الاتحاد

دنيا

الرسول أنقذ البشرية وأخرجها من الظلمات إلى النور

ليس من مبالغات الأقوال إن قلت بأن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالخلق العظيم أمر لا يلازمه منذ لحظات البعثة أو الميلاد، وإنما هو في حقيقته وصف صدق عن النبي صلى الله عليه وسلم منذ أزمنة بعيدة، وسنين مديدة.
وقد يقول قائل إن هذا الكلام صدر عن صاحبه بعين المحب، والواقع أنه يحق لي ذلك، أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من أنقذني وأنقذ البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.
بيد أن هذه الحقيقة لا تصدر وفق رؤية من عين المحب فحسب، وإنما لها من براهين الإنصاف، ودلائل الإثبات ما يجعلها يقيناً منطقياً لا يمارى فيها إلا الكفور.
أليس النبي صلى الله عليه وسلم هو من أخبر عن نفسه بأنه قد انتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة وهذا لون من التطهير عن الأدناس الذي يمثل تعففاً خلقياً أحاط بالنبي صلى الله عليه وسلم في الآباء والأجداد على مر الزمان والعصور منذ آدم عليه السلام وحتى أباه عبد الله. أليست الصفات الخلقية التي عرف بها النبي صلى الله عليه وسلم قد بشرت بها التوراة قبل مولده بآلاف السنين والأعوام إذ ورد فيها، كما يروي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصف في التوراة بقول الله فيها (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
جذور الأخلاق
وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ القلب ولا صخاب في الأسواق ولن يميته الله تعالى حتى يظهر به الملة العوجاء”، وهذا الخلق العظيم هو ما شهد به أبوسفيان بن حرب عند هرقل ملك الروم حينما سئل عن تأصل جذور الأخلاق في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال له هرقل فيما قال: “هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول دعوته إلى النبوة والرسالة؟ قلت لا. قال هرقل فهل يغدر؟ قلت لا. قال هرقل وبماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة.
يقول هرقل سألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا فوالله ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمى هاتين. يقول الإمام المازري في تعليقه على ما استدل به هرقل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم “إن الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا ونحوه من علامات رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه بالعلامات” التي تدل على أن الخلق العظيم قد تأصل في النبي صلى الله عليه وسلم قبل مولده، بل ومنذ أن خلقه الله سبحانه وتعالى نطفة تنتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة.
الخلق العظيم
والخلق العظيم الذي وصف به النبي صلى الله عليه وسلم اختلف العلماء في تفسيره، فقال ابن عباس ومجاهد معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم على دين عظيم من الأديان، فليس هناك دين أحب إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه، ولا يبعد هذا التفسير عند ابن عباس عن معنى الخلق لأن جماع الدين لا يتحقق من إنسان إلا بحسن الخلق. أما السيدة عائشة رضوان الله عليها فقد فسرت الخلق العظيم عندما سئلت عنه بقولها “كان خلقه القرآن”. ولذلك قال الإمام علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدب بأدب القرآن، وضمنوا من جملة ذلك رفقه صلى الله عليه وسلم بأمته، وإكرامه إياهم، وتمسكه صلى الله عليه وسلم بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، وما جبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كما يقول الإمام الماوردي من طبع كريم، ذلك الطبع الذي يحمل شيماً من الأخلاق لم تتحقق لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك عندما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قرأت قول الله سبحانه (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إلى عشر آيات منها. ثم نظر العلماء إلى وصف النبي صلى الله عليه وسلم بعظم الخلق فالتمسوا من حياته صلى الله عليه وسلم ما يبرر هذا الوصف مستشهدين بما قالته السيدة عائشة رضوان الله عليها “ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال لبيك” وذكر العلماء كذلك أنه لم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم منه الحظ الأوفر، وقال الإمام الجنيد ما سمى خلقه عظيماً إلا لأنه صلى الله عليه وسلم لم تكن له همة سوى الله تعالى، ثم أكد العلماء أن اجتماع مكارم الأخلاق في النبي صلى الله عليه وسلم من ملامح الخلق العظيم في شخصيته المطهرة، ومقاصد بعثته الشريفة التي قال صلى الله عليه وسلم عنها (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فالنبي صلى الله عليه وسلم قد امتثل تأديب الله تعالى إياه عندما خاطبه سبحانه وتعالى بقوله (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعرفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، “الأعراف الآية 199”. ويدل على ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أدبني ربي فأحسن تأديبي) إذ قال (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). فلما قبلت ذلك منه قال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، “القلم”.
الهداية والاقتداء
ويذكر الإمام الرازي أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطبه ربه بقوله سبحانه (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، “سورة الأنعام، الآية 90”. فلما تحقق بالهداية والاقتداء بما سبقه من أنبياء الله وصف خلقه بأنه عظيم. ذلك أن الحق سبحانه وتعالى أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بكل واحد من الأنبياء المتقدمين فيما اختص به من الخلق الكريم، فكأن كل واحد منهم كان مختصاً بنوع واحد. فلما أمر محمد صلى الله عليه وسلم بأن يقتدى بالكل فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم، ولما كان ذلك بمثابة الدرجة العالية من جماع الأخلاق التي لم تتيسر لأحد من الأنبياء من قبله لا جرم وصفه ربه وخالقه بأنه على خلق عظيم. والواقع أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس متلبساً بالخلق العظيم فحسب، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم في حقيقة أمره قد علا وسما فوق الأخلاق، ولعل هذا ما يستفاد من لفظ (على) في قول الله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وكأن النبي صلى الله عليه وسلم استعلى وارتقى فوق الخلق حتى صار في مرتبة هو فيها أولاً، والخلق ثانياً، فالخلق لم يكن خلقاً إلا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام به، وأمر أمته بالعكوف عليه.
التكريم
والمتأمل في آيات القرآن الكريم يجد أن لفظ (العظيم) قد لازم النبي صلى الله عليه وسلم في حالتين: الأولى ما أكد عليه الحق سبحانه وتعالى من جماع العلم في شخص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال (ولَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا)، “سورة النساء، الآية 113”. والثانية: ما وصفه به من عظيم الخلق في سلوكه وفعله وذلك عندما قال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وكأن الله تعالى قد جمع بذلك لنبيه ذروة العلم وسنام الخلق فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه صلى الله عليه وسلم بين الأرواح البشرية عالية عظيمة الدرجة، وكأنها لقوتها ولشدة جمالها خرجت عن نطاق البشر حتى صارت في مصاف الملائكة.


د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا