الاتحاد

دنيا

سموم مستحضرات التجميل تهدد النواعم بالحساسية والأمراض السرطانية

معظم مستحضرات التجميل تحوي مكونات ضارة كالفتالايت أو الفورمالدهيد أو البارابين (أرشيفية)

معظم مستحضرات التجميل تحوي مكونات ضارة كالفتالايت أو الفورمالدهيد أو البارابين (أرشيفية)

كثُر الحديث في السنوات القليلة الماضية عن أهمية استخدام منتجات التنظيف اتقاء الإصابة بالأمراض، واستهلاك الأغذية العضوية تجنباً لأضرار المواد الكيماوية التي تعلق في الخضراوات والفواكه بسبب الأسمدة الكيماوية، وتقليل التعرض للشمس تفادياً للإصابة بسرطان الجلد أو غيره، والحرص على شرب الماء المصفى أو المعدني تجنُباً لتناول أي شوائب ضارة قد تعلق في هذا الماء أو لعدم التضرر من مكوناته المعدنية غير المتوازنة. لكن، لو ذهب كل واحد منا إلى رفوف حمام بيته لقراءة مكونات كل منتج من مواد الغسول والتنظيف التي يستخدمها صباح مساء، فإنه قد يكتشف أن الكثير منها يضر بالبشرة، وما تحت البشرة.


حسب السيدة جين هاوليهان، المسؤولة عن بحوث مواد التجميل الآمنة في مجموعة عمل بيئية، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تدافع عن حقوق المستهلك، فإن مستحضرات التجميل وباقي منتجات العناية الشخصية تحتوي على مكونات مختلفة من قبيل الفتالايت والفورمالدهيد والبارابين وثنائي إيتانول أمين، وهي مكونات يجدُر بكل مستهلك إدراك ماهيتها وخطورتها. وتقول جين موضحةً “كل ما نضعه على بشرتنا ينتهي به المطاف داخل أجسامنا. ولذلك فإن تعريض الجسم لكل ذرة من أي مستحضر أو منتج تجميل أو تنظيف أو عناية عن طريق التنفس أو اللمس لا يقل خطورة عما نأكله أو نشربه من مكونات ضارة بالصحة”.
ويقول أعضاء في هذه المؤسسة إن رفوف الصيدليات تمتلئ بشتى أنواع الشامبوهات ومزيلات العرق والمرطبات والصابون ومستحضرات التجميل التي يحوي معظمها كميات وافرة من المكونات الضارة بالصحة. وتقول ستيسي مالكان، مؤلفة كتاب “ضريبة الجمال والوجه القبيح للجمال الاصطناعي”: “لقد أظهرت بحوث عدة أن منتجات العناية الشخصية المتداولة التي ألفنا استخدامها يومياً تحوي مواد كيميائية يمكنها التسبب في اضطراب إفراز الهرمونات والإصابة ببعض أنواع السرطان والحساسية، وفي أحسن الاحتمالات الإضرار بالبشرة وتقصير عمر خلاياها”. وتضيف ستيسي “نظراً لوجود عدد قليل جداً من معايير السلامة الخاصة بمستحضرات التجميل في الولايات المتحدة الأميركية، فإن الشركات تجتهد بنفسها في اتخاذ قراراتها بشأن ما إذا كان أي من المنتجات آمناً بما يكفي لتسويقه وبيعه”.
ادعاءات المنتجين
يدعي صناع مستحضرات التجميل أن مخاطر استخدام منتجات التجميل بكميات قليلة من المواد الكيماوية هي عديمة الأهمية أو منعدمة. وتُقيم هيئة الأغذية والأدوية الأميركية بعض المكونات المستخدمة في صُنع مستحضرات التجميل، وقد سبق لها أن أصدرت تحذيرات بشأن استخدام الفورمالدهيد في أجهزة ومنتجات فرد الشعر. لكن نُدرة الدراسات الصلبة واسعة النطاق حول آثار مثل هذه المواد الكيميائية بالمستويات الموجودة في المكيفات ومعاجين الأسنان يعني أنه من الصعب معرفة هذه المخاطر. وتضيف مالكان “في الحقيقة، لا أحد منا يعلم علم اليقين حجم المخاطر باعتبار أن الكثير من هذه المواد لم يتم تقييمها من حيث سلامة الاستخدام”.
ونتيجةً لهذا الفراغ الناتج عن قلة البحوث الشافية الكافية حول حجم المخاطر الحقيقية، يبقى على المستهلك أن يختار نوع المنتجات التي يستخدمها، هل غسول الاستحمام المصنوع من مستخلصات الفواكه، أو أحمر الشفاه ومنتج ما بعد الحلاقة الذي قد يحتوي على الرصاص وثنائي الميثيل فتالايت، وهي مادة كيميائية معروفة بإضرارها بهرمونات الغدد الصماء تُستخدم على نطاق واسع في صنع المنتجات البلاستيكية وتتسبب في إتلاف الحيوانات المنوية للرجل وإضعاف جودتها ومشكلات تناسلية أخرى، حسبما جاءت به دراسة حديثة. هذا ناهيك عن المركب العضوي “4،1-ديوكسان” الذي مُنع في أوروبا بعد اكتشاف احتوائه على مواد مسرطنة.
مضافات خطيرة
في نوفمبر الماضي، وجد أعضاء مجموعة تُدافع عن حقوق المستهلك أن شركة “جونسون أند جونسون” تبيع شامبوهات أطفال تحتوي على كميات قليلة من كاتيون الأمونيوم الرباعي الموجب في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والعديد من الدول الأخرى، علماً أن هذه المادة الحافظة تفرز الفورمالدهيد المصنف مسبقاً ضمن المواد المسرطنة. وحتى بعد أن سحبت الشركة هذه المادة من منتجات مثيلة تُباع في أوروبا واليابان، فإنها أعلنت وبإصرار أنها لا تعتقد أن الكميات القليلة من هذه المادة المسرطنة الموجودة في الشامبوهات التي تصنعها تُشكل خطراً، واكتفت بالقول إنها ستتوقف على أي حال عن استخدام مثل هذه المكونات في صنع منتجاتها بمختلف مصانعها حول العالم.
ولا يكمن الخطر هنا في مكون كيميائي واحد في الشامبو الذي تستخدمه أو يستخدمه طفلك، بل في مدى تراكم هذه المضافات الخطيرة في الجسم من مصادر مختلفة. وتقول باربارا ساتلر، مديرة مركز التربية البيئية والصحية في كلية التمريض بجامعة ماريلاند، “إن التعرض لهذه المكونات السامة والمسرطنة تتراكم مع الوقت. وإذا درج الشخص على استخدام منتجين أو ثلاثة أو خمسة من تلك التي تحوي سُموماً عصبيةً على نحو يومي، سواءً عن طريق وضعها على بشرته أو استنشاقها أو امتصاصها، فإنه يزيد مخاطر الإصابة بمشكلات صحية غير محمودة العواقب”.
توصل أعضاء مجموعة العمل البيئية من خلال بحث استقصائي إلى أن معظم النساء يمتصصن عشرات المكونات الكيميائية الضارة يومياً عبر ما يستخدمنه من منتجات للاستحمام والتعطر والماكياج، مقابل امتصاص أجسام الرجال لحوالي ستة مكونات كيميائية ضارة يومياً. وبهذا الصدد، تقول ساتلر “هذا لا يعني أنهم سيشعرون بوجود مشكلة ما، ولكن ليعلموا فقط أن وراءها مخاطر تتباين وتتفاوت حدتها وسرعة ظهورها حسب العديد من المتغيرات الأخرى المهمة مثل تدخين الشخص من عدمه، ونسبة التلوث في بيئة عمله وعيشه، ونوع نظامه الغذائي، وكافة الأشياء الأخرى التي تُسهم في تحسين صحة الإنسان أو الإضرار بها”.
وعلى الرغم من أن اهتياج بعض أنواع البشرة مقابل امتصاصها لمكونات مثيرة أو حُدوث أحد التفاعلات الحادة على سطحها تبقى محتملة الوقوع، فإن مبعث القلق الرئيس هو الآثار بعيدة المدى التي يمكن أن تتسبب فيها هذه المكونات مثل السرطان أو مشكلات الخصوبة أو الأمراض العصبية.
مستحضرات “خضراء”
لا يعبأ الكثير من الناس بالكميات القليلة من المكونات الكيميائية الموجودة في المنتجات التي يستخدمونها بالرغم من علمهم بمخاطرها المحتملة. لكن القطاع “الأخضر” لصناعة مستحضرات التجميل ينتعش بالمقابل، وأولئك الذين يرغبون في تفادي هذه المكونات الكيميائية الضارة أصبحوا يجدون أمامهم خيارات واسعة من المنتجات “الخضراء”. لكن خبراء الرعاية الصحية يشيرون إلى أن توخي الحيطة والحذر يبقى أمراً مطلوباً حتى عند اختيار استخدام المستحضرات البديلة كالمنتجات “الخضراء”.
وتقول مالكان: “للأسف الشديد، هناك الكثير من الصناع يركبون على موجة منتجات العناية الشخصية “الخضراء”، ويدعون إنتاج منتجات خضراء خالية من المكونات الصناعية والحال أنها ليست كذلك، بل البعض منهم يُسوقها كأنها “منتجات” خضراء لأغراض ربحية ليس إلا”. وتضيف “بما أن بيع وشراء هذه المنتجات غير منظم وخاضع للوائح تنظيمية، فإن الوثوق بالادعاءات الترويجية والتسويقية يُعد رهاناً خاسراً للمستهلك، أو بالأحرى ضرباً من الجنون”. وتوصي مالكان الأوساط البحثية بإجراء بحوث جديدة لاكتشاف مختلف المكونات الكيميائية الضارة التي ينبغي تجنب إدخالها في صنع منتجات العناية الشخصية، وبتوعية المستهلكين بشأن أضرارها ومخاطرها المحتملة على صحتهم في الآماد القريبة والمتوسطة والبعيدة.
كما تدعو إلى مواصلة حملات التوعية بمستحضرات التجميل الآمنة، والتعهد بتحديث قائمة المواد الكيميائية الخطيرة على مدار الساعة، ودعوة الجمهور إلى عدم الاحتفاظ بأي منتجات يثبت احتواؤها على مكونات كيميائية مسرطنة أو ضارة بالصحة بشكل عام. كما تنصح النساء على وجه الخصوص بالتقليل من استخدام مستحضرات التجميل والابتعاد عن الماكياج السينمائي ومنتجات العناية الشخصية الاصطناعية التي تحوي أياً من المواد المسرطنة والضارة، وتدعوهن إلى الاستعاضة عنها بمنتجات التطهير والتنظيف والتجميل الطبيعية الأكثر حفاظاً على الصحة، شرط التأكد من “اخضرارها” وصداقتها للجسم والبيئة.

هشام أحناش
عن “واشنطن بوست”

اقرأ أيضا