صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

كل البنادق موجهة نحو بوب مارلي

بوب مارلي هو كل الحكاية في رواية الجامايكي مارلون جيمس «تاريخ موجز لسبعة اغتيالات» The Brief History of Seven Killings (الفائزة بجائزة بوكر العالمية لعام 2015)، هو الذي لن ينطق حرفاً واحداً، ونحن نراه على الدوام بأعين من يترصدونه! إنه «المغني»، كما يشار إليه في الرواية، وأيام تفصله عن حفل «ابتسمي يا جامايكا» المقام في العاصمة كينغستون، لكن القتلة قادمون، وفي الطريق إليه عوالم كثيرة ستتفتح أمامنا، نوازع ورغبات وتهويمات، فلسفات شخصية قادمة من قعر المجتمع الجامايكي، من عوالم الجاسوسية والاستخبارات، تمضي بالتناغم مع حيوات تتدافع وتترامى لتصل مارلي في تمام الصفحة 236، إنه «كمين في الليل» ما سيتعرض إليه نجم «الريغي» الأسطوري وكلمات أغنتيه تلك تختزل ما حصل «كمين في الليل/‏‏ كل البنادق موجهة نحوي/‏‏ كمين في الليل/‏‏ لقد فتحوا النار عليّ الآن..».

ما من عائق أمام السرد في «تاريخ موجز لسبعة اغتيالات»، ولا حتى الموت! إنها رواية تبدأ منه: «اسمع. لا يتوقف الموتى عن الكلام أبداً. ربما لأن الموت ليس موتاً على الإطلاق»، تلك هي العبارة الافتتاحية في الرواية، والمتكلم هو آرثر جورج جيننغز، إنه سياسي اغتيل وتمّ رميه من على شرفة فندق لكنه يقول «أضع رأسي الأشبه بيقطينة مهشّمة وأواصل الحديث».

العالم السفلي
سيغيب جيننغز ويعاود الظهور مع الأحداث المفصلية في بناء الرواية العام، وما بين غيابه وظهوره ستكون شخصيات كثيرة قد تناوبت على السرد: قتلة، رجال عصابات، بلطجية، عملاء سي أي إيه، أبناء «الغيتو» وعوالم كينغستون السفلية، وامرأة واحدة هي نينا بيرغس.
67 شخصية ستحملها «تاريخ موجز لسبعة اغتيالات»، 15 منها ستتولى السرد في الرواية ذات الـ688 صفحة، وكل فصل يحمل اسم الشخصية، والتي بدورها تمضي مباشرة في سردها، ما يضع القارئ مباشرة في خضم أمواج متلاطمة من الهواجس والمشاهدات والعوالم والحيوات، يتجسد فيها الحقد الطبقي، والنزوع نحو القتل، وكل ما صاغ الشخصيات لتكون على ما هي عليه، كأن يقول فتى «الغيتو» «بام بام» في أول فصل له: «يمشي الجنون في الشوارع الأنيقة في قلب المدينة ويرى امرأة ترتدي ثياباً على أحدث موضة ويريد أن يمشي مباشرة إليها ويسحب حقيبتها، عارفاً أنها ليست الحقيبة وليس المال ما نريده تماماً، بل الصرخة حين تراك تقفز فجأة أمام وجهها الجميل، وأن باستطاعتك صفع السعادة مباشرة من على فمها ولكم الفرح مباشرة في عينيها، وأن تقتلها هناك».
بينما يقول رئيس مكتب الـ«سي أي إيه» في جامايكا باري ديفلوريو: «أنا في جامايكا وكل شيء يمضي حسب الخطة. إنها طريقة حمقاء لقول إن الأمور تمضي كما في كتاب مدرسي يتحلى بالسهولة، والعمل حقيقة ممل هنا، لا يحمل أي مفاجآت، ردات فعل الجامايكيين هي تماماً كما توقعتها».
إنها كينغستون وتحديداً في عام 1976، الأجواء مشحونة، كل شيء قابل للانفجار، وجامايكا على أبواب انتخابات جديدة، والصراع على أشده في «كوبنهاغن سيتي» و«إيت لانس» وقوده سكان تلك المنطقتين الفقيرتين، حيث المجابهة بين «حزب الشعب الوطني» الحاكم (اليساري) و«حزب العمال» (اليميني)، وهذا الأخير عازم على منع انتخاب «حزب الشعب» مجدداً، ومن خلفه الولايات المتحدة التي لا تريد كوبا جديدة على مقربة منها، أو كما يورد ألكس بيرس الصحافي في مجلة «رولينغ ستون» وقد جاء إلى كينغستون ليغطي حفل بوب مارلي: «يعتقد سائق التاكسي أن فوز حزب الشعب الوطني بالانتخابات سيؤدي لأن تكون جامايكا البلد الشيوعي الثاني».
تلك هي الخلفية التاريخية والسياسية لأحداث الرواية، وليتصاعد هذا الصراع، مع اعتماد الحزبين على العصابات في صراعهما الذي يتحول إلى صراع مسلح، وعليه فإن كل الشخصيات قادمة من هنا أولاً: «قال لنا الرجل الأبيض إننا نقاتل في سبيل الحرية من الشمولية، والإرهاب، والتسلط، لكن أحداً لم يفهم شيئاً من هذا»، ما يضيء على ما كان عليه رجال تلك العصابات وتوظيف وحشيتهم في صراع يتيح لهم فقط إراقة الدماء بحرية.
تتخذ رواية «تاريخ موجز لسبعة اغتيالات» من حادثة حقيقية تتمثل بمحاولة اغتيال نجم «الريغي» الأسطوري بوب مارلي (1945 – 1981) في كينغستون نقطة ارتكاز أساسية لكل ما تحمله الرواية، كون الحفلة التي سيحييها مارلي من تنظيم رئيس وزراء جامايكا وزعيم حزب الشعب الوطني مايكل مانلي. يشكّل ذلك العقدة الرئيسة التي تمضي إليها الأحداث والشخصيات مواصلة إلى ما بعد محاولة الاغتيال تلك، ووفاة مارلي عام 1981، إلى أن تصل بداية التسعينيات، في تتبع لحضور العصابات الجامايكية في الولايات المتحدة وتجارة المخدرات، واستكمال مصائر الشخصيات المتورطة بمحاولة الاغتيال تلك، وتحديداً الأشخاص السبعة الذي نفذوا العملية، والتي نجا منها مارلي وزوجته بأعجوبة رغم إصابتهما، فقبل يومين من حفلة مارلي سيقدم سبعة أشخاص برشاشاتهم، على اقتحام بيت مارلي في «هوب رود» أثناء إجراء «بروفة» مع فرقته، وإطلاق النار على كل من هو موجود في البيت، وللمفارقة المدهشة فإن الجميع سينجو بمن في ذلك مارلي الذي يتلقى رصاصة في صدره، كذلك زوجته التي تصاب في رأسها، وحتى مدير أعماله الأميركي الذي يتلقى خمس رصاصات.
هذا ما حدث حقيقة، وليأتي سرد ذلك في الرواية على لسان «بام بام» في فصل مدهش بحق، مكتوب كما الأغاني عامودياً وما نقرؤه يبدو كما لو أنه مصوّر بكاميرا مهتزة وعبارة «سأقتل سأقتل سأقتل» اللازمة المتكررة طيلة ذلك الفصل.
محاولة الاغتيال تلك ستكون معبراً يتخطى العقدة الدرامية، إلى عقد تاريخية وسياسية واجتماعية، بحيث تتعدد المقاربات بتعدد الشخصيات وهي لا تروي إلا حيواتها وحيوات شخصيات أخرى على ثلاثة مستويات لا تخرج عنها: المونولوج ومخاطبة القارئ والحوار، ومن البديهي أنها جميعاً بصيغة المتكلم، وهي بشكل رئيس تأتي مما يجول في أعماق الشخصيات.

جماليات السرد
لا تشكل المفاجأة الدرامية المتأسسة على عقدة أساسية رهان هذه الرواية الملحمية، إذ إنها تحتكم على مفاجآت ومنعطفات كثيرة حاضرة في كل فصل، تؤسس فيها الصياغات اللغوية وتنويعاتها وثراؤها عاملاً حاسماً في تحفيز السرد وشحنه دائماً بجرعات جمالية تتناغم مع ما ترويه الشخصيات وتتورط فيه، وما تمضي إليه من أفعال وردود أفعال، لا بل إن استطرادها يأخذ القارئ غالباً نحو مساحات مدهشة سرعان ما تلتئم وخط السرد الرئيس، وهي تتبع فكرة أو هاجساً كما هي نينا بيرغس وهي مسكونة بأنها ستتعرض للاغتصاب كونها تمشي ليلاً في شوارع كينغستون الخاضعة لحظر التجوال: «سمعت عن امرأة ذهبت إلى الشرطة لتبلغ عن تعرضها للاغتصاب، فلم يصدقوها وقاموا باغتصابها مجدداً».
«تاريخ موجز لسبعة اغتيالات» هي ثالث روايات مارلون جيمس (1970)، وهي تشكّل بلا أدنى شك انعطافة كبرى في أدبه، إنها حافلة بكل شيء، مصاغة كما الأغاني، كما إيقاعات «الريغي» و«الهيب الهوب»، مأخوذة بعوالم تهبك شعوراً بأنها لا متناهية، حيث توالدية السرد بلا حدود، والقدرة على اجتراح القصص استثنائية مع كل شخصية تتولى السرد، والقارئ ينتقل بين إنجليزية جامايكية إلى إنجليزية أميركية إلى أخرى توثيقية صحفية بحيث يكون السرد آتياً من 15 راوٍ، ولكل منهم حكايته، وحكاية شخصيات أخرى.

هموم روائية
تروي أولى رواياته «شيطان جون كرو» 2005 قصة بلدة يتجاذب سكانها صراع بين الخطيئة والسحر، ولها أن تكون متمركزة حول الصراع الديني ومستوياته المتعددة، واستسلام سكان تلك البلدة لمن يدّعي خلاصهم، بينما تتمحور روايته الثانية «كتاب نساء منتصف الليل» 2009، حول العبودية في مزارع قصب السكر، وأحداثها تبدأ عام 1785 مع ولادة ليليث «ذات البشرة الأكثر سواداً من الليل والعينين اللتين لا مثيل للونهما الأخضر»، ومع تكشف ليليث عن قدرات خارقة فإنها والنساء حولها سيوظفون تلك القدرات في تثوير الجزيرة ومجابهة العبودية.
وكما ينفي مارلون من البداية عن الموت كونه موتاً في «تاريخ موجز..» فإنه ومن السطر الأول في «كتاب نساء منتصف الليل» ينفي عن الدم لونه الأحمر ربما لكثرة ما سيهرق منه في هذه الرواية «يظن الناس أن الدم أحمر، لكن الدم لا لون له».
لا يحبذ مارلون وصفه بالكاتب ما بعد الكولونيالي، مع أنه قدّم نفسه فيما مضى في هذا السياق، وهو بلا أدنى شك رصد جامايكا أثناء الاحتلال البريطاني وقوانين العبودية مضيئاً الهوية الجامايكية وفق اختلافها مع الآخر المستعمِر، وصولاً إلى «تاريخ موجز..»، حيث جامايكا ساحة تجاذب بين قطبي الحرب الباردة بعيداً عن الاستعمار البريطاني، «لو كانت أحداثها تدور إبان الاحتلال البريطاني لانتقلت شخصياتي من جامايكا إلى بريطانيا وليس إلى الولايات المتحدة»، إنه ينتمي – كما يقول في حوار معه في «الغارديان» – إلى جيل جديد «جيل ما بعد بعد الكولونيالية».

صوت شرعي للخيال
في بيان خاص بإعلان فوز الكاتب الجامايكي مارلون جيمس بجائزة مان بوكر وصف مايكل وود رئيس لجنة التحكيم الرواية بأنها «الأكثر إثارة من بين الروايات التي اختيرت ضمن القائمة القصيرة».
أما جيمس فقال أثناء تسلمه الجائزة إن جزءاً كبيراً من الرواية استلهم موسيقى الريغي. وأضاف: «مغنيا الريغي بوب مارلي وبيتر توش كانا أول من أدرك أن الصوت الذي يخرج من أفواهنا هو صوت شرعي للخيال والشعر».
وجيمس هو أول كاتب جامايكي يفوز بالجائزة، وقد أهدى فوزه إلى والده الراحل الذي شكل حسَّهُ الأدبي.

نساء منتصف الليل
دخل مارلون جيمس عالم الرواية العام 2005، حيث أصدر روايته الأولى «شيطان جون كرو» التي تروي قصة بلدة يتجاذب سكانها صراع بين الخطيئة والسحر، تلتها روايته الثانية «كتاب نساء منتصف الليل» 2009، حول العبودية في مزارع قصب السكر، وأحداثها تبدأ العام 1785 مع ولادة ليليث «ذات البشرة الأكثر سواداً من الليل والعينين اللتين لا مثيل للونهما الأخضر»، ومع تكشف ليليث عن قدرات خارقة فإنها والنساء حولها سيوظفن تلك القدرات في تثوير الجزيرة ومجابهة العبودية.

الدَّم لا لون له
الموت ليس موتاً ولون الدم ليس أحمر. يظن الناس أن الدم أحمر، لكن الدم لا لون له».
مارلون جيمس

مبيعات
ذكر مركز أبحاث نيلسون أن مبيعات الرواية زادت أكثر من ألف نسخة في الأسبوع، بعد اختيارها ضمن القائمة القصيرة للبوكر، وهي نسبة تعادل ثلاثة أضعاف الشهر الماضي.

الرواية صيغت كما الأغاني.. كما إيقاعات «الريغي» و«الهيب الهوب» وهي مأخوذة بعوالم تهبك شعوراً بأنها لا متناهية