الخميس 11 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم

ألمانيا.. صراع ضد «داعش»

23 ديسمبر 2014 00:09
بعد أن ألقى إحدى خطبه التي يندد فيها بتنظيم «داعش» نزل محمد طه صبري، خطيب مسجد «بيت السلام» في برلين من منبره لإلقاء التحية على الحضور، معداً نفسه لسماع بعض الانتقادات والتي يبدو أنها لم تتأخر كثيراً، حيث تقدم رجلان شابان من الخطيب المولود في تونس واللاجئ في ألمانيا لعدة سنوات، وسألاه «ما مشكلتك مع الدولة الإسلامية؟ إنك تحيد عن الطريق الصحيح»، ليرد عليهما الخطيب الذي كان قبل لحظات يهاجم التكتيكات العنيفة التي يستخدمها تنظيم «داعش»، قائلا «لست أنا من ضل الطريق، بل أنتم من انحرفتم عن جادة الصواب». والحقيقة أنه فيما يتعلق بالنقاش المثير للجدل حول «داعش» فقد أصبحت التجمعات الدينية والاجتماعية التي يحتضنها المسجد في برلين، معروفة بدورها المعتدل وجهودها التواصلية مع الشباب المسلم لتوعيته ومنعه من الانجرار وراء «يوتوبيا» إسلامية حالمة تمثلها «داعش»، أو ما يسمى «دولة الخلافة» في كل من العراق وسوريا، بل إن هذا الدور ليس حتى وليد اللحظة، فالمسجد الواقع بأحد أحياء المهاجرين جنوب برلين كان على الدوام صوتاً للاعتدال والتسامح يتجاوز دوره المجال الديني الصرف، إلى الانغماس في المشاكل الاجتماعية للناس، والسعي لحلها مثل استقباله للنساء المعنفات وتأمين المأوى لهن لحين طلاقهن، فضلاً عن الخطاب الوسطي والمنفتح الذي يبثه العاملون فيه. لكن وفيما بدأت أيديولوجية «داعش» المتطرفة تصل إلى ألمانيا وباقي البلدان الغربية من ساحات المعارك في الشرق الأوسط تحول المسجد الهادئ إلى نموذج مصغر لخطوط التماس المتشكلة في عدد لا حصر له من المساجد الأخرى بالدول الغربية، مجسداً المعركة اليومية التي يقودها زعماء الدين المعتدلون في أوروبا وغيرها ضد خطاب متشدد يستميل عدداً متزايداً من الشباب المسلم في الغرب، وهي معركة تبث انقسامات وشروخاً جديدة داخل المجتمعات، كما لا يكسبها دائماً المعتدلون. ولعل ما يدل على ذلك أن اثنين من المصلين بمسجد «بيت السلام» وهما مواطن ألماني ومغني راب سابق اعتنق الإسلام شوهد مؤخراً وهو يحمل رأساً مقطوعة في سوريا بعد انضمامه لـ«داعش»، والمصلي الثاني هي فتاة تبلغ من العمر 18 عاماً التقتها صحيفة «واشنطن بوست» بعد أن أفصحت عن تخطيطها للذهاب لسوريا، كما عبرت عن استيائها الشديد من خطب إمام المسجد، صبري، الداعية للاعتدال والتسامح. وعن هذه المعركة يقول الخطيب «إن داعش بمثابة ذراع غير مرئية تسمم الأجواء وتخطف كل يوم أبناءنا، نحن بصدد فقدان شيء ثمين وغال جداً متمثلا في شبابنا الذي يسقط لقمة سائغة في أيدي التطرف».ويبدو أن النزوع نحو التطرف بات واضحاً في أسئلة الشباب الموجهة لمسؤولي المسجد، حيث تلقى الإمام فريد حيدر، خطيب بمسجد «بيت السلام» ومنسق مجموعات الشباب، سؤالاً من الفتاة ذاتها التي تخطط للذهاب لسوريا تستفسر فيه عما إذا كان مسموحاً بقتل المسيحيين واليهود، تلك الفتاة التي اختارت اسم مريم، وافقت على أن نقضي معها يوماً كاملاً في برلين شريطة ألا نبلغ عنها السلطات الألمانية، فهي تخطط بالفعل للسفر إلى معقل «داعش» في سوريا ومعها شاب تونسي تنوي الزواج به، مؤكدة أن ما يتناوله الإعلام الغربي ليس صحيحاً ولا يعبر حقيقة عن الوضع تحت «الخلافة»، وتقول الفتاة الألمانية التي كانت ترتدي النقاب وهي تتجول معنا في شوارع برلين فيما المارة ينظرون إلينا أن الهجرة «من دار الكفر إلى دار الإسلام ضرورية». لكن موجة التطرف الأخيرة التي شرعت في اجتذاب الشباب الغربي لم تتزايد إلا في السنتين الأخيرتين عندما بدأ الخطيب صبري يستشعر تحولاً في أذهان وعقول المصلين الشباب الذين يفدون إلى المسجد، ففي وقت تتالت فيه الأنباء من سوريا وتكريس «داعش» سلطتها وتمددها في المنطقة، انطلقت معركة في أذهان الشباب بين البقاء، أو الرحيل، فكان لزاماً على مسؤولي المسجد التدخل لتغليب صوت الاعتدال على التطرف، وفي أول رد فعل دعا الخطيب صبري إلى اجتماعات دورية مع الشباب، وضعاً عن قصد أعلام ألمانيا والاتحاد الألماني في قاعة الاجتماعات بغرض واضح هو التأكيد على ضرورة أن يكون المسلمون فخورين بالتواجد في ديمقراطية مزدهرة، لكنها رسالة إذا نجحت مرة فإنها تفشل مرات في ظل إغراء «داعش» من جهة، وتنامي الشعور المعادي للمسلمين في ألمانيا من جهة أخرى. أنتوني فيولا وسعاد مكينت - برلين ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©