صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

رفْعُ الهامةِ فوق الغمام

في هذه المختارات من الشعر الإيطالي المعاصر ثمة خيطٌ رابطٌ يجمع بين مقول الشعراء، يتمثّل في الدوران حول العفوية، برغم صخب الحياة وعنفها، وذلك ما اختزله الشاعر أوجينيو دي سينيوريبوس في قوله «فظيع العالم»، حيث يعيدنا المقول الشعري إلى ذواتنا وإلى أيام الصبا وعشقنا الأول، فلا يهوي بنا عميقا في واد بهيم ولا يحلّق بنا قصيّا في غيابات الغموض؛ بل يغوص بنا في ذواتنا وفي ما يجول في خواطرنا وما يحيط بنا. لذلك لا نصادف في اللغة الشعرية لسائر الشعراء المعروضين زُخرفَ القول ولا تلك الغنائية الفجّة، بل يستمدّ الشعر إلهامه من زخم الواقع، وكأنّ الشعر الإيطالي المعاصر يتّجه صوب «واقعية الشعر الجديدة»، ليست تلك الواقعية الباهتة ولا الهرمسية الغامضة. فمدرسة «الشعر الهرمسي» التي نضجت مع مونتالي وأونغاريتي وكوازيمودو، عبر ما بنتْه من عمارات شعرية في القول والصور المبهمة، تبدو وكأنّها قد أنهكتها الغرابة، ففسحت المجالَ للسانٍ نضِرٍ بكرٍ، دون خجل ودون غرور، فكثافة الكلمة وغور معناها هو ما يطبع الشعر الإيطالي المعاصر.


كلاوديو دامياني
وُلد كلاوديو دامياني سنة 1957 في سان جوفاني روتوندو، يعيش في روما، حيث يدرّس في معهد ثانوي. أصدر المجموعات الشعرية التالية: «مدينة فراتورنو» 1987، و«بيتي» 1994، التي نالت جائزة داريو بليزا، و«المنجم» 1997، نالت كذلك جائزة ميتاورو. قُدّم له في عرض مسرحي سنة 1986 نص «اختطاف بروسربينا». ألّف كذلك كتابين، الأول بعنوان: «خطابات وفنون شعرية» 1995، والثاني بعنوان «أحلى قصائد تريلوسا» سنة 2000. كان من بين مؤسسي المجلة الأدبية «براتشي» (جمْرٌ) 1980/‏‏1984.

عشقٌ بجنون
أعيد النظر الآن
في الشكل الذي عشقتُ به بجنون
حين كنت صبيّاً،
وكيف كنت متيقّناً
أن حبيبي كان ملاكاً لديّ
وكيف كنتُ ملاكاً
وكيف كنّا متماثلين سويّاً.
والآن لن أقول إن كلّ هذا كان زيفاً
لأن الحياة مختلفة
أو لأن الحياة غيّرتني
خلافاً أقول:
الكل كان صادقاً
نولَد ملائكة ونعشق بكل جوارحنا
بكل الوله الساكن فينا نعشق
ومثل طفلين لا يعرفان كُنْه العالم
معاً نرحل.

بيانكا ماريا فرابوتا
من مواليد روما 1946، تدرّس الأدب الإيطالي الحديث والمعاصر في جامعة لاسابيينسا. تنشر في مجلات ودوريات متنوعة. من بين إبداعاتها الشعرية: «أنوثة» 1976، و«الضجيج الأبيض» 1982، و«نشيد مضاد للانغلاق» 1991، و«سيرٌ على الأقدام» 1995. قامت خلال 1973 بإعداد أنطولوجيا بعنوان «نساء شاعرات»، وعلى إثرها نشرت مؤلف «الأدب النسوي» سنة 1980، ثم مؤلف «جورجيو كابروني شاعر اليقين» سنة 1993.

رفْعُ الهامةِ فوق الغمام

أشتري نعلاً
أسود مثل الليل
بكعب عال
لرفع الهامة فوق الغمام
لأحثّ السير في مطر عيد الميلاد
زخّات.. هذه المراهقة الأليمة
وأنا أريكَ النعل الملتصق.
أنزلُ من الثارات العالية
من مصعد المترو المتحرك
وأنت تهزأ
من هذا النعل
الذي يأخذني توّاً
إلى الجحيم..



جيوسيبي كونته
ولد سنة 1945 بإمبيريا، ويعيش متنقلاً بينها وبين نيتسا. نشر المجموعات الشعرية التالية: «أبريل الأبيض والأخير» 1979، و«المحيط والصبي» 1983، و«مواسم» 1988، و«حوار الشاعر مع الرسول» 1992، و«أناشيد من الشرق والغرب» 1997. نشر كذلك عدة روايات منها: «ربيع لاهب» 1980، و«أيام الغيم» 1990، و«أوفياء الحب» 1993. ترجم لبلاك وشيلي وويتمان، إضافة إلى إعداده أنطولوجيا «أشعار غنائية من الغرب» 1990.
يلِجون الموت
يلِجون الموت بشَعْر
مصفوفٍ خلف الرقبة
ببسمات باهتة مهجورة
على طرف تميل
مندثرة،
لهم أيادٍ غريبة متدلّية
لطالما المرآة
كانت في اليمين فيها منحصرة
يلِجون حيث لا يموتون أبدا..
يعبرون ظلمة وهوة..
ينجمون من الماء
على حافة البحر الطافح بالدلافين
الطائرة..
والتنانين مجرورة بخيول أربعة.
أما كان إنسانا هذا الذي يُرى مسحوقاً
بين الأوراق قشوراً وطيناً
حول جمجمة.
كانت بهجة متفرّدة لطيفة
من حجر وأجنحة وشمس.


فرناندو بانديني
وُلد سنة 1931 بفيتشنزا وبها يقطن. درّس علم العروض والأسلوبية بجامعة بادوفا. يقوم بنشاطات في النقد الأدبي. حاصل على تكريم في أمستردام متعلّق بالشعر اللاتيني بشأن «شرتمان فاتيكانوم». يتكوّن إنتاجه الشعري من المجموعات التالية: «بشكل ساطع» 1962، و«لغرض ما» 1965، و«ذكرى المستقبل» 1969، و«الراهبة والمدينة» 1979، و«عودة النجم السيّار» 1985، و«قدّيسو شهر ديسمبر» 1994. بالإضافة إلى أعمال ترجمة لأورازيو وبودلار.

الزمن هشيم

ماكثٌ في الظلّ المنحدر منذ سنين
أقرأ صحفه البالغة في الحين،
مذنّب هالاي
قلّةٌ تراه مرتين.. هناك
من يولَد بعد عبوره ويقضي
قبل مآبه
رأسه يتّجه نحو المستقبل
غائر للتوّ في الذاكرة
يغوص في مدى ظلمة شاسعة..
تَلفتْ طفولة الآباء في تقابلات واهنة
لمشاهد أفلام صامتة،
العصافير والجيزان
لا تذكر شيئاً بشأن النجوم،
فلذوات المناقير والمجنَّحات
الزمن هشيم فصول عابرة.
يتوقّف توار لامدرك
لفصول الطبيعة
في تجاعيد البشر،
منذ الصبا تابعتُ غوردن بيم
في قِمْعٍ أبيض يُزْدَرد،
الآن عرفتُ كلّ شيء.. كلّ شيء
مقدور سلفاً.. فقط تبقى السماء
موصدةً في أختامها السبعة.


كورادو كالابرو
وُلد بإقليم ريجيو كالابريا، ويعيش حالياً في روما. نشر ثلاثة عشر ديواناً شعرياً، بدءاً من «الانتظار الأول» سنة 1960، إلى «المجازفة نفسها» سنة 2000. تمّ طبعُ المجموعة الكاملة لأشعاره من قِبَل دار نشر موندادوري سنة 1992 بعنوان «أحمر أليكودي» في ثلاث طبعات. كذلك نشر رواية بعنوان «تذكّرْ نسيانها» سنة 1999 التي فازت بجائزة ستريجا.
المجازفة
عقلياً من الثابت البحر مهْلَكة
لكن ما أحسستُ ذلك قطُّ،
يُقبَل البحر بما عليه، هكذا بلا رجاء.
تُضَمّ إلى الصدر مع كل حضنة،
موجةٌ لطيفة غير شاغلة
لا معنى يُرجى أن تبحرَ باتجاه الأفق،
أين الماء معسَّل بالغروب..
ما لم تتابع نظْماً في العوْم، ترهق الأيدي
وتطفئ في البحر رغبة اللحاق بالتخوم..
فجر انبلاج يوم جديد.
وإذا ما استدرنا على الظهر كسمكة نازفة
بأعين منتفخة، بالماء مرهَقة،
كجسد معطَّل في الكَنَبة
محتَضَن من الحبيب،
في العمر السالف للعقل
مرَّ ذلك العمر،
العشق مهْلَكةٌ
سوء ثقة، أن تتعقّل أكثر..
يُلاقى البحرُ كما صادف
أن تحسّ بمداعبة الماء
في كل حضنة لا تنتهي
رهانٌ نخوضه حتى منتهى عواقبه.
الشيء المحزن جداً،
أن تموّه على الحافة بدل السباحة.

أوجينيو دي سينيوريبوس
وُلد سنة 1947، بكوبرامونتانا قرب مدينة أنكونا. يعمل مدرّساً في معهد ثانوي لدى سكولي بيشنو. من بين مجموعاته الشعرية الغنائية نذكر: «أشياء ضائعة» 1989، و«ضروب أخرى من التربية» 1991، و«برازخ وسدود» 1996، و«مبدأ اليوم» 2000.

تحولات

بدّلَ جِلدَه للتحمّل
انكمشَ بحذرٍ في حصنه
وما انفتح
نظرَ من الكوّة
ساقٌ مهشّمةٌ
فظيع هو العالم.


حداثة

أنوار الحداثة أراها
عندما تثِب فوق الصمام،
في توتّر التلفاز
والفانوس
يُحرق الظلام الفجائي بالبسمة الماكرة
لراصد العطب.
الكلمة ارتدّتْ عماءً
تبدو تنحت من حياة الشك
لكنها وجلةٌ في العراء...

جيوفاني جيوديشي
وُلد في لاسبيزا سنة 1924م، عاش سابقاً في روما، ويقطن حالياً في ميلانو. يشتغل صحفياً ثقافياً في قطاع الإشهار لدى شركة أوليفيتي. برز كشاعر إثر نشر مجموعتيه الشعريتين: «التربية الكاثوليكية» 1963 و«الحياة في أبيات شعر» 1965، اللتين أتبعتا بـ«سيرة بيولوجية» 1969، و«التطويبات» 1972، و«شرّ المُدينين» 1977، و«مطعم الموتى» 1981، و«أنوار صنائعك» 1984، و«سالوتز» 1986، و«بأسٌ » 1990، و«كمْ يتوق جيوفاني للانعتاق» 1993، و«هرطقة المساء» 1999. إضافة إلى نشره الأعمال الأدبية التالية: «الأدب نحو هيروشيما» 1976، و«سيدة من سقط المتاع» 1985. يقوم بنشاط ترجمة مكثّف يتناول شعراء يكتبون بالإنجليزية والسلافية، جُمِعت كتاباته النثرية في مؤلف بعنوان: «فراو دكتر» 1989. منذ 1989 عاد للسكنى في مسقط رأسه.

عندما تفيضون لغواً
كنتم مشرَّعين ومنفتحين
أنتم من تعتقلونني سجينة
أنتم مَن فوقي تتربّعون
فمٌ ونبعٌ وجدول
لظمئي عبثاً مبذولة،
يبقى ولا ينطفئ
هكذا تخرسون عندما تفيضون لغواً.
كتاب أعمى بصيرة
خُطّ بروعة في لسان مجهول،
في منام كل ليلة أنطفئ
شوكة أولى
وزهرة عند يقظة الفجر،
هكذا ينزاح الزمن
نائياً من هناك
ودانياً من هنا.


فيفيان لامارك بتيزيرو
وُلدت قرب مدينة ترينتو سنة 1946، وتعيش في ميلانو، حيث تدرّس. تترجم من الفرنسية إضافة إلى انشغالها بالأسطورة والشعر. نذكر من بين مجموعاتها الشعرية: «حبي رائعٌ» 1978، و«تريزينو» 1981، و«زاد القصائد» 1989، و«سيّد الأهوال» 1992، و«غبار هادئ» 1996. من أعمالها المنشورة في القص الخرافي: «الصبية آكلة الذئاب» 1992، و«الصبية غير المسماة» 1993.

قصيدة غير شرعية

تلك الليلة التي بادلتك الحب العقلي فيها،
ما كنت محترسة.
على إثرها انتفخَ عقلي..
هل تعرف أني منذ ليلتين
بعدَ عذابات الحمْل
وُلِدت لديّ قصيدة
غير شرعية
تحمل فقط اسمي
لكنّ لها طبعُكَ الغريب
تشبهكَ
ففي الحين الذي لا ترتاب أبداً
تعلم أنك قد رُزِقت بنتاً.

فرانكو لوي
ولد في مدينة جنوة سنة 1930. يعيش في ميلانو، ويكتب بلهجتها المحلية. لغته الشعرية نابعة من تمازج بين مكونات لغوية متنوعة، منها ما يعود لحقل مهني محدد أو لاستعمالات جهويَّة أو لتجمعات مهنية وفلاحية، بيْدَ أنه أعيد نحتها بحسب مستلزمات التعبير لدى الشاعر. من بين مجموعاته الشعرية: «أوراق» 1973، و«قصائد حب» 1974، و«المنجم» 1975، و«مسرح» 1978، و«الهواء» 1981، و«الملاك» 1981-1994، و«باخ» 1986، و«ألبوم عائلة» 1988، و«عشق الزمن» 1999. صحفي متعاون مع «سولي فانتي كواترو أوري» وهي صحيفة أدبية تصدر كل يوم أحد.

أن تكون شاعراً
(القصيدة مكتوبة بلهجة ميلانو)
أن تكون إنساناً
وأن تكون شاعراً
مثل كلاب
نابحة على القمر
بجِبِلّتِها،
بصبر تمكث هناك للسماع..
أن تكون إنساناً
وأن تكون شاعراً
خوفاً
من أن تصير نفخة هواء
فتندثر..
أن تكون إنساناً
وأن تكون شاعراً
بغموض
ما ينمو داخل الإنسان
ليبدّد الألم،
إعادة ذلك الإنسان الذكرى
الذي حلم به الجمال يوماً.