك ويعصف بشيزوفرينيا المصالح تلك، فقد جربنا الشرق والغرب، ولم ينفعنا إلا «عاصفة حزم» يؤمل أن تكبر لتشكل حدوداً لا يجترحها الطوفان المقبل، حيث لا نوح هناك لننجو بسفينته.