الاتحاد

تقارير

السفر المأمون

على مدى أسبوعين أو ثلاثه، كان هم أجهزة الأمن السودانية وكذلك الجهاز الدبلوماسي، هو البحث والتقصي حول ما إذا كان سفر رئيس الجمهورية إلى الدوحة في نهاية الشهر الجاري للاشتراك في مؤتمر القمة العربية هناك، آمناً لا خطر فيه، أم أنه غير ذلك؟ وكان لا بد من هذا التحوط منذ أن أعلن قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس البشير، ثم ما أعقب ذلك من تهديدات واضحة صدرت عن أوكامبو، مدعي عام الاتهام في المحكمة، حين قال بوضوح إنهم سيلاحقون الرئيس السوداني متى ما غادر أجواء السودان·
وخلال هذه الفترة، جرت تطورات متعددة كان أولها أن البشير أعلن تصميمه على حضور القمة العربية في العاصمة القطرية، وأن التهديد الذي تلوح به المحكمة الجنائية الدولية لن يمنعه من أداء مهامه كالمعتاد· ثم كان هناك قدر من المواجهة الدبلوماسية بين السودان وفرنسا، فقد نشرت إحدى الصحف العربية قولا منسوباً للناطق باسم ''الخارجية'' الفرنسية يفهم منه أن فرنسا تدعم اعتراض الطائرة التي يستقلها البشير لاعتقاله! وفي الخرطوم، تم استدعاء سفير فرنسا للاستيضاح· وكان أن نفى السفير الفرنسي ذلك، وقال إن تصريح الناطق حُرّف عند نشره في الصحيفة العربية، لكن السفير الفرنسي قال بوضوح إن بلاده ستعترض طائرة الرئيس السوداني في حال عبوره الأجواء الفرنسية·
ومع اقتراب موعد عقد القمة العربية في نهاية مارس الحالي، تضاعف الاهتمام بالوصول إلى قرار ما بشأن مشاركة البشير أو عدم مشاركته· وهنا برزت أفكار متعددة على رأسها أنه لا يصح ولا يجوز أن يخاطر السودان ويقدم على خطوة ليس متأكداً تماماً من نتائجها، وهي الموافقة على سفر الرئيس للمشاركة· ورغم أن هناك من يدفع بأن خطف الطائرات جريمة دولية، بحسب القوانين المعمول بها، فإن ذلك لا يعني ولا يؤكد بصورة جازمة أن الجهات المعادية لحكومة السودان والمؤيدة لموقف المحكمة الجنائية، يمكن أن لا تلجأ لذلك الأسلوب غير القانوني·
وهكذا توصل البحث بعد كل هذا، ووفق خطوات مدروسة اتخذت تباعاً، إلى قرار من شأنه أن يكون هو الحل·
القرار صدر عن اتحاد علماء السودان، وهو في شكل فتوى شرعية تمنع أو تحرم سفر الرئيس البشير إلى الدوحة طالما أن ثمة خطراً عليه في ذلك السفر· ويرى أهل الفتوى أنه لا يجوز الدخول في مخاطر لا يعلم أحد كيف ستنتهي، ثم إن ما يسمى بالعدالة الدولية هو مجرد شعار لا وجود له على أرض الواقع·
كانت هذه الفتوى الصادرة عن علماء السودان من آخر ما أعلن في هذا الصدد، لكن رغم ذلك قالت جهات رسمية إن البحث ما زال متواصلا، وإن قرار عدم المشاركة لم يتخذ بعد·
وعلى كل حال، يرى المراقبون أن اللجوء للفتوى الدينية كان خطة حاذقة تسمح بالخروج من المأزق بأقل الخسائر أو بلا خسائر في واقع الأمر· وليس سراً أن هيئة العلماء التي أصدرت الفتوى هي إحدى المؤسسات القريبة من نظام الحكم، وقد حدث في الماضي أن أصدرت فتاوى وقرارات من شأنها دعم موقف رسمي ضد قوى المعارضة في الداخل· وعليه، فليس غريباً أن تنشط هذه الهيئة في أمر يتعلق بأمن رأس الجمهورية، بل وبمصير النظام ككل·

محجوب عثمان

اقرأ أيضا