تبهرك مدينة سيول، عاصمة كوريا الجنوبية، بجمالها ونظافة شوارعها وأزقتها الخلفية، وبنظم السير غير المعقدة في جميع شوارعها·· ولكن ما كان يهمنا كإعلاميين خلال زيارتنا القصيرة، برفقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، هو الاطلاع على الوجه الآخر لهذه الدولة التي تحولت إلى مارد تكنولوجي انطلق كالصاروخ من أقصى شرق القارة الآسيوية، ليصل صداه وصيته إلى كل أرجاء المعمورة· وكوريا الجنوبية لها اليوم نصيب في التقدم التقني والعلمي وفي ثورة تقنية المعلومات التي تجتاح العالم، والتي تتبارى في مضمارها أغلب دول آسيا تقريبا·· فهذه الدولة المتقدمة، تسابق الزمن للحاق بالعملاق الأميركي في مجال تصنيع الرقائق الإلكترونية وغير ذلك من البرامج الخاصة بالاتصالات· وخلال الزيارة، أمكننا التعرف عن قرب على بعض أوجه التقدم في هذه الدولةالآسيوية·· فتجربة كوريا هي من أغرب التجارب على الإطلاق·· فقد كانت قبل حوالي ثلاثة عقود من الآن أقل تقدما من نصف دول القارة الأفريقية، كما قال لنا نائب رئيس اتحاد الصناعات المتوسطة والثقيلة في كوريا الجنوبية·· وكان إجمالي الناتج القومي لها لا يزيد عن نصف إجمالي الناتج القومي لدولة عربية وأفريقية كبرى مثل مصر على سبيل المثال·· أما اليوم فإن كوريا تعتبر من الدول العملاقة في مجال التقدم العلمي والتقني، بقوة اقتصادية هائلة، وتخطى الناتج القومي لها عام 2006 حاجز التريليون دولار (ألف مليار دولار)، لتلحق بالدول الغنية في القارة الأوروبية التي تعدى ناتجها القومي هذا الحاجز!·· كل ذلك تم خلال زمن قياسي لا يزيد عن ثلاثة إلى أربعة عقود فقط· وحين تسأل يأتيك الجواب·· وإذا سألنا: ''كيف؟''·· فإن الإجابة جاهزة·· فكوريا اتبعت أسلوبا معقدا ومتطورا لبناء ثورتها الصناعية والتقنية·· فبدلا من أن تخترع التكنولوجيا المتطورة وتصنعها، اتبعت أسلوبا يجمع فيما بين العلم والتكنولوجيا يعتمد على ما يعرف بـ ''الهندسة العكسية''، كما يقول خبراء التعليم عندهم·· وهي تعتمد على دراسة واستيعاب التكنولوجيا الغربية بشكل ''تفكيكى'' ثم تقليدها·· وبنفس الأسلوب تمكنت من تصنيع المنسوجات والصناعات البدائية البسيطة وأجهزة الإرسال والبث فى البداية، حتى تحولت إلى دولة مصدرة لهذه المنتوجات، مما وفر لها فائضا ماليا ضخما تمكنت بواسطته من التقدم وامتلاك تكنولوجيا معقدة تعتمد على المعارف والمعلومات والصناعات المعقدة والثقيلة· الدور الأكبر في هذا التقدم كان للنظام التعليمي الحكومي، حيث واكبت المؤسسات التعليمية فى خط متواز ما يحدث من تطور تكنولوجى وصناعي، وهذا ما يعرف بالتطابق بين التعليم والثورة التكنولوجية·· فقد كانت لكوريا الجنوبية تجربة متميزة، حيث كانت تدفع فى البدء 3% مقابل التراخيص التكنولوجية للسلع والآلات التي تقلدها، وارتفعت النسبة إلى 12% فى السنوات الأخيرة، ورغم ذلك تمكنت من تحقيق مستويات اقتصادية وتكنولوجية خلال 30 عاما فقط·· نحن حقا بحاجة للاستفادة من هذه التجارب الراقية··