تقارير

الاتحاد

نفوذ الجلبي المتجدد: يقلق أميركا ويزعج السُّنة

برز "أحمد الجلبي" حليف أميركا الوثيق في بداية عهد الاحتلال إلى دائرة الضوء مرة ثانية، بيد أن تصرفاته هذه المرة أقل إثارة للجدل مما كانت عليه منذ سنوات. فعشية الانتخابات العراقية، يقود "الجلبي" محاولة تستهدف اجتثاث المرشحين الذين يَعتقِد أنهم كانوا مرتبطين بحزب "البعث" تحت قيادة الرئيس السابق صدام حسين. ويسعى الجلبي من خلال ذلك إلى استئناف الدور الذي كان لعبه عقب الغزو الأميركي للعراق، والذي يعتقد الكثيرون أنه ساعد على حدوثه في الأساس، من خلال المعلومات الخاطئة التي قدمها للأميركيين، وهو ما يستثير غضب مسؤولي الولايات المتحدة وبعض العراقيين الذين يرون أن دافعه للقيام بهذا الدور مجدداً هو تعزيز كتلته السياسية في المقام الأول.
وقد دافع الجلبي عن إجراءات هيئة "العدالة والمساءلة" التي يشرف عليها ووصف تلك الإجراءات بأنها قانونية وفي غاية الأهمية خلال هذه المرحلة الانتقالية الحرجة التي يمر بها العراق نحو تكوين أول حكومة مستقلة ذات سيادة. غير أن ظهوره مجددا في المشهد السياسي أقلق المسؤولين الأميركيين، كما غذى مخاوف السنة وغيرهم من الفئات العلمانية في العراق من احتمال تعرضهم للإقصاء والتهميش خلال الفترة القادمة.
بعض العراقيين والمسؤولين الأميركيين يعتقدون أن الجلبي ربما يضع نصب عينيه الجائزة النهائية وهي الحصول على منصب رئيس الوزراء، مهما كانت احتمالات الحصول عليه بعيدة. "حتى لو كان ذلك سيقتله، فإنه سيظل في العراق إلى أن يصبح رئيساً للوزراء"، هذا ما يؤكده "عزت شهبندر"، وهو برلماني شيعي ينتمي إلى كتلة سياسية منافسة، ويعرف الجلبي معرفة وثيقة منذ عشرين عاما.
وكان الجلبي قد فقد حظوته لدى الأميركيين عام 2004 ، بعدما اتهموه بالتجسس لحساب إيران، رغم أنه كان قد عين في العام السابق رئيسا للجنة المؤقتة المكلفة بتطهير الحكومة من الموظفين الذين كانوا مرتبطين بنظام صدام حسين. وينظر إلى الطريقة المتعجلة والعشوائية التي تمت بها تلك العملية في ذلك الوقت بأنها كانت العامل المساعد الذي أدى إلى نشوء حالة الفوضى واندلاع الحرب الطائفية في العراق. ورغم ذلك نجد أن الجلبي قد بقي ليشرف على هيئة جديدة لاجتثاث "البعث" وهي "هيئة العدالة والمساءلة"، لأن البرلمان لم يعين أعضاء جددا يمكن أن يتولوا قيادة هذه اللجنة، كما يقال. وعندما أعلنت تلك الهيئة استبعاد 500 مرشح من خوض الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في السابع من مارس المقبل، لاحظ المراقبون أنها قد استهدفت إلى حد كبير المرشحين المنتمين لأحزاب سنية والأحزاب العلمانية المختلطة، وأن معظم من تم استبعادهم كانوا منافسين لكتلة الجلبي.
وعقب ذلك تم تكليف محكمة خاصة بمراجعة هذه الحالات. وعقب انتهائها من هذه المراجعة سمحت المحكمة للمرشحين المستبعدين بتقديم التماسات مكتوبة، لكن لم يتم إعلامهم أبدا بطبيعة الادعاءات التي أدت إلى استبعادهم. واكتفت تلك المحكمة باستبعاد 145 مرشحاً فقط، أما معظم العدد الباقي من المرشحين فقد قرر عدم خوض الانتخابات، أو أقدمت أحزابهم على استبدالهم بأشخاص آخرين. وفي الوقت الراهن يهدد استبعاد المرشحين بتوسيع شقة الانقسام المذهبي في العراق، بينما تسعى البلاد للخروج من عقود من الحكم السلطوي، والاحتلال، ونزيف الدماء.
هذا الأسبوع، وفي محاولة واضحة لإزالة بعض المرارة لدى قطاع من العراقيين، أعلنت الحكومة أنها ستعيد تعيين 20 ألفاً من ضباط الجيش السابقين الذين تم إعفاؤهم من الخدمة بسبب ارتباطاتهم بنظام صدام حسين.
لكن عملية استبعاد المرشحين تهدد بتقويض الانتخابات، كما تلقي بظلالها على موضوعات أخرى ذات أهمية كان يجب أن تكون محور هذه الحملة، وهي: الأمن، والبطالة، والخدمات الأساسية.
وفي ملصقات الحملة الانتخابية يتباهى الجلبي بأنه "مدمر رموز البعث"، كما تحمل لافتات الأعضاء الآخرين المرشحين من جانب كتلته "الائتلاف الوطني العراقي" مقتطفات من أقواله المأثورة مثل: "لا مكان للبعث"، مع كتابة كلمة "البعث" بلون أحمر قان يرمز للدم.
و"الائتلاف الوطني العراقي" الذي يرأسه الجلبي هو ائتلاف للأحزاب الشيعية، أبرز أعضائه من المنفيين السابقين الذين يشغلون مناصب في الحكومة الحالية. ويبدو أن معظم الساسة العراقيين الشيعة اليوم لا يقيمون اعتبارا كبيرا للجلبي على أساس أنه قد غادر العراق في أواخر خمسينيات القرن الماضي هربا من الحكم السلطوي، وعاش في الخارج بينما تعرض نظراؤه من المعارضين للسجن والتعذيب والنفي القسري.
ورغم افتقار الجلبي (65 عاما)، والذي ينتمي إلى عائلة بغدادية ثرية، إلى الدعم الشعبي، فإنه نجح في المحافظة على دوره وأهميته، وذلك بفضل ذكائه وامتلاكه للموهبة السياسية، وقدرته الفطرية الكبيرة على التأثير في الأشخاص أصحاب النفوذ، كما يعترف خصومه.
ورغم أنه ليس من النوع الذي يتهرب من المناقشة، فإنه لم يستجب للنداءات والرسائل الإلكترونية والرسائل النصية التي تطلب إجراء مقابلة معه. وفي تصريح أدلى به مؤخرا قال الجلبي إن الهيئة التي يشرف عليها "تعمل على تنفيذ واجبها القانوني والأخلاقي والوطني لحماية العملية السياسية من تسلل البعثيين الصداميين".
ويقول"رايان سي كروكر" الذي عمل سفيراً للولايات المتحدة في العراق (من 2007 إلى 2009) إن الجلبي" ليس عميلا لأحد وإنما هو رجل وطني يجيد انتهاز الفرص". ويضيف كروكر: "من المؤكد أنه سيعمل على استخدام أي أداة أو منبر للترويج لنفسه وتعزيز أجندته الخاصة".


إرنستو لوندونيو
ليلى فاضل - بغداد
ينشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست»

اقرأ أيضا