الاتحاد

دنيا

سقوط «الصيد الثمين»

(القاهرة) - ولد في بيت فقير لأب معدوم، التحق بالمدرسة حتى الإعدادية ثم تركها لأن أباه دخل السجن فهو متهم في أكثر من سبع وثلاثين قضية، لابد للصبي أن يعمل ليأكل، وهو واحد من أسرة تضم أكثر من عشرة أخوة وأخوات، عراة حفاة على كل منهم أن يتحمَّل مسؤولية نفسه، فعمل في مهن كثيرة أجيراً باليومية، غير أنه لم يستمر في طريق العمل الشريف، ليسير على خطى أبيه، وبدأت علاقته بالانحراف وعمره خمسة عشر عاماً بسرقة بقرة الجيران بعد مشادة معهم، ثم احترف الإجرام بعد ذلك وأصبح لصاً متخصصاً في سرقة الماشية، وعرف الناس في المنطقة أنه وراء أي سرقة من هذا النوع أو على الأقل يكون شريكاً فيها، وإلى هنا فإن ياسر الحمبولي - وهذا اسمه - لص عادي جداً، أصغر من أن تنتبه إليه القرية ومن حولها.
العائلة كلها بعضها من بعض، فزوج شقيقته «هاشم العزب» الملقب باللورد كان أستاذه الأكبر، علمه إطلاق النار وحمل السلاح، خرج به من الحدود الضيقة إلى القرى والمدن والجبال المجاورة ليفرض نشاطه على جنوب مصر، يعيث في الأرض فساداً وتخريباً يرتكب جرائمه من كل نوع، يستغل سلبية الآخرين وخوفهم منه، لأنهم يؤثرون السلامة ويفرون من وجهه، وهكذا أصبح «الحمبولي» شقياً خطراً على الأمن، وتزوج وأنجب أوَّل أبنائه ويدعى «حشمت»، لكنه لم يبتعد عن طريق الشقاوة، كما كان يحب أن يسميه ويتباهى به، وقام بالمال الحرام الذي يسلبه بإنشاء مصنع للطوب وبناء بيت وشراء الأراضي، ولم يكن نشاطه مقتصراً على السرقة وقطع الطرق، وإنما امتد إلى تجارة المخدرات، واستطاع من خلال أذنابه ترويجها في كل مكان، لكن سقوطه هنا كان سريعاً وحتمياً وان تأخر لعدة أعوام، وأُلقي القبض عليه وصدر ضده حكم بالسجن خمس سنوات، ورغم غيابه وراء القضبان لم تتنفس المنطقة الصعداء ولم تهدأ كما كان متوقعاً، لأن أصهاره ورجاله يواصلون مشواره كأنه بينهم، يوجههم ويدير عصابته من وراء الأسوار، وتأتيه الحصيلة ويذهب بعضها لأسرته التي تعيش في رغد من المال الحرام.
وأثناء قضائه العقوبة قامت ثورة يناير المصرية وفي يوم جمعة الغضب، هرب من سجن قنا العمومي وعاد إلى قريته، تحوَّل إلى عنكبوت مد خيوطه في عدة محافظات، اختار بعناية مجموعته الإجرامية التي تجاوزت العشرين فرداً من أقاربه والهاربين معه من السجن‏، بصماته على معظم الجرائم من سطو إلى سرقات وقطع طريق، يسمونه عفريت الليل، استعاد نشاطه العصابي، انطلق إلى الطرق باحثاً كالذئب وسط ظلمة الليل عن فرائسه ليسرق السيارات ويروع المارة، اشترك مع زوج أخته الملقب باللورد وعشرة آخرين في سرقة حصيلة إيراد محطتي وقود للسيارات وعندما حاولوا الفرار بالغنيمة اصطدموا بمفتش مباحث المنطقة الذي كان متمركزاً في أحد الأكمنة، وهو يعرفهم ويبحث عنهم، فأطلقوا عليه وابلاً من الرصاص قبل أن يتمكَّن منهم، أنهوا حياته بدم بارد وفروا جميعاً هاربين، لكن أصابع الاتهام أشارت إليهم، وتمّ القبض على زعيمهم «اللورد» وأربعة من شركائه في الجريمة، وصدر حكم بالإعدام ضد الأول، وبالمؤبد ضد الآخرين و»الحمبولي» الذي ما زال هارباً، وبعد سقوط «اللورد» تقدَّم لقيادة العصابة ليتحوَّل إلى «خُط الصعيد»، ويحصل على هذا اللقب الذي لا يطلق إلا على عتاة المجرمين والسفاحين، ويضم إليها آخرين للمشاركة أو لتصريف المسروقات أو لذبح السيارات وسط الجبال الشاهقة التي يصل إليها عبر المدقات أو للاختباء، منهم شقيقه وأزواج شقيقاته. قاد «الحمبولي» عصابته للسطو أكثر من مرَّة على مخازن شركتين كبيرتين للمقاولات وسرقوا أطناناً من الحديد والكابلات النحاسية، وسرقوا محطة وقود في وضح النهار وهم يستقلون سيارة مسروقة بدون لوحات وعندما اعترضهم شرطي ليسألهم عن تراخيص السيارة أمطره بوابل من الرصاص فسقط بين الحياة والموت، ليضاف إلى الضحايا الكثيرين ويتضخم ملفه الإجرامي، وما بين ظلام الليل وخيوط الفجر يمارس أفعاله الآثمة.
أثناء سرقته سيارة محملة بالأجهزة الكهربائية ومحاصرة قوات الشرطة للسيارتين اللتين تقلانه ورجاله نجحوا في الإفلات وسط زراعات القصب وكادت المباحث أن تضبطه، لكنه هرب وبعد مداهمة مسكنه ووصول معلومات بوجوده به استغل التجمع البشري للهروب تحت غطاء من طلقات الرصاص، وشاهده الأهالي أكثر من مرة في سيارة نصف نقل نصب عليها مدفعاً رشاشاً «جرينوف» سريع الطلقات، وتم وضع صورته على الإنترنت وهو يحمل هذا السلاح وتحته «فراش» من الدولارات من حصيلة جرائمه.
أصبح المجرم الكبير مطارداً ويتم وضع الخطط تلو الأخرى للإيقاع به، وتوجهت حملة أمنية إلى وكره، وفور وصول القوات، بدأوا إطلاق الأعيرة النارية بشكل كثيف من الزراعات وتبادلت معهم القوات النيران، وأسفرت الحملة عن مصرع ابن عمه المسجل خطر، والقبض على «حشمت» نجل «الحمبولي» ابن الثالثة عشرة والمتهم في قضية سرقة وبحوزته بندقية آلية، فمن شابه أباه فما ظلم، وقد أصيب «الحمبولي» في قدمه ورأسه، لكنه تمكن من الهرب، كان مثل الثور الجريح، كلما نزفت منه الدماء ازداد شراسة وعنفاً، تحوَّل إلى مارد مرعب، فخرج مسؤول أمني ليطمئن الناس ويهون من ذلك ويؤكد، أنتم تبالغون بأهمية «الحمبولي»، وما هو إلاّ لص سيارات، لكن «الحمبولي» استشاط غيظاً من هذا الوصف والتصغير لأنه مجرم يُشار إليه بالبنان في عالم الانحراف، أراد أن يرد على تلك المقولة بأنه الخُط، وفي السماء كانت ضالته، المنطاد الذي يحلق فوق المدينة الأثرية يستقله السياح في جولاتهم الجوية، فتحرَّك ورجال عصابته، اختبأ وانتظر حتى نزل السياح منه وظهر فجأة أمام العمال واستولى على المنطاد والسيارة التي يستقلها السائحون وأخذهم رهائن، حتى يتم الإفراج عن ابنه، وبكل تحد اتصل ليلتها بقيادة أمنية كبيرة وأخبره بذلك، ثم ترك السياح احتراماً للسياحة، ولأنهم ضيوف ولا ذنب لهم، بينما هدد بأن التأخير في التنفيذ سيدفعه لمعاودة الكرة خلال ساعات لاختطاف أتوبيس بالأجانب، وفي نفس الوقت قامت عصابته بالهجوم على كمين شرطة، كما سرقت مئة ألف جنيه مرتبات لعمال إحدى المزارع، وتوالت أنشطته في محاولة لتكثيف الضغط على الشرطة لإطلاق سراح ابنه، لكنهم لم يستجيبوا لتهديداته.
اختفى «الحمبولي»، وتمّ تشديد الإجراءات الأمنية حول المنافذ المؤدية إلى الطرق الجبلية للحيلولة دون هروبه، وتمت مهاجمة منزل لأحد أعوانه لكنه بادر بإطلاق الرصاص ولقي مصرعه في النهاية، وواصلت القوات حملاتها بين كر وفر، ووقعت اشتباكات بين قوات الأمن وأفراد العصابة، أسفرت عن تساقط العديد منهم واحداً تلو الآخر، وهم يمتلكون كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر المصنعة في الخارج.
«الحمبولي» متأكد من أنه بعد كل هذا مطلوب حياً أو ميتاً، يرفض أن يستسلم، وهو يعيش كزعيم وان كان زعيم عصابة إجرامية، ويرفض العودة إلى القضبان التي جربها من قبل، وأصبح له عيون ومرشدون يخبرونه عن أي تحرك من رجال الشرطة في أي محاولة للقبض عليه، يرى أنه من الصعب الوصول إليه لأنه يتخذ جميع احتياطاته، وبعد كل مكالمة هاتفية يقوم بالتخلص من شريحة تليفونه المحمول، وتغيير مكان اختبائه باستمرار، لا يفوته أيضاً أن يتصل بالصحف لينفي ما يتردد حول هروبه إلى الخارج ويؤكد أن مثله لا يهرب وإنما يواجه كل الصعاب وجميعها هينة أمامه، وتحدى بأنه موجود ويتحرَّك بشكل طبيعي جداً، ويتنقل بحرية كاملة، يؤدي مع مجموعة من عائلته، واجبات العزاء ويشارك في الأفراح بالمنطقة، وقد كان هذا هو السر وراء تأخر القبض عليه، لأنه لا يظهر إلا وسط تجمعات بشرية، وبينه وبين نفسه يتخذها كدروع بشرية، ويعلم علم اليقين أن الشرطة لن تهاجمه وسط المواطنين لأنه سيستخدم السلاح ويسقط ضحايا أبرياء، والتعليمات تقضي بإنهاء المهمة بلا دم.
بعد ثلاثة أيام فقط من تحدياته تلك، تمكنت أجهزة الأمن من إنهاء أسطورة الإجرام والقبض عليه وبصحبته اثنان من رجاله، داخل شقة استأجرها أحدهما، بعد عملية تتبع أكثر من شهرين، حيث تم رصد تحركاته وتحديد الأماكن التي يتردد عليها، في أوقات متأخرة ليلاً، بالفعل تمت مباغتته والتعامل معه بدون إطلاق رصاص والقبض عليه حياً بخلاف ما أذاعه بأن قوات الأمن تريد قتله.
العملية الخطرة حملت عنوان «الصيد الثمين» تمت في سرية كاملة لضمان عدم هروبه، كما حدث كثيراً في الماضي، وكذلك لأخذه على حين غرة قبل أن يتمكن من استخدام السلاح وحينها سيتحول المكان إلى نهر من الدم، سقط وبحوزته بندقيته الآلية، التي اعتاد التصويب بها، وكمية كبيرة من الطلقات تكفي لدخول حرب، لينهي جهاز الأمن أسطورة «خط الصعيد» الجديد المطلوب في أكثر من سبعين قضية، تفوق أحكامها السجن أربعمئة سنة، وقد انتابته حالة من الصدمة والذهول ولم يصدق أنه في قبضة الشرطة، وعلى عكس ما كان يردد بأن الناس يحبونه ويؤيدون أفعاله، سادت فرحة عارمة للأهالي، وانطلقت السيارات، بمكبرات الصوت ابتهاجاً بسقوطه بعدما تسبب في ترويعهم شهوراً وسنيناً عديدة.

اقرأ أيضا