الاتحاد

دنيا

معالجات إسلامية سيرته عطرة نستلهم منها الدروس والعبر

رسولنا الكريم جامع لمحاسن الأخلاق أرسله الله رحمة للعالمين

رسولنا الكريم جامع لمحاسن الأخلاق أرسله الله رحمة للعالمين

يستقبل المسلمون غداً ذكرى من أعز الذكريات، إنها ذكرى مولد رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، سيد البشرية، الذي أرسله ربه سبحانه وتعالى منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهو، صلى الله عليه وسلم، الجامع لمحاسن الأخلاق.
فما أكثر ما قاله، صلى الله عليه وسلم، من توجيهات في حسن الخلق والصدق والأمانة والإحسان والتمسك بالفضائل وتجنب الرذائل، كل هذه المعاني السامية لو تمسك المسلمون بها لكانوا كما أرادهم الله سبحانه وتعالى خير أمة أخرجت للناس، ورحم الله القائل:
من أراد النجاة غـــدًا فَلْيُــطِع النبيَّ محمدا
إن شئتموا أن تَسْلموا يومَ الحساب وتُرْحموا
وَتُكرّمـــــــوا وتُنَعَّموا فلهـدي أحمدَ فالزموا
وإذا سمعتم ذكــــره صلــوا عليه وسلموا
اللهم صلِّي وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لقد كان العرب قبل الإسلام أشتاتاً متفرقين، لا تجمع بينهم عقيدة صحيحة ولا تؤلف بينهم حكمة جامعة، تتقاسم سيادتهم دولتا الفرس والروم، حيث تتحكمان في مصائرهم وتبتزان أموالهم، وتستنزفان دماءهم وتضربان بعضهم ببعض، هكذا كانت الدنيا قبل بعثته، صلى الله عليه وسلم، قد شملتها الحيرة والبؤس، كما قال الشاعر:
أتيت والناس فوضى لا تمرُّ بهم
إلا على صنم قد هام في صنم
فعاهل الروم يطغى في رعيــــته
وعاهل الفرس من كبر أصم عم
لقد أكرمنا الله سبحانه وتعالى ببعثة نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، سورة التوبة، الآية 128، فقد كان، صلى الله عليه وسلم، نعمة من أجل النعم، ولذلك فإن لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، علينا حقوقاً كثيرة منها:
وجوب الإيمان به، واتباعه، ومحبته، والانتصار له، ونشر دعوته، وتوقيره حياً وميتاً، والصلاة عليه، صلى الله عليه وسلم كلما ذُكِر، فقد أمر الله المؤمنين بالصلاة عليه (إِنَّ الله وَمَلائكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) سورة الأحزاب، الآية 56.
من السيرة
لقد جاءت أحاديث شريفة عديدة تبين ذلك منها قوله، صلى الله عليه وسلم : (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا)، أخرجه مسلم، وقوله أيضاً: (رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)، “أخرجه مسلم”، وقوله: (مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ فيه، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالُوا يَا رَسُولَ الله: وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ، يَعنِي بلِيتَ؟ فقَالَ: إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ)، “أخرجه مسلم”، وقوله أيضاً: (إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً)، “أخرجه الترمذي”، وقوله: (الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)، “أخرجه أحمد”، كما وروى عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فقَالَ: (قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)، “أخرجه البخاري”.
ونحن هنا نتذكر سيرته، صلى الله عليه وسلم، لنستلهم منها الدروس والعبر، فقد كانت حياته، صلى الله عليه وسلم، كلها ملحمة عمل وكفاح وجهاد من أجل حرية الإنسان وكرامته.
رحمة للعالمين بشير ونذير
ومن الخصائص التي خص الله سبحانه وتعالى بها نبينا، صلى الله عليه وسلم أن جعل رسالته رحمة للعالمين كما في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلارَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) “سورة الأنبياء، الآية 107”، فرسولنا - صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة، كما في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، “سورة سبأ، الآية 28”. كما أنه، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين، لقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)، “سورة الأحزاب الآية 40”.
وقد أعطاه الله تعالى سبعاً من المثاني والقرآن العظيم قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)، “سورة الحجر 87”.
كما وأعطاه سبحانه وتعالى الكوثر، قال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، “سورة الكوثر الآية 1”.
وأعطاه الله الشفاعة العظمى والمقام المحمود، قال تعالى: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا)، “سورة الإسراء الآية 79”، بل وأعطاه الله تعالى حتى يرضى، قال الله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)، “سورة الضحى الآية 5”.
وأقسم سبحانه وتعالى بحياته - صلى الله عليه وسلم - ولم يقسم بأحد من البشر، قال تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)، “سورة الحجر، الآية 72”.
كما وجعل سبحانه وتعالى طاعته - صلى الله عليه وسلم - من طاعته، فقال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله)، “سورة النساء، الآية 80”.
التكريم والتشريف
وقد نادى الله سبحانه وتعالى الأنبياء بأسمائهم كقوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)، “سورة مريم، الآية 12”، وقوله سبحانه: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا)، “سورة هود، الآية 48”، وهكذا مع كثير من الأنبياء، ولكنه لم يوجه النداء لحبيبه، صلى الله عليه وسلم، باسمه مجرداً، بل ناداه بألقاب التكريم والتشريف والتعظيم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ)، “سورة المائدة الآية 67”، وقال أيضاً: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)، “سورة الأحزاب الآية 45”.
تكريمه - صلى الله عليه وسلم - للمرأة لقد كانت عادة وأد البنات منتشرة عند مولده - صلى الله عليه وسلم - حيث صور القرآن ذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) “سورة النحل، 58 - 59”.
فجاء الإسلام وحرم وأدهن، وجعل النساء شقائق الرجال، كما رغب في تربيتهن والإحسان إليهن فقال - صلى الله عليه وسلم -: “من كان له ثلاثُ بنات، أو ثلاثُ أخوات، أوبنتان، أو أُخْتان، فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن، فله الجنة”، (أخرجه الترمذي)، كما وحرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعليم المرأة فجعل لهنَّ يوماً يجتمعن فيه، فيأتيهنَّ ويُعلَمهنَّ مما علمه الله.
كما وأعلن - صلى الله عليه وسلم - أن احترام المرأة وتقديرها هو أمر رباني ومبدأ نبويّ من مبادئه، لا يحق لأحد أن يتجاوزه، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله)، “أخرجه مسلم”، تقول زوجته عائشة - رضي الله عنها-: “ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة بيده قط”، (أخرجه مسلم)، وكما وبين - صلى الله عليه وسلم - أن حُسْنَ عشرة النساء دليل على نبل نفس الرجل وكريم طباعه، فقال - عليه الصلاة والسلام-: “خياركم خياركم لنسائهم”، (أخرجه أحمد والترمذي).
هذا هو الإسلام، وهذا هو نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، فعلينا أن نسير على هديه، ونتبع منهجه، حتى نكون من السعداء في الدنيا والآخرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.



الدكتور يوسف جمعة سلامة
خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك
www.yo sefsalama.com

اقرأ أيضا