صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

زيارة غير ملائمة

كان بول بولز (Paul Bowles) مجرد مراهق عندما بدأ كتابة القصة القصيرة والشعر والتأليف الموسيقي. نشرت له المجلة الفرنسية «تحولات» ذات الاتجاه السوريالي أولى قصائده في السابعة عشرة من عمره، قبل أن يقرر في العام التالي حزم حقائبه وبدء مشوار أسفاره الطويل بين أوروبا وشمال أفريقيا والمكسيك وأميركا الوسطى. غير أن ملكة القصة القصيرة لم تتأصل فيه إلا بعد أن أصبح مقيماً بصورة دائمة في طنجة التي توفي فيها. له أربع روايات ومائة قصة قصيرة إضافة إلى مقالات في أدب الرحلات.
في قصصه، يحاول بولز إبقاء الفانتازيا في حدود معقولة جداً، مطعمة بسخرية خافتة، كما لو أنه يقول لك دعابة أو يروي حكاية عجيبة دون أن يفكّ خيوط العبوس عن وجهه. ولا يبلغ رومانطيقية أدباء اشتهروا باحتكاكهم ببيئات مدقعة أو تعيسة كالفرنسي لوكليزيو، وجعلها موضوعاً للكتابة. فنحن هنا أمام كتابة تلتفت أكثر للحدث، لا للتوصيف. كأنها مدارة نحو الاحتجاج... هنا ترجمة لقصته «زيارة غير ملائمة».

بعد مئات الأعوام من الطواف في الفضاء، تولَّدت لدى سانتا روزندا رغبة في أن تعود إلى الأرض. إذ شعرت في الفترة الأخيرة بحنين إلى موطنها وتكوّن لديها اعتقاد مسوق بالعاطفة، بأن الإحساس بالأرض الإسبانية تحت قدميها من جديد سيجعلها سعيدة. لم تفصح عن موعد وصولها. ذلك أنه إذا ما كُشف أمرها، فإن الانتباه الذي ستجتذبه، قد يحوّل كل السلام الذي تصورته إلى ضرب من المستحيل.
إلا أنه كان من الضروري لسانتا روزندا إذا ما أرادت أن تشعر تماماَ بتماس مع الأرض، أن تتجسد. في تلك الحالة فقط ستصبح أكثر تقبلاً بواقع ما قد يحيط بها. هذا بالطبع سيجعلها بائنة، كشائبة، جزئياً بسبب ملابسها غير المناسبة للعصر، بل أكثر من ذلك، فإن الأورة الخفيفة التي حول رأسها تحمل، وبصورة لا تقبل الشك، شكل هالة.
وصولها، كان مفاجئاً. فقد ظهرتْ ببساطة من بعد ظهر أحد الأيام خلف أجمة شجيرات في الحديقة العامة لمدينة إسبانية في الأقاليم. امرأة تعمل مدرّسة كيمياء في كلية قريبة، كانت جالسة على مقعد. ما إن رأت سانتا روزندا حتى نهضت بفزع من مكانها وأطلقت ساقيها للريح. وهو ما لم يبشر بالخير لفترة استجمام على الأرض. أدركت سانتا روزندا أن عليها تجنُّب المدن.
وبالتالي، فقد حطت رحالها في حقل خارج قرية صغيرة على جزيرة مينوركا. اختارت أن تهبط في الحقل لأن معالمه أبهجتها، ولاعتقادها أنه سيكون مهجوراً. لكن فتاة من القرية كانت جاثمة في الحقل تجمع الخُضر، وقد جعلها وصول سانتا روزندا المفاجئ تنهض وقد اعترتها الدهشة. عندئذ، اختفت سانتا روزندا بلمح البصر، لكن الوقت كان قد فات. فالفتاة هرعت إلى القرية وهي تصرخ بأنها شهدت معجزة. وقد مُنِحت قصتُها كل المصداقية. اتجه المئات من الناس إلى الحقل بغية رؤية ولو بارقة من ذلك التجلي القدسي. أما سانتا روزندا، فشاهدتهم ببغض وهي تحلق فوق رؤوسهم، وعزمت بأن تنقل نفسها إلى البر. فعليها أن تجد بقعة بهيجة، بحيث يمكنها البقاء فيها دون الخوف من أن تُرى.
وبالنظر إلى المصاعب التي تحتم عليها التعامل معها، فمن المستغرب أنها لم تتخل عن خطتها وترجع إلى الفضاء. ذلك أن سانتا روزندا لم يكن لديها أية وسائل للتواصل مع الناس، وحتى إن رغبتْ بذلك، إذ كانت بلا صوت. لم يكن بمقدورها أن تقرأ أو تكتب، ففي زمانها لم يُر التعلّم كضرورة، حتى للقديسين.
إنها ليست بالشروط المثالية للعودة إلى ربوع الوطن، لكنها لم تملك الخيار في هذا الخصوص. إذا ما أرادت أن توجد على الأرض فعليها القبول بذلك. هذه النقائص الثانوية، حمَّلتْها سانتا روزندا وزناً يفوق واقع أنها ليست بحاجة إلى الطعام أو النوم، وفوق كل ذلك، فإن لديها القدرة على الاختفاء في أية لحظة تراها ضرورية. والسبب أن الإحساس بتلك النواقص لم يرق لها. بأية حال، فهي لم ترجع لتتبادل الأحاديث مع الناس، بل على العكس، فقد أملت في أن تتفادى كل احتكاك وإياهم.
وعندما وجدت كهفاً مضيافاً على طرف تلة، أنشأت مكاناً لها غير بعيد عن مدخله، بحيث يمكنها أن تمعن النظر من خلاله بالمناظر الطبيعية المنوّرة بالشمس، ومن ثم تغمض عينيها وتستغرق في التفكير بالفوارق التي حلّت بالأرض منذ غادرتها. كانت تعرف أن لا ثبات على الكوكب، وأن كل شيء في حال من الدفق المتواصل، رغم ذلك فقد دهشت للتحولات الاستثنائية التي ضربت الأرض خلال فترة غيابها. لكن ملابسها استحوذت بشكل رئيس على تفكيرها. فقد لاحظت أن البالطو الذي ارتدته سيلفت الانتباه أكثر من أي شيء آخر، نظراً للتفاوت بين مظهرها والنساء الأخريات. فهي لن تجد السكينة التي تخيّلتها قبل أن تتمكن من تدبّر أمرها نوعاً ما، فتصبح غير مميزة عنهن. وبهذه الخاطرة في ذهنها، لفّت رأسها بخرقة عثرت عليها في الكهف. فكرت أن الهالة على الأقل لن تعود بائنة.
بعد ظهر أحد الأيام، ما إن فتحت عينيها للحظة، حتى وجدت ولدَين يلهوان على مقربة من الكهف. كانا قد رأياها، هذا ما أدركته، لكنهما لم يظهرا أي اهتمام بها. مطمئنةً لهذا، أغمضت عينيها مجدداً. وعندما فتحتهما لاحقاً، كان الولدان قد رحلا. لكنهما ظلا يأتيان كل يوم ويبقيان على المسافة عينها من الكهف.
ما لم تعلمه سانتا روزندا أن الولدين أخبرا ذويهما بشأن تلك المرأة الغريبة الجالسة دوماً في المكان نفسه، يوماً تلو الآخر. وبما أنه كان هناك ثكنة عسكرية مزودة بمهبط للطائرات في الطرف الآخر من التلة، فقد طُلِبَ من العامة الإبلاغ عن أي أشخاص مثيرين للشبهة في الجوار.
وعليه، تحدث والد الطفلين إلى أحد الحراس مبلّغاً بوجود امرأة بصورة دائمة في الكهف. ونتيجة لذلك قامت مجموعة من الجنود بزيارة سانتا روزندا وقد أجبرها هؤلاء على مرافقتهم في سيارة عسكرية كانت بانتظارهم على الطريق في الطرف الآخر من الغابة. أمطروها بأسئلة سمعتها وفهمت مغزاها إلى حد ما، لكن لم تستطع الإجابة عليها. فقررت الإذعان لهم مدفوعة بفضول كبير، وذهبت رفقتهم. فذلك قد يجعلها تكتشف ما الذي أرادوه منها. ناهيك عن أن قيامها بالتحوّل أمامهم والاختفاء سيكون أمراً فظاً إلى حد كبير. وهي تفضل أن تفعل ذلك بعيداً عن الأعين.
نُقلت أولاً إلى قسم الشرطة، حيث لم تفهم شيئاً مما كان يدور من حولها. من هناك، أُخِذتْ إلى المستشفى حيث شُرِح للممرضة عند باب الدخول أن حالتها البكم والصمم. اصطحبتها ممرضة أخرى إلى غرفة صغيرة، حيث تركت بمفردها، وأُوصِد الباب. الطبيب الذي كلف بمعالجتها كان قد لمحها وهي تدخل المبنى. ولملابسها غير المألوفة، والخرقة الملفوفة على رأسها، راودته شكوك في أنها ليست سوى رجل متنكر. وقد أكد مخاوفه ما سمعه من الممرضة عن أن المرأة لا يمكنها التكلم.
«فلنرَ»، قال لنفسه وهو يفتح باب الغرفة. لكن سانتا روزندا، كانت قد اختفتْ قبل لحظة من دخوله مدفوعة بغضب شديد لإبقائها محبوسة داخل غرفة ضيقة، وتبرّم من هذه التدابير غير الإنسانية. الغرفة كانت خالية الآن. والطبيب نادى الممرضة بانفعال وأخبرها أن لامبالاتها تسببت بهرب شخص هو على الأرجح مجرم شديد الخطورة. أما الممرضة فأجابت بأن الباب كان موصداً وأن في رأيها بكل الأحوال أن المرأة شبه مختلة عقلياً، لا أكثر. لكن الشرطة كانت قد أُبلغت وانطلق البحث عنها، بدءاً بالمستشفى.
وفيما ذرع الممرضون والأطباء المتدربون المبنى بحثاً عنها في كل الغرف، راحت سانتا روزندا تراقبهم، وتفكر في أنهم يتصرفون كحمقى. لم تستطع أن تخمّن ما الذي أرادوه منها، لكنها لم تثق بنواياهم. وبينما طافت في المبنى مراقبة الإرباك الذي تسببت به، وصلت إلى حجرة المعاطف حيث تترك الممرضات ثيابهن المدنية قبل ارتداء زيّهم المهني. كانت تلك شرارة الحظ الموفق الذي أملت به. فساتين، كنزات، معاطف كلها يتدلى من تعاليق على الحائط، إضافة إلى أن معظم الخزائن كان مفتوحاً، ما كشف عن مزيد من الملابس لتجربها. لم يدم الأمر أكثر من عشر دقائق لتنتقي سانتا روزندا الثياب التي تناسبها. كان هناك حذاء لاءم قدميها، ووجدت شالاً من الحرير الإيطالي لتربطه حول رأسها بدلاً من تلك الخرقة. بدا لها الآن أنه بات بإمكانها أن تسير في الشارع من دون أن تلفت الأنظار. ولتختبر غُفليتها، مشت خارج البوابة الرئيسة للمستشفى وأكملت طريقها دون أن يلاحظها أحد.
لم تكن المدينة تشبه أية مدينة شاهدتها من قبل. شوارعها كانت مكتظة بالمارة، ورغم أن هؤلاء لم يكونوا في مزاج بهيج، إلا أنها افترضت أنهم يحتفلون بمناسبة من نوع ما. أما الأوتوموبيلات (والتي اعتقدتها عربات قطار) فكلها نفث دخاناً كريهاً وهو يعبر. دقائق قليلة من الاتصال بالحشود كانت كافية لتقتنع بأنها فعلاً باتت مجهولة ومن بعدها ستغادر إلى مكان هادئ في الأرياف، ولن تطأ المدينة مجدداً.
لكنها فجأة، لاحظت رائحة واهنة لصمغ يحترق في مبخرة وقد امتزج عطره بالروائح المنبعثة في الشارع. وإلى يسارها، كان هناك مدخل مؤدٍ إلى كنيسة. استدارت سانتا روزندا ودخلت. وعلى الفور أدركت أن كل شيء هناك كان مزيفاً. فالإنارة في الداخل كانت شبيهة بضوء الشمس، ولم يكن مصدرها الشموع. أما الموسيقى فلم تكن أبداً، كما عهدتها. استرقت السمع إلى أن بدأ القس بالتكلم. لم يكن بمقدورها فهم كلماته. وفجأة أدركت، وقد دب فيها الذعر، بأنه لا يتحدث باللاتينية وإنما باللغة المتداولة في الشارع.
وبدون أن تفكر بأي شيء آخر عدا الوصول إلى الرجل وكبح هذا التدنيس، أخذت تركض نحو المذبح. الناس القلائل ممن لاحظوها لم يحاولوا إيقافها. لكن القس أكمل بميكانيكية ترنيم الكلمات الكريهة، ولم يأبه أنها واقفة قبالته وتحدق في وجهه.
بيديها الاثنتين معاً دفعته في صدره، وللحظة تضاربا، قبل أن يهرع الناس صوبهما. وفي هذه الخناقة التي استمرت لحظات، سُحِبَ شال الحرير من على رأس سانتا روزندا وعلى مرأى من الجميع أنيرت دائرة الضوء فوق رأسها. لم تنتظر حتى ترى ردة فعل الكاهن أو الجمع، فمضت في اختفائها بشكل طبيعي. تحقير القداس كان تحوّلاً لم تكن مستعدة للقبول به، وفقدت كل رغبة بالبقاء على الأرض. قد تعود بعد عدة قرون، بأمل أن تكون أمور العالم عندها قد استقامت.