أرشيف دنيا

الاتحاد

لعنة الفراعنة بين الخرافة والتفسير العلمي


إعداد-هالة دروج:
تعود بدايات لغز لعنة الفراعنة إلى اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون الذي جاء نتيجة لعمليات التنقيب الحثيثة التي قام بها الإنجليزي هوارد كارتر بدعم وتمويل من اللورد كارنارفون· وقد ارتبط اسم توت عنخ أمون بكثير من الأمور المثيرة للفضول والريبة في حياته ومماته وحتى ما بعد دفنه· فقد حكم هذا الملك الفرعوني مصر ما بين عامي 1358 و1349 ق·م· أي أن فترة حكمه لم تتجاوز العشر سنوات حيث توفى وهو في الثامنة عشرة من عمره وقد شاعت أقاويل حول احتمال أن يكون قد قتل·
لكن الجدل الأكبر الذي أثاره توت جاء بعد اكتشاف مقبرته التي أذهلت فريق المنقبين بوفرة كنوزها وولدت الكثير من الغموض والفضول بسبب حالات الوفيات التي تعرض لها العشرات من العلماء والباحثين والمنقبين الذين تواجدوا في موقعها·
بدأ هوارد كارتر عمليات التنقيب عن المقابر في منطقة وادي الملوك واستمر فيها إلى أن أحرز اكتشافه الكبير في 6 نوفمبر من عام ،1922 فأرسل برقية إلى الممول كارنارفون يخبره فيه بذلك ويطلب منه الحضور للمشاركة في فتح القبر المكتشف·
نصر لم يكتمل
لكن عملية الاحتفال بالنصر لم تكن تامة حيث أن العمال المحليين الذين استخدمهم كارتر في عملية استخراج الآثار كانوا قد أصيبوا بشيء من الخوف والهلع عندما وجدوا بين القطع الأثرية لوحا صغيرا كتب عليه 'سوف يقضي الموت على كل شخص يحاول إزعاج الفرعون'· ومن الغريب أن اللوح اختفى فيما بعد من بين موجودات الموقع لكن نقوشه ظلت محفورة في أذهان كل من قرأه·
كما ذكر الكاتب الألماني فيليب فاندنبرغ في كتابه 'لعنة الفراعنة' أنه كتب على ظهر أحد التماثيل التي عثر عليها داخل القبر: 'أنا الذي يطرد لصوص القبر بلهب الصحراء· أنا حامي قبر توت عنخ أمون'· ويضيف فاندنبرغ: 'لقد بذلت جهود كبيرة لتوفير الحماية لمثوى الفرعون الأخير· وبعكس الأشخاص العاديين كان باستطاعة الفرعون أن يخطط ببذخ وسخاء لعملية دفنه وتحنيط جسمه بطريقة تضمن حفظها للأجيال القادمة· أما توت عنخ أمون فلم يكن أمامه المتسع من الوقت للتخطيط لذلك لأنه توفي وهو ما يزال في الثامنة عشرة من عمره لذلك كانت عملية دفنه وتحنيطه مسؤولية الكهنة والسحرة'·
كان فريق المنقبين الذي عثر على جثة توت عنخ أمون في دهليز المقبرة يتكون من 21 رجلا، توفى منهم 13 رجلا خلال فترة قصيرة من الزمن كان من أبرزهم اللودر كارنارفون· وعندها أصبحت لعنة الفراعنة محط اهتمام الصحافة التي تناولت قضايا موت كارنارفون والآخرين كما تناولت قضية اللوح الذي كتبت عليه اللعنة والذي اختفى من موقع الاكتشاف·
وبدأت تثار التساؤلات حول حقيقة القبر: فهل كان المكان مليئا بالكائنات الدقيقة الضارة التي استطاعت أن تنمو وتتكاثر منذ آلاف السنين؟ أم أن الأمر يتعلق فعلا بمقدرات خارقة يتمتع بها شخص مثل توت عنخ أمون وتجعله قادرا على التأثير على حياة الآخرين؟ أم أن الوفيات تمت بمحض الصدفة وأن لعنة الفراعنة هي مجرد نسج من خيال أشخاص مولعين بكل ما هو خرافي وخارق للطبيعة؟
في السنوات القليلة الماضية تم تقديم تفسير علمي للعنة الفراعنة التي كانت السبب في موت كارنارفون الذي دارت تساؤلات حول ما إذا كان ناجما عن تعرضه للجراثيم والميكروبات القديمة الموجودة في القبر المغلق والتي فاقت طاقة جهازه المناعي الدفاعية التي كانت ضعيفة بسبب تعرضه للمرض قبل توجهه إلى مصر·
تقول جينيفر ويجنر الأخصائية في الآثار المصرية في جامعة متحف بنسلفانيا في فلادلفيا: 'عندما نتحدث عن القبور المصرية لا يكون الأمر مقتصرا على مجرد وجود الجثث وحسب· بل هناك أيضا مواد غذائية من لحوم وخضار وفواكه كان يزود بها الموتى من أجل رحلتهم إلى العالم الآخر· فهذه المواد الموجودة في القبور منذ آلاف السنين يمكن أن تجذب الكثير من الحشرات والفطريات والبكتيريا وهذه الأنواع من الكائنات الدقيقة'·
وقد أشارت الدراسات المخبرية إلى أن المومياء القديمة تحمل بالفعل أنواعا من الفطريات أو العفن بما في ذلك نوعان خطيران يسببان درجات حادة من الحساسية تتراوح بين الاحتقان وحدوث النزيف الرئوي· وتكون السموم أكثر مقدرة على الإضرار بالأشخاص الذين يعانون من ضعف في الجهاز المناعي· كما يمكن أن تكون جدران بعض القبور مغطاة بالكثير من المستعمرات البكتيرية الضارة بالجهاز التنفسي·
واكتشف العلماء وجود غاز النشادر والفورمالديهايد العديم اللون النافذ الرائحة وكبريتيد الهيدروجين داخل القبور· ويعرف أن وجود هذه الغازات بتركيزات مرتفعة يؤدي إلى حدوث حرقة في العينين والأنف وأعراض شبيهة بأعراض السل، وفي الحالات الحادة جدا يمكن أن يؤدي إلى الموت· كما تشير الفحوص المخبرية أيضا إلى وجود نوع من الكائنات الدقيقة تسبب مرضا تنفسيا شبيه بالإنفلونزا وتكون قاتلة أحيانا وذلك في فضلات الوطاويط التي تعيش في الكثير من القبور الفرعونية المكتشفة·
لكن الخبراء الذين درسوا حالة اللورد كارنارفون اعتقدوا أن سموم القبر لم تلعب دورا في وفاته· فالرجل المسن كان يعاني من المرض قبل أن تطأ قدمه قبر توت· كما حدثت وفاته بعد فترة من زيارته للقبر· فلو كان قد تعرض لخطر الكائنات البيولوجية الضارة في ذلك المكان لكان لها تأثير أسرع بكثير·
يقول دي وولف ميلر أستاذ الأمراض في جامعة هاواي في مانوا: 'لو فكرنا في الأوضاع الصحية في هذا العصر عموما وتلك المتوفرة في مصر خصوصا لوجدنا أن داخل القبر قد يكون صحيا بالنسبة إلى الحالة الصحية للورد كارنارفون أكثر من الأجواء الخارجية· ونحن لم نعرف عن حالة واحدة تعرض فيها المنقبون عن الآثار أو السياح لخطر الفطريات والبكتيريا الموجودة في القبور'·
مقابر آمنة
إلى ذلك لم تلاحظ جينيفر ويجنر أي نوع من القلق أو الحيطة من قبل زملائها أثناء وجودهم في مواقع القبور الأثرية القديمة إذ تقول: 'في مهام التنقيب عن الآثار التي شاركت فيها لم يكن أعضاء الفريق يحرصون على وضع الكمامات أو أي وسيلة أخرى من وسائل الوقاية من أخطار البكتيريا والفطريات· وإن فعلنا فذلك يكون غالبا لحماية أنفسنا من استنشاق الغبار وليس للوقاية من مثل هذه الكائنات الدقيقة· لكن في حال كان الإنسان يعاني من ضعف في المناعة فهذا يجعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الناجمة عن الكائنات الدقيقة في القبور، وهو نفس الأمر الذي يمكن أن يتعرض له في أماكن أخرى مثل المطاعم والمقاهي وغيرها'·
وهكذا بالرغم من وجود البكتيريا والفطريات والكائنات الدقيقة الأخرى تظل معظم المواقع الأثرية بما في ذلك المقابر آمنة بالنسبة إلى العلماء والسياح· ويرى علماء الآثار أن لعنة الفراعنة الحقيقية قد تكون موجهة نحو القبور أكثر من السياح الذين يتوافدون لزيارتها· فالضرر والأذى الذي تتعرض له القبور يفوق بكثير الخطر الذي يمكن أن يتعرض له زوارها لأن فتحها من قبل المنقبين الساعين وراء تحقيق اكشافات مميزة بدون التفكير بالطرق المناسبة لحمايتها والحفاظ عليها يمكن أن يعرض هذه الكنوز إلى مخاطر وخسائر جمة· كما يؤدي انتشار الرطوبة فيها بعد فتحها إلى زيادة تكاثر البكتيريا على جدران المقابر والإضرار بالطلاء والرسوم التي تزينها·

اقرأ أيضا