الاتحاد

تقارير

تركيا: الأرجينكون والانقلابيون الجدد!

تركيا:  الأرجينكون  والانقلابيون الجدد!

تركيا: الأرجينكون والانقلابيون الجدد!

في الأصل هي أسطورة عنوانها ''ارجينكون''، وهو معنى قديم نبت في آسيا الوسطى ليكون مرادفاً للذئاب البيضاء التي ستحمي سكان تلك المناطق الشاسعة، في ذلك الزمان البعيد، من الأشرار، كما سترافقهم حينما يهاجرون إلى منتهاهم في هضبة الأناضول، وبمرور الوقت ستكتسب قيماً إضافية كالشجاعة والجسارة وإيثار الآخرين وحمل هموم المعوزين المضطهدين والتمرد على الظلم والرغبة في التغيير· وهكذا باتت قصة تتناقلها الأجيال، ومن يسمعها أو يقرأ فصولها ينتابه الزهو والفخر، متمنياً أن يقتدي بمثُلها الخالدة·
ودون أن يكون هناك اتفاق، التأم شمل كتاب وصحفيين، ومعهم عسكريون متقاعدون وفنانون، حول المعاني السامية لهذه الأسطورة من تراث الأجداد، وقد حركهم ما أصبح يشهده المجتمع التركي من قيم مغايرة لمفاهيم الكمالية، قيم زحفت بقوة كي تتسيد حياة الجميع· بعض المبدعين منهم هالهم ذلك وضاقت عليهم السبل، وزادت من خوفهم تلك النظرات التي تنعتهم بالكفر والضلال· ودون أن يدروا أن هناك من يعد عليهم الأنفاس، كشفوا عن نيتهم مغادرة الوطن، والبحث عن أرض أخرى تعيد لهــــم حريتهــــم المسلوبـــة· المثير في الأمـــر أن ما جمعهم كان معنوياً خالصاً ويخص الجمهورية التركية ومبادئها التي يعتقدون أن ''أولي الأمر'' يحاولون الالتفاف عليها والنيل منها، فجـــاء اتفاقهم على ضرورة مخاطبة الرأي العام بصوت مسموع عن مناخ صار مسموماً، وسوساً ينخر جسد المجتمـــع·
إنها إذن أصوات أعطت نفسها الحق في أن تتكلم دون تخطيط، أليست تلك الديمقراطية التي ناضلت تركيا كي تكرسها وتصبح نموذجاً يحتذى به؟ لم يكن مقصدهم أن يتعمدوا تصدير إرهاصاتهم إلى الخارج، لكن بعضاً من انتقاداتهم وصل إلى منظمات المجتمع المدني في عدد من الدول الأوروبية النافذة، وكان طبيعياً أن تتحدث ''الميديا'' الأميركية بدورها (وتالياً تقرير صــادر من الخارجية الأميركية) عن مضايقات يتعرض لها المثقفون في الأناضول· وتلك كانت بداية الخيط الذي نسجه البعض بطريقتهم الخاصة وصولا إلى النتيجة الحتمية ألا وهي الخطر الذي يتربص بالبلاد، ومن خلال اعتماد أساليب مشكوك في قانونيتها تم استجلابها من عهود مظلمة، أصبحت الدعوة إلى التعبير، وليس التغيير، مؤامرة· ودون موعد وعلى حين غرة، استيقظ المجتمـــع التركي على أنباء، أفادت بأن جنرالات سابقين، ومعهم عدد من حملة القلم، أدباء وصحفيون وفنانون، أخذوا على عاتقهم تغيير الواقع الذي وصفوه بالمظلم مستلهمين روح ''الأرجينكون''، وسرعان ما وجهت لهم اتهامات بالتخطيط والضلوع في محاولـــة انقلاب ضد الحكومة الحالية التي يتزعمها ''حزب العدالة والتنمية''·
وأخيراً، جاء رد الفعل مرتباً بعناية، وكأنه أُعد مسبقاً، والدليل على ذلك أن الآلة الإعلامية، راحت تشن هجوماً ضارياً ضد من أسمتهم الانقلابيين الجــــدد، وبالطبــــع لم تنــــس أن تخبر متلقيهــــا أنهـــا لا تطلق التهم جزافـــاً، فأمامهــــا وثائق الإدانـــة التي لا يدانيها الشك من خرائط التحرك للسيطرة على المنشآت الحيوية ومنشـــورات كانـــت معــدة للتوزيـــع لحظة الثـــورة على الحكـــم، وكتيبــات ضمت تفاصيل عن مرحلة ما بعد ''العدالــــة والتنميــــة''·
وفي مقره الحصين الفخم، الذي شيد في أقل من عام بحي بلجت الشهير في قلب العاصمة أنقرة، انهمك الجميع وقد ارتسمت على وجوههم أمارات الفزع المصطنع والهواجس والخوف، وعقدت ورش عمل وندوات تمحورت مناقشاتها حول كيفية توعية المواطنين -خصوصاً الشباب- من مغبة الانصياع إلى ما يروجه المناوئون في أروقة العلمانيين المتطرفين من مزاعم مضللة لا سند لها وتنبيههم للأخطار المحدقة التي كانت تنتظرهم لو كانت عين الأمن غافلة عن هؤلاء المتآمرين·
ومضت أبواقهم تردد قائلة إن الذين استلهموا الأسطورة حاولوا عن باطل إلباسها على وقائع مختلقة، فقد استكثروا على تركيا أن تنعم بالأمان والاستقرار والنمو، والتي يعود الفضل فيها أساساً إلى سياسات حكومة ''العدالة والتنمية'' منذ مجيئها للحكم قبل خمس سنوات··· فقرروا الانقضاض عليها بانقلاب دموي! لكن أصحاب التغيير المزعوم، فاتهم أن اتصالاتهم مرصودة وتحركاتهم وضعت تحت المراقبة وهم لا يعلمون، ومن خلال ''الميديا'' المرئية شاهد الملايين عشرات الأشخاص وهم مكبلون بالقيود تجرهم الفرق الخاصة إلى أقسام الشرطة ومراكز الاعتقال· وبينما شعر بالارتياح أهل الحكم في ''الباشباكلنك'' (مقر مجلس الوزراء)، وهم يرون علامات الإذلال على وجوه أصحاب التغيير المزعوم؛ لأنهم تمكنوا في الوقت المناسب من إطاحة الأعداء، كانت تلك المشاهد تقع وقع الصاعقة على أهالي المعتقلين، أضيف إليها كم من الروايات والقصص التي نسجت حول أقربائهم الذين زُج بهم خلف القضبان، واختلطت الحقيقة بكل ما هو غير حقيقي وروجت إشاعات طالت رموز كانت في الحكم حتى وقت قريب·
وفجأة، ظهرت عشرات المخابئ المكتظة بالبنادق والمسدسات كاتمة الصوت، وقد خرجت تواً من مصانعها، وفي صفائح القمامة وجدت كل لوازم عمليات الاغتيال، وبالطبع كان لا بد من التلميح لقوى خارجية، ولا بأس من استثمار المشاعر المناوئة لإسرائيل عقب حربها ضد غزة، والإيحاء بأن الأسلحة التي ضبطت صنعت بالدولة العبرية·
أمام تلك المشاهد، لم يجد جنرال متقاعد، وهو واحد من عشرات ألقي القبض عليهم، سوى أن يقرأ الفاتحة، وبطلقة من مسدسه صوب رأسه، فقد لوثت سمعته هو عائلته جراء اتهامات من هذا القبيل· والغريب أن المنتحر سبق أن أعطاه شعبه وسام البطولة عن جدارة بعد أن بترت ساقاه خلال عملية عسكرية ضد الانفصاليين الأكراد·
فهل يليق ذلك بدولة تسابق الزمن كي تنال عضويتها في الاتحاد الأوروبي؟ يبدو أن طيب أردوجان رئيس الحكومة لم ينس أنه سجن ووضع خلف القضبان لمدة أربعة أشهر ونصف الشهر عقاباً على قصيدة ألقاها واعتبرت ذات عاطفة دينينة· ربما كان محقاً في ذلك، لكن ما ذنب حاضر بات يوصم الآن بثقافة الانتقام؟ وهل كان رئيس الأركان الأسبق إسماعيل حقي كرادي محقاً حينما اعتبر الأمر برمته محض خيال يسعى نفر من الناس لجعله يقيناً لكنهم واهمون؟
على أية حال، ستبقى ''الارجينكون'' أسطورة صافية قادرة على مواجهة ثقافة الثأر، وبالتالي فتركيا لن تعود إلى الوراء، وستظل الديمقراطية عنواناً وحيداً لهضبة الأناضول·

سيد عبد المجيد -أنقرة

اقرأ أيضا