صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الثورة البيوتكنولوجية.. هندسة الكائن البشري

تتبلور منذ منتصف القرن العشرين، في قدر من السرية والصمت، ثورة تكنولوجية جديدة ونوعية تجّب ما قبلها بسرعة تطورها وبمضاعفة قدراتها إلى حد يلغي الفارق المتوارث بين العلم والخيال العلمي.
تتألف هذه الثورة من أربع موجات تكنولوجية تدعى NBIC وهي اختصار لأربعة مكونات:
- النانوتكنولوجيا أي تكنولوجيات المتناهي الصغرى أي ما يقارب جزءاً من المليار من المتر من الذرة.
- البيوتكنولوجيا وهي تكنولوجيات الحياة والخلية والجينات أي الهوية البيولوجية والجينية للإنسان.
- المعلوميات.
- علوم الدماغ وموضوعها المكونات الدماغية والعصبية (Neurones).
وهذه التخصصات العلمية/‏‏ التقنية تصب إحداها في الأخرى في اتجاه إحداث تحولات نوعية في تاريخ البشرية خاصة أن التقنية هذه المرة تتجه من الطبيعة الخارجية إلى الطبيعة الداخلية أو الذاتية للإنسان. وقد أصبح العلماء يقولون إنه إذا كان القرن العشرون هو قرن الهاتف والسيارة والكهرباء، فإن القرن الواحد والعشرين هو قرن الثورات البيولوجية بامتياز. قرن قراءة الكود الجيني للإنسان والتحكم فيه عن طريق معرفة دقيقة للجينوم الإنساني ذاته والتحكم في DNA وإعادة البصر للمكفوفين والسمع للصم والنطق للقويين والحركة للمشلولين.
هذا القرن الجديد يعمل في صمت على تحقيق حلم كبير وضخم للإنسان وهو الرغبة في الخلود أو تطويل الحياة إلى أقصى ما يمكن أو على الأقل مضاعفة قدراته المختلفة بحيث يحيا حياة أمينة وطويلة الأمد.
هذه التحولات ترعاها موجات الـ NBIC (النانو- بيو- معلوميات-الدماغ) في اتجاه اتخاذ الإنسان أو تطوير النوع الإنساني موضوعاً أساسياً لها بهدف تحقيق الانتقال من الإنسان العادي ذي القدرات المحدودة إلى الإنسان ذي القدرات اللامحدودة وذلك عبر:
- مضاعفة أو تعشير أو تأليف (من الألف) القدرات الحساباتية للدماغ البشري عن طريق هندسة الدماغ أو وصله بشرائح إلكترونية ذات قدرات حاسوبية عالية في أفق صناعة الدماغ.
- زيادة سرعة الإنسان.
- التقليل من النوم.
- تقوية الذاكرة إما بحقنها أو بإفسالها أو بإلحاقها بذاكرات إلكترونية قوية.
- زيادة قوة العضلات وتحطيم كل الأرقام القياسية في الرياضة.
- تدقيق وتضخيم الإحساسات.
- تقوية الرؤية والسمع بل إعادتهما.
- مقاومة أعراض الشيخوخة واعتبار الموت بمثابة حالة مرضية مكثفة يمكن تأخيرها، بل يتحدث بعضهم عن النضال ضد الموت بينما يتحدث آخرون عن إماتة أو قتل الموت! وذلك عبر التشبيب المستمر للخلايا وترميم أو استبدال الأعضاء العيية حيث يضع العلماء من الآن خطة لإضافة عشرين سنة لمتوسط عمر الإنسان في حدود سنة 2035 وهكذا بالتوالي.
بل يتحدث رواد الطب التكنولوجي عن خطة لتمكين الإنسان من أن يطلب الولد أو البنت التي يريد (Bebé à la carte) محدداً سقف الذكاء وقوة وسرعة وطول الجسم وشكل الوجه ولون العينين التي يريد.
كما ستفتح مستقبلاً دكاكين لترميم الخلايا أو استبدال الأعضاء أو شراء مكملات أو قطع غيار العبقرية - قطع غيار التميز والتفرد في مجالات رياضية أو تعليمية أو تدريبية معينة... والبقية تأتي.
كما سيكون بإمكان الإنسان خلال سنوات أن يحمل في جيبه مفتاحاً إلكترونياً (USB) يضم معلومات دقيقة حول جينومه الخاص وكل خرائطه الجينية وخصائصه البيولوجية.
الثورة البيولوجية هي الآن في بداياتها أو في عامها الصفر كما يصفها أهلها، وهي تحول نوعي في تاريخ الفكر البشري لأنها تلغي الفاصل القديم بين العلم والسحر ولأنها تحقق تطابقاً بين العلم والخيال - العلمي، ولأنها مدهشة ومفاجئة ومذهلة بسرعة تطورها.
لقد عرفت البشرية عدة ثورات صناعية في العصر الحديث أولها ثورة استخراج الطاقة من الفحم، تليها ثورة الكهرباء والمحرك الانفجاري نحو سنة 1900 ثم الثورة الإعلامية أو المعلوماتية المتمثلة في التواصل والرقمنة (1970) ثم تليها الثورة البيولوجية الآن التي تعلن أنها بصدد تدشين مرحلة تعديل طبيعة النوع الإنساني وفتح الطريق أمام ما اصطلح على تسميته بمجاوزة النوع الإنساني (Transhumanism).
يرى بعض الباحثين أن هذه الثورة، من حيث مختلف مفاعيلها الفكرية والميتافيزيقية تندرج ضمن الثورات الفكرية الكبرى التي حدثت في تاريخ البشرية والمنسوبة عامة إلى أسماء علماء كبار: غاليلووكوبرنيق- داروين- إينشتاين- فرويد... وهذه الثورة البيوتكنولوجية الجديدة تندرج في هذا الأفق وتتجه نحو نوع من الصناعات البيوتكنولوجية لأعضاء الجسم الإنسانى متفرقة أو مجتمعة وربما إلى رقمنة وبرمجة النوع الإنسانى نفسه.