أرشيف دنيا

الاتحاد

شيخة بنت غمران القبيسي والحياة في دلما


دبي ـ موزة خميس:
لا تبعد دلما كثيرا عن جزيرة صير بني ياس، حيث الجزيرة مأهولة بسكان مستقرين بصفة دائمة، وساعد على استقرارهم وجود آبار مياه دلما في ذات المنطقة التي تحولت حالياً إلى مزارع بفضل جهود التعمير في البلاد، وأشتهرت الجزيرة بمائها العذب وكان بها في السابق 200 بئر بعضها مياهه عذبة والآخر مالح، وتقول الروايات المحلية في جزيرة دلما أن الماء كان في الماضي يُنقل منها إلى المناطق الأخرى بما فيها أبوظبي، لأن نوعيته كانت جيدة وقد استمرت دلما تغذي المناطق الأخرى بالمياه إلى فترة الخمسينات، ووفقاً لما جاء في (دليل الهند) للعام 1891م فإن دلما هي الجزيرة الوحيدة في منطقة جروف اللؤلؤ التي يقطنها سكان بصفة مستديمة، وإن دلما كانت مركز لتجارة اللؤلؤ، وقد بلغت العوائد المتحصلة سنوياً عن تجارة اللؤلؤ لصالح الجزيرة 5 آلاف دولار، ودرج السكان المحليون على الغوص في الصيف لصيد اللؤلؤ فيما كانوا يرتادون المناطق الضحلة في أثناء فصل الشتاء، وجاء في التقرير في العام 1908م أن نحو 15 أسرة من بطن القبيسات من بني ياس يقطنون بمنطقة سكنية صغيرة بالسهول الساحلية الجنوبية باتجاه الطرف الغربي من الجزيرة،
وكانت جزيرة دلما قد شهدت خلال السنوات الأولى من القرن العشرين قيام أسواق مؤقتة بنهاية كل موسم صيد لؤلؤ، كما درج التجار على تسوية الديون فيما بينهم في أثناء السوق الموسمي، وبصفة خاصة التجار الهنود من ساحل عُمان الذين كانوا يزورون سوق دلما المؤقت ويبتاعون اللؤلؤ ويقومون بتسوية واستلام متأخرات ديونهم· وسط تلك الجزيرة عاش غمران بن بطي القبيسي رحمة الله عليه والد ضيفة (على بساط الذاكرة) سيدة الأعمال شيخة بنت غمران، وقد ولد على تلك الجزيرة التي كانت بمثابة عاصمة لأبوظبي في تلك الحقبة الزمنية البعيدة، ولكن شيخة تقول أن أصل القبيسات يعود لمنطقة(العدّيد)، وعمل غمران في مهنة الغوص شأن بقية الرجال ولكنه كان شديد الكره للمهنة وللبحر نظرا للصعاب والمخاطر ورائحة الموت التي تحيط بالغواصين كلما أبحروا لصيد اللؤلؤ، ولذلك ما إن نبع البترول حتى نفض غمران يده من البحر وتوجه في البحث عن وظيفة· قالت شيخة وهي تجلس قبالتي بعباءتها ونقابها أن جدتها والدة أبيها منصورية وأخوالها أيضا من(قبيلة المناصير)، ولذلك كان ابوها يحن لحياة اخواله، فكان يميل لحياة البدو اكثر من الحضر ولذلك أنتقل فيما بعد لواحة العين، وكان مما أشتهر به الرماية، ولذا كان يتغلب على أمهر الهدافين، وعندما يخرج في رحلات الصيد لقنص الطيور والأرانب والظباء كان يخرج مع محمد بن هلال بن دري، وراشد بن جابر الهاملي، وبطي غمران القبيسي، ويعتبرون من امهر من يصوب ولكنه كان يغلبهم، ولذلك أطلق عليه الناس(بو وحده) أي انه لا يطلق على هدف رمية أخرى، فمن (مخباط) واحد كان يصيد طائر محلق أو طريدة تركض من سيارة متحركة· ولدت شيخة في واحة العين وتفتحت عينها على والد صاحب ناموس (يحب يتنومس) يشعر بالبهجة والفخر، فهو لا ينشرح صدره إلا وسط (البوش) الإبل وسباقات الهجن، وكان له بعير يسمى(صوغان) ومنه أصبح لديه فصيلة من الأصايل، وكانت شيخة هي البكر وقد كانت الجدة المنصورية( ميرة بنت محمد آل مانع) الأكثر قربا من شيخة وبقية أخوتها وهم ستة أخوة شبان وأخت ولدوا بعدها، فقد كانت تعتني بهم وتحثهم على إتباع السنة النبوية، كما تعلمت شيخة أن أكبرَ همٍّ يؤرق والدها هو ان يهمل أحدُ أبنائه الصلاة، كما حرص على أن يتعلم الأبناء القرآن الكريم، وحتى بعد دخولهم للتعليم النظامي كان حريصا على أن يذهب بهم في كل صيف إلى المطوع، ولكنه منع شيخة من الإكمال مع بقية الدارسين وأحضر لها مطوعا ليعلمها حفظ القرآن في البيت فقد كان في سعة مادية، ثم انضم لشيخة شقيقها بطي ليتعلم معها منزليا، ولم تكمل تعليمها حيث كانت الفتيات يُزوجن مبكرا في ذاك الزمن·
في أبوظبي
إن وصول زايد رحمة الله عليه كحاكم للعين أنتشل الناس من الحياة الصعبة، وأصبح لدى الجميع في العين وليوا وبدع زايد والجزر، أراض ومزارع وخيرات كثيرة من إبل ومواشٍ ومزارع النخيل التي تنتج التمور، ولكن شيخة كان القدر قد رسم لها حياة ربما تجعلها ذات يوم ممن ينتجون للتوزيع العالمي، فقد أنتقلت مع زوجها إلى منزله في أبوظبي بعيدا عن الأسرة الكبيرة، ولكن في أبوظبي تلقفتها يد والدة زوجها (شمسة بنت محمد بن خميس بن فريح) ومنحتها حضنا دافئا، ولأن شيخة أصبحت متفرغة للبيت فقد بدأت تصوغ قلادة جديدة لحياتها الآتية، وهي ترى تلك العمة أو الحماة تلظم حبات السلوكيات الراقية التي أتسمت بها، وكانت تؤثر بها على من حولها في خيط العلاقات الحريري المتين، ولذلك كانت شخصية ذات تأثير إيجابي في حياة المحيطين بها، ومنهم شيخة التي كانت تراها وهي تتعلم في كل يوم شيئا جديدا، ولم تكن ترى تجربة من تجارب من حولها دون أن تحاول أن تفعل مثلها، فقد كانت بارعة في إنتاج الكثير من المستلزمات الحياتية، ولم تكن شيخة بعيدة عن كل ذلك، ولكن عندما قررت أن تبدأ تجربتها لم تكن أي سيدة في أي قبيلة من القبائل العربية قد سبقتها لذلك، فقد قررت شيخة أن تصنع خلطات عطورها بنفسها·
عود ودخون وعطور
يعرف جميع أهل الخليج أنهم أصحاب ولع بالعطور والبخور وخصوصا التي تصنع منزليا، وكل دولة لها أسلوبها وروائحها التي تتميز بها، ولكن الكل يجمع على أن المرأة الإماراتية هي أكثر نساء الخليج حرفية في أختيار ومزج الروائح، ولذلك خرجت شيخة غمران القبيسي بخليط من العطور ولكن لم تفكر في يوم أن تقوم بالبيع للناس، ولكن كانت تصنع وتهدي منه في المناسبات، ثم انشغلت بالحمل والولادة، وعندما كبر الأبناء وجدت أنها تقضي الكثير من الوقت في النوم وكانت تتحسر على ذلك الوقت، ووجدت أن حماتها من النوع ذاته، لا تحب أن تضيع وقتها هدرا، وكانت رمزا للإنسان المنتج، فلم تكن تجلس بدون عمل أبدا، إذ كانت تنجز أعمالا حتى وهي تتحدث إلى صديقاتها وجاراتها، ولذلك فكرت شيخة في العودة إلى مقاعد الدراسة وعندما التحقت بالمركز المسائي أكتشفت أن صديقة الطفولة هي ذاتها مديرة المركز وهي الأستاذة فاطمة سعيد خلف المزروعي·
تقول شيخة القبيسي إن فاطمة صديقة الطفولة رغم أنها أم وزوجة وموظفة عاملة إلا أن لديها هواية خاصة قامت برعايتها وتنميتها وهي التطريز وشك الخرز والكريستال وهي حرفية من الطراز الأول، وبعد شهرين من أنتظام شيخة في الدراسة والإقبال عليها بشغف، طلبتها المديرة فاطمة بعد صلاة المغرب لتخبرها أن هناك معرضا سيقام في جمعية نهضة المرأة الظبيانية وتريد منها أن تشارك فيه بصنع بعض الخلطات العطرية، وكانت تلك بداية إنطلاقة شيخة في عالم تجارة العطور والبخور من المعمول والعود والخلطات العربية، فقد كانت البداية مع عطر خفيف وجمعت بعض الأنواع من الدخون، وقد بيعت طاولة شيخة بمبلغ 7000آلاف درهم ولم يتوقف الطلب منذ ذلك اليوم على عطورها وبخورها· كانت بذرةً قامت فاطمة خلف بسقايتها، ثم رعتها بأن كانت تأخذ من شيخة كميات كبيرة وتذهب بها لمنزلها وتبيع لمن كانت تأتي لمنزلها لشراء مستلزمات الولادة التي كانت تصنعها، العطور التي صنعتها شيخة، ولذلك تجد شيخة أن عائلة خلف هي أكبر عميل أيدها وساندها مما أتاح لها النجاح، وأنطلقت تبدع حتى وجدت مساندة كبيرة من زوجها الذي أتاح لها فرص الخروج للعمل، كما قدم لها شقيقها عوض القبيسي الفرصة الكبيرة بأن موّل لها مشروعها وخصوصا وهو بطل الإمارات في الفورمولا رقم 1 وكان أصغر متسابق وخامس بطل في العالم لعام 2000م، ولأن له علاقات خارج حدود الوطن العربي فقد وجدت شيخة الفرصة في التعرف على من يعرفهم من الأوروبيين لتقف على رأيهم في العطور الشرقية، وخصوصا عطورها هي فقد كانت تبحث من خلالهم عن إمكانية دخول بوابتهم كأوروبيين· آخر لقاء مع زايد
قالت شيخة إن القبيسات هم أخوال الشيخ زايد طيب الله ثراه ورحمة الله عليه، لأن والدته قبيسية، وقد قامت شيخة بصنع أفخر عطر لها واطلقت عليه(عرق زايد) وذات يوم من قبل بداية العام الماضي، وقد يكون آخر لقاء للراحل زايد مع قبيلة القبيسي، قام ابن خالتها غيث بن هامل بن خادم بدعوة زايد إلى منزله ليتيح الفرصة لكل أفراد القبيلة من رجال ونساء للقاء والدهم زايد رحمة الله عليه، وهناك كانت الفرصة لشيخة القبيسي لتفتخر بإهداء عطرها لزايد فوضعته في اكبر زجاجة من الكرستال، ثم وضعت الزجاجة في صندوق قامت بوضع 100 كيلوجرام من أفخر أنواع خشب العود فيه وأهدته لزايد الذي تعطر منه في تلك اللحظة، وسألها عن أسم العطر، وعندما عرف الأسم تبسم وقال متسائلا: وهل يحب الناس عرق زايد؟·· وتختتم شيخة حديثها بالدعاء الصادق: تغمده الله برحمته الواسعة واسكنه فسيح جناته·

اقرأ أيضا